ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 19 يناير 2018 زيارة: 247

جواز طلب الشفاعة من النبي (صلى الله عليه وسلم) ومن الولي وصالحي المؤمنين، إزالة بعض شبهات التلبيس الوهابي

(غير مصنفة)
مقتبس من مجلة: طريق الحق، العدد العاشر سنة 1372 هـ،  22-26
تأليف: العلامة العارف بالله فضيلة الشيخ سلامة العزامي
الشفاعة في الآيات:

من تلبيسهم على المسلمين، وهو ما ينبغي ألا يأبه له العالم المحقق، قوله إنه لا يجوز أن تطلب الشفاعة من غير الله من نبي أو صالح، بل طلب ذلك منه شرك، وذلك لقوله تعالى: (قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً) [الزمر:44]، وكأنهم لم يسمعوا قوله عز وجل: (لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ) [التغابن:1] ووصفه نفسه أنه مالك الملك مع قوله سبحانه: (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء) [آل عمران:26]،

وكأنهم لم يسمعوا قوله تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً) [فاطر:10] مع قوله عز وجل: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون:8]، وكذلك في الشفاعة قال: (قُل لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً) [الزمر:44] مع قوله تعالى: (لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً) [مريم:87]، وقوله عز وجل: (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [الزخرف:86] فكما أنه سبحانه أعطى من الملك من شاء ما شاء، وجعل من العزة التي هي له ما شاء لرسوله وللمؤمنين، كذلك الشفاعة كلها له، وقد أعطاها للأنبياء، وعباده الصالحين، بل وكثير من عامة المؤمنين، كما نطقت به صحاح الأحاديث المتواترة (تواترا معنويا)  وأي حرج في أن يطلب الإنسان من المالك بعض ما يملكه لا سيما إذا كان المسئول كريما، والسائل في أشد الحاجة إلى ما سأله.

ما هي الشفاعة ؟

وهل الشفاعة إلا الدعاء ؟ والدعاء مأذون فيه مقدور مقبول من المؤمنين، لا سيما الأنبياء والصالحون في الحياة وبعد الوفاة في القبر ويوم القيامة، فالشفاعة معطاة من الله تعالى لمن اتخذ عنده عهدا، ولمن شهد بالحق ومقبولة لديه عز وجل في كل من مات على التوحيد، وهل هؤلاء المفتنون أعلم من رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، حيث لم ينبه على ذلك ؟! بل أجاب على الشفاعة من سأله إياها، ولم يقل إن طلبك الشفاعة مني شرك، فاطلبها من الله ولا تشرك بربك أحدا.

هذا أنس بن مالك (رضي الله عنه) يقول: يا نبي الله اشفع لي يوم القيامة، فيقول له (عليه الصلاة والسلام): (أنا فاعل إن شاء الله)  الحديث، وهو في سنن الترمذي وحسنه، وكذلك سألها غير أنس، كما هو في السنة.

أهل الشفاعة:

نعم لم يعط الله الشفاعة لما عُبدَ من دونه ولا لمن عُبدَ إذا كان راضياً بعبادة عابديه، أما من عُبدَ بغير رضاه كالمسيح والملائكة فإن له الشفاعة في غير من عَبدَه، إن عُبّاد الأوثان وغيرها، يعتقدون في معبوداتهم أنهم أرباب لهم، وأن لهم الشفاعة فيهم عند الله لا محالة، بمقتضى شركتهم له تعالى في الربوبية، في زعمهم وأنها مقبولة لديه سبحانه حتما، فبين الله لهم أن اعتقادهم باطل، فإنه لا شفاعة إلا بإذنه ومشيئته ورضاه، وبين سبحانه للمؤمنين أنه قد أعطى الشفاعة للأنبياء وصالحي المؤمنين، فيمن لقي ربه لا يشرك به شيئا، فالقصر في قوله تعالى: (لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً) [الزمر:44] إضافي، المقصود به نفي شفاعة الأوثان في عابديها، ونفي شفاعة سائر المعبودين في عبادهم، وأين هذا مما عليه المسلمون من طلب الشفاعة ممن ملكهم الله الشفاعة، وأذن لهم فيها لا يعتقدون في الشفعاء إلا أنهم عباد مكرمون، لا أرباب بغير إذن الله يشفعون. ؟!

استشفاع الصحابة بالنبي حيا:

وأخرج البيهقي في دلائل النبوة وغيره من عدة طرق، قصة إسلام سواد بن قارب (رضي الله عنه) وفيها أنه أنشد بين النبي (صلى الله عليه وسلم) قوله:

وأشهد أن الله لا رب غيره                  وأنك مأمون على كل غائب

وأنك أدنى المرسلين وسيلة                 إلى الله يابن الأكرمين الأطايب

إلى أن قال:

فكن لي شفيعا يوم ذو شفاعة               سواك بمغن عن سواد بن قارب

وأقره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولم ينكر عليه طلب الشفاعة منه، ولو كان ذلك مكروها ما أقره ؟ فكيف إذا كان شركا ؟! وقد قدمنا مرارا أن الشفاعة هي من الدعاء، ولذلك عرّفها العلماء: بأنها طلب الخير للغير عند الهول، فإذا قال القائل للنبي أو الولي: اشفع لي أو أسألك الشفاعة، فمعناه ادع لي، أو أسألك الدعاء لي، ولم يقل أحد من أهل العلم بأن ذلك مكروه، فضلا عن أن يكون حراما، فضلا عن أن يكون شركا، بل هو بالإجماع ممن هو في الحياة الدنيا، أو في الحياة الأخرى، وفهم ذلك أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعملوا به.

استشفاعهم بالنبي في قبره:

وهذا أبو عبد الرحمن بلال بن الحارث المزني صاحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وحامل لواء مُزَينة في جيش رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم الفتح، لما أصاب الناس قحط في عهد عمر جاء بلال هذا فوقف عند قبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فناداه قائلا: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فهذا طلب الشفاعة والدعاء منه (عليه الصلاة والسلام) بعد وفاته، والعهد عهد الصحابة، والمسجد ممتلئ بالأكابر منهم، فلم ينكر عليه أحد، ولا عدّه خلاف الأولى، ولم يقل منهم قائل إن هذا من القبوريين المشركين عباد القبور وأهل القبور (كما يقول أهل الزور).

وقد أخرج هذا الأثر ابن أبي شيبة بسند صحيح، والبيهقي في دلائل النبوة بسند صحيح أيضا.

استشفاعهم بقبر النبي (صلى الله عليه وسلم):

بل وقع منهم (رضي الله عنهم) ما هو أبلغ من ذلك في التوسل برسول الله (صلى الله عليه وسلم) فاستمع: أخرج الدارمي في سننه في باب ما أكرم الله نبيه به بعد موته، عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله التابعي الجليل، قال: قحط أهل المدينة قحطا شديدا، فشكوا إلى عائشة، فقالت: انظروا قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) فاجعلوا منه كوىً إلى السماء، حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا، فمطرنا مطرا حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق، وقولها اجعلوا منه كوى (أي ما يحاذيه من سقف الحجرة الشريفة)  والكوى جمع كوة كقوة والمراد بها النوافذ الصغيرة، وقَحَطَ قَحطَ من باب خضع وطرب مبنيا للفاعل وقد يبنى للمفعول وهو قليل فهل يقول أؤلئك المبتدعة في أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، التي هي من أعلم أصحابه (صلى الله عليه وسلم) وفيمن شهد هذه الواقعة، وهم إنما توسلوا بما له تعلق برسول الله (صلى الله عليه وسلم). وحقق الله رجاءهم، وقبل استشفاعهم وأي ملام على المسلمين في أن يأخذوا بالأسباب التي جعلها الله مفاتيح لخيره وأبوابا لرحمته مع جزمهم بأن ذلك من سنن الله التي وضعها لعباده، على ما تقتضيه حكمته ؟

التوسل سبب طبيعي:

وإن من السنن الإلهية التي وضعها الله لقضاء حوائج عباده التوسل به (صلى الله عليه وسلم) والشكوى إليه، والاستغاثة به وكذلك بصالحي أتباعه، في الحياة وبعد الوفاة، شهدت بذلك صحاح الأحاديث والآثار، وتجارب المقربين الأخيار، بل وعامة المؤمنين السالمين من البدع والإنكار، وكم من أزمة استحكمت حلقاتها، وأمراض استعصى على أطباء الأبدان علاجها، وقلوب مرضت بأمراض فتن الشبهات أو الشهوات طال زمانها حتى إذا فزع فيها المؤمنين إلى الله متوسلين مستغيثين بسيد المرسلين، والأكابر من الصالحين، أسرع الفرج ونزل الشفاء وزال العسر وجاء اليسر، وفي كتب العلماء الصحيحة والحكايات المروية بالأسانيد الثابتة، بل في الأحاديث الصحاح، والآثار التي لا مطعن فيها ما يثبت للباحث المنصف صدق ما قلناه.

قصة حرملة التائب:

واستمع إلى ما روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عمر البيروني، والحاكم أبو أحمد، كما ذكره ابن كثير في تفسيره عن أبي الدرداء (رضي الله عنه) أن رجلا يقال له حرملة أتى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: الإيمان ههنا وأشار بيده إلى لسانه، والنفاق ههنا وأشار إلى قلبه، ولم يذكر الله إلا قليلا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “اللهم اجعل لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وارزقه حبي وحبَّ من يحبني، وصير أمره إلى خير”، فقال الرجل: “يا رسول الله إنه كان لي أصحاب من المنافقين، وكنت رأسا فيهم، أفلا آتيك بهم ؟” قال: “من أتانا استغفرنا له، ومن أصر فالله أولى به، ولا تخرقن على أحد سترا”.

وفي قوله تعالى: (لَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) [النساء:64] حيث لم يقتصر على استغفارهم بل قيده باستغفاره (عليه الصلاة والسلام) لهم، أبين البيان عند أولي الأفهام، إن لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) من القدر عند ربه ما جعل خير العباد موقوفا على توجههم إليه، واعتنائه (صلى الله عليه وسلم) بشأنهم.

وفي هذا القدر كفاية لمن سبقت له العناية بالهداية.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد