ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 29 أكتوبر 2017 زيارة: 39

جواز التبرك بآثار الصالحين

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: الإفهام والإفحام قضايا الوسيلة والقبور، ص60-63.
تأليف: محمد زكي إبراهيم

والتبرك بآثار الصالحين جائز، وقد نقل المقري المالكي في “فتح المتعال” بسنده عن الحافظ ولي الدين العراقي، أن الأمام أحمد بن حنبل أجاز تقبيل قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومنبره تبركاً.

قال: وعندما رأى ذلك الشيخ ابن تيميه عجب، قال (أي الحافظ ولي الدين العراقي): وأي عجب في ذلك وقد رُوِّينا عن الإمام أحمد أنه غسل قميصاً للإمام الشافعي، وشرب الماء الذي غسل به (أي تبركاً).

قلنا: بل قد روى ابن تيمية نفسه تبرك أحمد بآثار الشافعي.

وفي “الحكاية المنثورة” للإمام المحدث الحافظ الضياء المقدسي: أن الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي أصيب بدمل أعجزه علاجه، فمسح به قبر الإمام أحمد بن حنبل تبركاً فبرئ[1].

وفي “تاريخ الخطيب”: أن الإمام الشافعي كان يتبرك بزيارة قبر الإمام أبي حنيفة مدة إقامته بالعراق، كما صح عنه أنه كان يتبرك بغسالة قميص الإمام أحمد، فكان يأخذ منها ما يمسح به وجهه وأعضاءه، كما ذكره أصحاب “الطبقات” وغيرهم.

وفي صحيح السيرة: أنه كان مع خالد بن الوليد شعرات من شعر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يتبرك بها، وما شهد بها مشهداً إلا نصره الله، كما رواه البيهقي وأبو يعلي وآخرون[2].

وفي صحيح مسلم ومسند أحمد، عن أسماء بنت أبي بكر، أنها أخرجت جبة طيالسية، وقالت: “كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يلبسها، فنحن نغسلها للمرضي يُستشفى بها”[3].

وفي طبقات ابن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط: “كان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا خلا المسجد جسوا رمانه المنبر التي تلي القبر بميامنهم -أي تبركا وتوسلاً- ثم استقبلوا القبلة يدعون”[4].

وروى ابن سعد كذلك عن عبد الرحمن بن عبد القادر، أنه نظر إلى ابن عمر (رضي الله عنه) واضعاً يده على مقعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من المنبر، ثم وضعها على وجهه (أي تبركا).

كما روى عنه أنه كان يضع يده على رمانة المنبر مكان يد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويمسح بها وجهه[5].

كذلك ورد أن بلالا (رضي الله عنه) مرّغ خديه على عتبات الحجرة النبوية باكياً بين يدي الصحابة (رضي الله عنهم) يوم عاد من الشام إلى المدينة[6]، ثم لم يرد أن أحداً من الصحابة أنكر عليه، ولا على فاطمة (رضي الله عنها) فيما ورد عنها من التبرك بتربة القبر الشريف.

ولعل الأصل: ثبوت تبرك المسلمين بشعر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ووضوئه وسؤره وملابسه وبردته، وإقراره (صلى الله عليه وآله وسلم) لذلك.

سبب قطع شجرة البيعة

ولا بد هنا من ملاحظة أنّ قطع عمر (رضي الله عنه) لشجرة البيعة ونحوه، إنما كان لمنع الشرك الذي كان لا يزال متمكناً أو قريباً من النفوس، ولم يكن أبداً لمنع التبرك، وفرق هائل بين الإشراك والتبرك الذي هو من تأكيد الإيمان بالله وقدرته، وهو من أدلة استمرار آثار العمل الصالح، وهذه الفعلة من عمر كانت مجرد اجتهاد في حكم سد الذريعة، فليس هو بشريعة نبوية حاسمة[7].

________________________

[1]. ذكره الشيخ الكوثري في هامش السيف الصقيل، ص185.

[2]. انظر المستدرك للحاكم (3/338)، والمعجم الكبير للطبراني (4/104)، وفيهما: “وابتدر الناس جوانب شعره (صلى الله عليه وآله وسلم) ” فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة فلم أشهد قتالا وهي معي إلا رزقت النصر”.

وفي صحيح مسلم (2325) عن أنس (رضي الله عنه) قال: “لقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والحلاق يحلقه، وأطاف به أصحابه، فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل”.

وعند أحمد في المسند (3/256) عن أنس أيضاً قال: “لما حلق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رأسه بمنى أخذ شق رأسه الأيمن بيده، فلما فرغ ناولني فقال: (يا أنس انطلق بهذا إلى أم سليم)، فلما رأى الناس ما خصها به من ذلك تنافسوا في الشق الآخر، هذا يأخذ الشيء، وهذا يأخذ الشيء”. قال محمد -ابن سيرين- : فحدثته عبيدة السليماني (من كبار التابعين) فقال: لأن يكون عندي منه شعرة أحب إلي من كل صفراء وبيضاء (أي الذهب والفضة) أصبحت على وجه الأرض وفي بطنها.

وقد صحت أحاديث كثيرة في التبرك بشعره (صلى الله عليه وآله وسلم) كما صحت أحاديث التبرك بآثاره (صلى الله عليه وآله وسلم) وملابسه وبردته، وبوضوئه وسؤره وعرقه ودمه وغير ذلك، ولكن ضاقت عقول حجّرت واسعاً وضيّقت فضل الله.

[3]. رواه مسلم (2069)، وأحمد في مسنده (6/347)، والبيهقي في سننه الكبرى (3/270)، وأبو عوانة في مسنده (5/230، 231).

[4]. انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (1/254).

[5]. انظر نفس المصدر والصفحة.

[6]. رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (7/137)، وأبو الحسن الغساني في أخبار وحكايات (1/45، 46)، وذكر في أسد الغابة (1/244، 245).

[7]. والتحقيق أن سيدنا عمر (رضي الله عنه) لم يقطع الشجرة، وإنما جاء بعض الصحابة العام القابل من البيعة فبحثوا عن الشجرة فخفيت عليهم، ولعله قطع بعض الشجر الذي ظنه الناس شجرة البيعة.

وفي حديث مسلم عن سعيد بن المسيب عن أبيه: أنهم كانوا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عام الشجرة قال: فنسوها من العام المقبل، وهو عند البخاري عن سعيد بن المسيب قال: حدثني أبي: أنه كان فيمن بايع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تحت الشجرة قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، ونحوه عند البخاري وعند مسلم.

وعلى تقدير قطع عمر للشجرة عينها، أو للشجرة ظنها الناس شجرة البيعة، فقد قال السيد الإمام محمد زكي (رحمه الله) في رسالة الزيارة: “وعمر الذي أمر بقطع شجرة البيعة التي كان يتبرك بها الناس، هو عمر الذي لم يردم “بئر حاء”، وقد كان ولا يزال يتبرك بها الناس”.

وقال شيخنا: “من العجب أن هؤلاء الذين يستشهدون بفعل عمر هنا، هم الذين يخالفون فعل عمر بصلاة التراويح عشرين، ويصلونها ثمانية، فليس الأمر هنا ديناً، وإنما شهوة المخالفة”.

وعلى كل حال فإن قطع الشجرة إن ثبت لا يمس جانب التبرك بآثاره (صلى الله عليه وآله وسلم).

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد