ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 12 ديسمبر 2018 زيارة: 154

جواب نداء الميت والغائب وإبطال دعوى أن توحيد الربوبية غير توحيد الألوهية

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: سعادة الدارين في الرد على الفرقتين الوهابية ومقلدة الظاهرية (2/ 12-18)
تأليف: الشيخ إبراهيم بن عثمان السمنودي
الشبهة:

زعم الوهابيون أن نداء الميت والجماد والغائب وخطابهم كفر وإشراك وعبادة لغير الله تعالى يباح به الدم والمال ولا مستند لهم في هذا الزعم الباطل بل شبهتهم التي يتمسكون بها أنهم يقولون أن النداء دعاء وكل دعاء عبادة بل الدعاء مخ العبادة.

الجواب:

والعبادة لا تكون إلا الله تعالى وحده وحملوا بسبب هذه الشبهة الفاسدة كثيرا من الآيات النازلة في المشركين على خواص المؤمنين الموحدين وعوامهم الذين يصدر منهم النداء المذكور كقوله تعالى: (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا)[1].

وقوله جل شأنه: (ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستحيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين) [2].

وقوله تعالى: (لا تجعل مع الله إلها ءاخر فتقعد مذموما مخذولا)[3].

وقوله أيضا: (له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) [4].

وقوله أيضا: (والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعون لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم، ويوم القيامة يكفرون بشرككم)[5].

وقوله أيضا: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه، إن عذاب ربك كان محذورا)[6].

وأمثال هذه الآيات في القرآن الشريف كثير كلها حملوا الدعاء فيها على النداء ثم حملوها على الموحدين وقالوا إن من ناداه (صلى الله عليه وسلم) بقوله: يا رسول الله نسألك الشفاعة أو المدد أو نادى غيره من الأنبياء والأولياء والصالحين أو سأله الشفاعة فإنه يكون مثل هؤلاء المشركين.

ويكون داخلا في عموم الآيات المذكورة ونحوها وأنهم مثل المشركين الذين كانوا يقولون: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) فإن المشركين ما اعتقدوا في الأصنام التأثير وأنها تخلق شيئا بل كانوا يعتقدون أن الخالق هو الله تعالى بدليل: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم) فما حكم الله تعالى عليهم بالكفر والإشراك إلا لقولهم ليقربونا إلى الله زلفى فهؤلاء مثلهم وادعوا أن التوحيد نوعان:

أحدها: توحيد الربوبية وهو الذي أقر به المشركين وإنما أشركوا في العبادة فقط وهي أنهم كانوا ينادون الأنبياء والصالحين.

وثانيهما: توحيد الألوهية وهو الذي أقر به الموحدون وهو الذي يدخلك في دين الإسلام وأما توحيد الربوبية فلا يكفي.

وأقول كلامهم هذا مردود وباطل بالنصوص الآتية وما هو إلا تلبيس منهم في الدين توصلوا به إلى تضليل كثير من الموحدين إذ الدعاء المذكور في تلك الآيات بمعنى النداء فهم لبسوا على الخلق وجعلوه بمعنى النداء ليتوصلوا إلى تكفير المسلمين بدون موجب يقتضيه حسب عادتهم لسوء طويتهم.

وحاصل الرد عليهم وتبيين خطئهم أن يقال لهم أن النداء وإن كان قد يسمى دعاء كما في قوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) [7].

لكنه لا يسمى عبادة فليس كل دعاء عبادة ولو كان نداء دعاء كما زعمتم لشمل ذلك نداء الأحياء والأموات فيكون كل نداء ممنوعا سواء كان للأحياء والأموات أم للحيوانات والجمادات.

وليس الأمر كذلك وإنما النداء الذي يكون عبادة هو نداء من يعتقد ألوهيته أو استحقاقه للعبادة فيرغبون إليه ويخضعون بين يده فالذي يوقع في الإشراك هو اعتقاد ألوهية غير الله تعالى أو اعتقاد التأثير لغيره تعالى أو استحقاقه العادة والتعظيم كما يستحقه إلا له سبحانه وتعالى وأما مجرد النداء من لا يعتدون فيه شيئا من ذلك فإنه ليس عبادة قطعا ولو كان ميتا أو غائبا أو جمادا وكل ذلك وارد في كثير من الأحاديث الصحيحة والآثار الصريحة كما سنذكر بعضه قريبا إن شاء الله تعالى.

وفي شرح الأحياء للعامة السيد مرتضى الدعاء من الألفاظ المشتركة فيطلق ويراد به التوحيد كما في قوله تعالى: (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا) [8].

وقوله: (إن الذين تدعون به دون الله عباد أمثالكم) [9].

ويطلق ويراد الاستغاثة ومنه: (وادعوا شهداءكم من دون الله)[10].

استغيثوا ويطلق ويراد به النداء ومنه قوله تعالى: (يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده)[11].

وقوله تعالى: (قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا) [12].

ومنع القرافي كونه هنا بمعنى الطلب لاستحالته قال الزركشي وليس كما قال لصحة يطلبك ليجزيك ويطلق ويراد به السؤال والطلب ومنه وقال ربكم  أدعوني أستجب لكم انتهى.

فالنداء من المخلوق للمخلوق ليس بعبادة له أصلا والدعاء أخص من النداء ولم يرد في كتاب ولا سنة أن الله تعالى أو نبيه (صلى الله عليه وسلم) قال لا تنادوا نبيا ولا وليا على جهة الشفاعة.

وعلى كل حال فالتوسل إلى الله تعالى بأنبيائه وأوليائه من سيرة السلف الصالح ومن الأسباب المأمور بتعاطيها شرعا وعقلا والمؤثر الحقيقي هو الله تعالى والأسباب لا تأثير لها باعتقاد جميع المسلمين وما المنادى المتوسل إلا كمريض تناول دواء فشفى وهو يعتقد أن الدواء سبب والله سبحانه وتعالى هو الشافي حقيقة والدواء لا تأثير له البتة ولا يقول عاقل من خدمة الشريعة في مشارق الأرض ومغاربها لشارب الدواء أشركت ولا يحرم عليه تعاطي الدواء.

فالمنادى يقول مثلا أدركنا يا رسول الله أو أغثنا يا ولي الله ويعتقد أنه سبب لحصول الخير والنجاة من الضير والله سبحانه هو المعطي المانع النافع الضار والمستغاث به بمنزلة الدواء فمن الذي ينقض كلامه أو يفوق له بالطعن بسهامه والمثال ظاهر لا نزاع فيه.

وأما من قال بالنداء معتقدا تأثير المنادى من دون الله تعالى فلا شك أنه من الممكورين ولا عدوان إلا على الظالمين قرره السيد محمد أبو الهدى الصيادي في رسالته نور الإنصاف.

وقال الشيخ داود في كتابه: صلح الإخوان مجيب عن شبهة أولئك الخوارج المذكورة أن الدعاء الذي ذكره الله تعالى عن الكفار والمشركين معناه العبادة التي هي الركوع والسجود والتقرب والذبح لذوات الأصنام على أنها أرباب وآلهة من دون الله تعالى وإلى الأنبياء والملائكة على أنهم كذلك أو على أنه يستحقون تلك العبادة كإله الحق سبحانه وتعالى و لم يوجد شئ من ذلك في المسلمين.

ولله الحمد ممن يتوسل بالأنبياء والصالحين ويناديهم والنداء لأهل القبور وللغائبين يسمى دعاء في اللغة لكن ليس هو دعاء العبادة ولو كان مطلق النداء والطلب يكون دعاء عبادة للزم أن جميع من ينادي أحدة حيا أو ميتا ويطلب منه شيئا يكون مشر کا عابد للمنادى والمطلوب منه.

ولا قائل بذلك لا عاقل ولا مجنون فإن الله تعالى ذكر في كتابه هذا الدعاء الذي هو بمعنى النداء ونسبه إلى المخلوقات كقوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) [13].

فكأنه على هذا يقول لا تجعلوا عبادة الرسول بینکم کعبادة بعضكم بعضا فيكون الله تعالى يأمر المؤمنين بدعاء النبي أي عبادته وأنهم لا يجعلوها کعبادة بعضهم بعضا إذ ينادونهم ويطلبون منهم.

وقال تعالى: (ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار) [14].

وقال أيضا خبرا عن نوح (عليه السلام): (رب إني دعوت قوي ليلا ونهارا، فلم يزدهم دعاءي إلا فرارا)[15].

فيكون المعنى على هذا أنه عبدهم ليلا ونهارا لأنه كان يطلب منه أن يؤمنوا ويناديهم لذلك وقال تعالى: (والله يدعوا إلى دار السلام) [16].

فعلى كلامهم يكون معناه يعبد عباده لأن الدعاء بمعنى العبادة كما زعموا، وقال تعالى: (أدعوهم لآبائهم)[17] فيكون المعنى أيضا اعبدوهم لآبائهم ولا يقول بذلك أحد اللهم إلا أن يكون فاسد العقل والآيات في هذا كثيرة جدا، انتهى.

ولعمري أن شبه هؤلاء الخوارج مجرد خرافات وهذیانات وخزعبلات كما قلته في صدر الكتاب فلا تحتاج في الحقيقة إلى جواب ولكنه من باب ما ورد في بعض الأمثال أحب الغبي عن غباوته لئلا يحسب نفسه حكيما وقد ورد في أحاديث كثيرة وأثار شهيرة نداء الأموات والجمادات والغائب.

فقولهم: إن نداء الميت والغائب والجماد دعاء وكل دعاء عبادة غير صحيح على إطلاقه وعمومه لأنه لو كان الأمر كذلك لامتنع نداء الحي والميت فإنهما مستويان في أن كلامهما لا تأثير له في شئ ولا يعتقد أحد من المسلمين ألوهية غير الله تعالى ولا استحقاق غيره للعبادة ولا تأثير أحد سوی الله تعالى.

فالدعاء الذي هو مخ العبادة هو الرغبة للإله والخضوع بين يديه فإن قالوا أن نداء الحي والطلب منه لشئ من الأشياء إنما هو لكونه قادرا على فعل ذلك الشئ الذي طلب منه وأما الميت والجماد فإنه عاجز ولا قدرة له على فعل من الأشياء فنقول لهم اعتقادهم أن الحي قادر على بعض الأشياء يستلزم اعتقادكم أن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية وهو اعتقاد فاسد ومذهب باطل کاسد.

فإن اعتقاد أهل السنة والجماعة كما مر أن الخالق للعباد وجميع أفعالهم هو الله تعالى وحده لا شريك له والعبد ليس له إلا الكسب الظاهري فقط قال الله تعالى: (والله خلقكم وما تعملون).

وقال أيضا الله خالق كل شيء فيستوي الحي والميت والجماد في أن كلا منهم لا خلق له ولا تأثير والمؤثر في الأمور كلها هو الله تعالى وحده فالذي يقدح في التوحيد إنما هو اعتقاد التأثير بغير الله تعالى أو اعتقاد الألوهية أو استحقاق العبادة أو فعلها لغيره تعالى.

وأما مجرد النداء من غير اعتقاد أو فعل شيء من ذلك فلا شيء فيه.

___________________________________

[1] . سورة الجن آية رقم 18.

[2] . سورة الأحقاف آية رقم 5،6.

[3] . سورة الإسراء آية رقم 22.

[4] . سورة الرعد آية رقم 14.

[5] . سورة فاطر آية رقم 14.

[6] . سورة الإسراء آية رقم 56، 57.

[7] . سورة النور آية رقم 63.

[8] . سورة الجن آية رقم 19.

[9] . سورة الأعراف آية رقم 194.

[10] . سورة البقرة آية رقم 23.

[11] . سورة الإسراء آية رقم 52.

[12] . سورة القصص آية رقم 25.

[13] . سورة النور آية رقم 63.

[14] . سورة غافر آية رقم 41.

[15] . سورة نوح آية رقم 4، 5.

[16] . سورة يونس آية رقم 20.

[17] . سورة الأحزاب آية رقم 5.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد