ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 30 نوفمبر 2018 زيارة: 23

جواز طلب الشفاعة من النبي (صلى الله عليه وسلم) وكل مقرب عند الله تعالى

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: سعادة الدارين في الرد على الفرقتين الوهابية ومقلدة الظاهرية (ج2/ 5-11).
تأليف: الشيخ إبراهيم بن عثمان السمنودي

منع الوهابية طلب الشفاعة من النبي (صلى الله عليه وسلم) وغيره من كل مقرب عند الله تعالى وتمسكوا بأن الله تعالى قد قال في كتابه العزيز: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه)[1]، وقال أيضا: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى)[2].

قالوا فالطالب للشفاعة لا يعلم حصول الإذن للنبي (صلى الله عليه وسلم) أو غيره ممن ذكر في أنه يشفع له فكيف يطلب منه الشفاعة ولا يعلم أنه ممن ارتضى حتى يطلب الشفاعة منهم وأقول أن منعهم المذكور واحتجاجهم هذا عليه مردود عليهم وباطل الأحاديث الصحيحة الصريحة في حصول الإذن للنبي (صلى الله عليه وسلم) بالشفاعة للمؤمنين لكونهم ممن ارتضى الله تعالى أن يشفع له على ما سنعمله.

وبما صح متواترا من طلب بعض الصحابة الشفاعة له (صلى الله عليه وسلم) كما قدمناه عن سواد بن مقارب وعن مازن بن العضوية (رضي الله تعالى عنهما) وكما في المشكاة عن أنس (رضي الله تعالى عنه) قال: سألت النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يشفع لي يوم القيامة فقال: أنا فاعل قال: قلت يا رسول الله فأين أطلبك؟

قال اطلبني أول ما تطلبني على الصراط قلت: فإن لم ألقك على الصراط قال فاطلبني عند الميزان قلت فإن لم ألقلك عند الميزان قال فاطلبني عند الحوض فإني لا أخطئ أي لا أتجاوز هذه الثلاث المواطن. رواه الترمذي في السنن.

وقوله فيه أنه حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه قد رده الحافظ ابن ناصر الدين في مناهج السلامة وقال قد روی من وجه آخر بلفظ قلت يا رسول الله خويدمك أنس اشفع له يوم القيامة قال: أنا فاعل إلى آخره انتهى.

وقد حدث به ابن أبي خيثمة في تاريخه وحدث به الإمام أحمد في مسنده قال السيد مرتضى وهو حديث رجاله ثقات سوى واحد أهـ.

قلت: أنه ممن يحتمل حديثه ولذا حسن له الترمذي كما مر وقد توردت طرق هذا الحديث ولذا سكت عليه شراح المشكاة فلا يشك في ثبوته حينئذ.

والمراد أن كلا من سواد ابن قارب ومالك بن العضوية وأنس بن مالك (رضي الله تعالى عنهم) سأله الشفاعة الخاصة من بين هذه الأمة دون الشفاعة العامة لأهل الموقف كما هو واضح.

وقد صحت الأحاديث بأنه (صلى الله عليه وسلم) يشفع لمن قال بعد الأذان والإقامة اللهم رب هذه الدعوة التامة إلى آخر الدعاء المشهور ولمن صلى على النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم الجمعة ولمن زار قبره (عليه الصلاة والسلام) كما مر.

وجاءت أحاديث كثيرة في أعمال من عملها حلت له الشفاعة ولو ذكرناها لطال الكلام بل جاءت أيضا أحاديث صريحة في شفاعته (صلى الله عليه وسلم) لعصاه أمته كقوله (صلى الله عليه وسلم): “شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي” رواه الترمذي وأبو داود عن أنس رواه ابن ماجة عن حابر.

ورواه أيضا الإمام أحمد وابن حبان والحاكم عمن ذكرا ورواه الطبراني عن ابن عباس والخطيب عن أبي الدرداء (رضي الله تعالى عنه) شفاعتي أهل الذنوب من أمتي وإن زنى وإن سرف على رغم أنف أبي الدرداء.

وفي أخرى عنده أيضا عن علي (رضي الله تعالى عنه) شفاعتي لأمتي من أحب أهل بيت وروى أبو نعيم في الحلية عن عبد الرحمن بن عوف (رضي الله تعالى عنه) شفاعتي مباحة إلا لمن سب أصحابي وروى ابن منيع عن زيد بن أرقم وبضعة عشر من الصحابة (رضوان الله تعالى عليهم) شفاعتي يوم القيامة حتى فمن لم يؤمن بها لم يكن من أهلها.

وأما حديث لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي فموضوع باتفاق الحفاظ وبتقدير صحته فهو محمول على من ارتد منهم كما في حواشي الجوهرة لشيخ الإسلام الباجوري.

وفي شرح صحيح مسلم للإمام النووي نقلا عن القاضي عياض قال: وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين وأجمع السلف والخلف ومن بعدهم من أهل السنة عليها ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة منها وقد تعلقوا بمذاهبهم في تخليد المذنبين في النار واحتجوا بقوله تعالى: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) [3].

وقوله: (ما للظالمين من حميم ولا شفيع) [4].

والجواب أن الآيتين في الكفار والمراد بالظلم الشرك، جمعا بين الأدلة أي كما هو الواجب في الشريعة.

وأما تأويلهم أحاديث الشفاعة بكونها في زيادة الدرجات فباطل وألفاظ الأحاديث التي في صحيح مسلم وغيره صريحة في بطلان مذهبهم وإخراج من استوجب النار وبالجملة فالشفاعة جائزة عقلا وواجبة سمعا.

قال وقد عرف بالنقل المستفيض سؤال السلف الصالح (رضي الله تعالى عنهم) شفاعة سيدنا ونبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) ورغبتهم فيها وعلى هذا لا يلتفت لقول من قال أنه يكره أن يسأل الإنسان الله تعالى أن يرزقه شفاعة محمد (صلى الله عليه وسلم) لكونها لا تكون إلا للمذنبين فإنها قد تكون لتخفيف الحساب وزيادة الدرجان.

لأنه قد ثبت أنه له (صلى الله عليه وسلم) جملة شفاعات متنوعات ثم من شأن كل عاقل أن يعترف بالتقصير وأنه محتاج إلى عفو الله تعالى غير معتد بعمله وإن كثر بل يشفق أن يكون من الهالكين إن لم يتدار که باللطف رب العالمين.

ويلزم ذلك القائل أن لا يدعو بالمغفرة والرحمة لأنهما على زعمه لا يكونان إلا لأصحاب الذنوب وهذا كله خلاف ما عرف من دعا السلف والخلف أهـ.

المقصود منه مع أدنى زيادة وقد ذكر كثير من المفسرين في قوله تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى)[5] أن كل من مات مؤمنا كان ممن ارتضى فيدخل في شفاعته (صلى الله عليه وسلم).

وقد أعطى الله تعالى الشفاعة لمن شهد بالحق أي قوله: لا إله إلا الله، محمد رسول الله وهم المؤمنون لاتخاذهم عند الله تعالى عهد بذلك القول فقال تعالى: (ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) أي بقلوبهم ماشهدوا به بألسنتهم فيشفعون وقال: (لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا) أي لا يشفع إلا مؤمن ووردت الأخبار الصحيحة بأن للأنبياء والعلماء والشهداء والأطفال والملائكة شفاعات وكذا للصيام والقرآن فلا نطيل بذكر الأدلة.

وأما قوله تعالى: (قل له الله جميعا)[6] فمعناه أنه مختص بما لا يملكها أحد إلا بتملیکه تعالى كما دلت عليه الآيات السابقة جمعا بين الأدلة فثبت بهذا كلمة أن الشفاعة ثابتة ومأذون فيها للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمقربين لكل من مات مؤمنا فالطالب للشفاعة كأنه يتوسل إلى الله تعالى بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وبمن أذن له فيها من كل مقرب إلى الله تعالى أن يحفظ عليه الإيمان إلى أن يتوفاه الله عليه فيدخل في الشفاعة ويكون من أهلها.

وهذا كله ظاهر لا يخفى إلا على من انطمست بصيرته والعياذ بالله تعالى من ذلك وقال الشيخ داود في كتابه صلح الإخوان: إن قوله تعالى: (قل لله الشفاعة جميعا) إنما هو رد على الكفار الذين كانوا يعتقدون الأصنام أربابا وأنها شفعاء لهم عند الله تعالى.

كما قال تعالى: (وما نری معكم شفعاكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء)[7].

وقال سبحانه: (أم اتخذوا من دون الله شفعاء، قل أولو كانوا لايملكون شيئا ولايعقلون) [8].

أي من الشفاعة وغيرها بل لله الشفاعة جميعا وليست الآية ردا على المسلمين الذين يتشفعون بالأنبياء والصالحين الذين أثبت الله تعالى لهم الشفاعة فإنه تعالى ملكها لعباده المؤمنين فضلا عن النبيين والمرسلين، فقال تعالى: (ولا يملك الذي يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) [9].

كما ذكره المفسرون ومنه البغوي وقال تعالى في الآية الأخرى: (لا يملكون الشفعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا)[10] أي بقوله: لا إله إلا الله كما ذكره البغوي وغيره من المفسرين.

فأهل لا إله إلا الله يشفعون والله سبحانه وتعالى ملكهم وأعطاهم ذلك وسؤال من يملك شيئا مما يملكه ليس بممتنع بخلاف الكفار فإنهم جعلوا الشفاعة في غير موضعها وهو الأصنام من أحجار وأخشاب.

ولهذا رد الله عليهم بأنهم لا يملكون الشفاعة وحصرها فيه تعالى لا ينافي وجودها في غيره لأنه بجعله سبحانه لا بجعل غيره فأخبر أنها له وأنه أعطاها لغيره تفضلا منه وكرما وإنما المضر طلبها ممن لم يملكها الله تعالى له أصلا ونظير هذا قوله تعالى: (أم اتخذوا من دونه أولياء، فالله هو الولي) [11].

فأخبر في هذه الآية أنه هو الولي لا غيره ثم جعل الولاية في غيره بقوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا)[12] ونظيره أيضا قوله تعالى: (أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا)[13] ثم قال تعالى في الآية الأخرى: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) [14].

فالأنبياء والأولياء بل وسائر المؤمنين يشفعون كما ثبت في الآيات وكذا الأحاديث ولا مانع من الطلب منهم لأنها بإذن الله تعالى إن شاء قبل شفاعتهم وإن شاء ردها كما أفاده الحديث عند البخاري وغيره عن أبي موسى الأشعري (رضي الله تعالى عنه) قال: كان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا أتاه السائل أو صاحب الحاجة قال اشفعوا فلتؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء وقال تعالى: (يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها) [15].

وقال تعالى مخبر عن الكفار: (فما لنا من شافعين ولا صديق حميم) [16] وهذه الآيات والأحاديث وما ماثلها على عمومها ولم يخصصها أحد بحال الحياة دون الممات كيف مع ورود أن سائر المؤمنين يدعون لأقاربهم وعموم المسلمين في قبورهم والدعاء منهم شفاعة لهم عند الله تعالى كما تقدم في الأحاديث الصحيحة.

وثبت أيضا أن النبي (صلى الله عليه وسلم) يستغفر لأمته في قبره والاستغفار منه شفاعة عند الله تعالى.

وقول الخوارج أن الشفاعة إن وجدت من غيره تعالى فهي بإذنه نقول لهم فيه كذلك لم يقل أحد من المسلمين أن أحدا يشفع قهرا على الله تعالى وقد ورد أن الصحابة (رضي الله تعالى عنهم) كانوا يطلبون من النبي (صلى الله عليه وسلم) الحاجات المهمة وهو يشفع لهم عند ربهم بدعائه وطلبه و لم يقل لهم اصبروا حتى أستأذن ربي بل يفعل السبب وعلى الله تعالى القضاء إن أراد كما تقدم في الحديث.

ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء وفي دعاء صلاة الميت وقد جتناك راغبين إليك شفعاء له بين يديك الله إن كان محسنا فزد إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عنه ولم يقل النبي (صلى الله عليه وسلم) بإذنك أو أذنت لنا وإن كان الأمر في الحقيقة كذلك.

ولكن على المسلم أن يباشر السبب وأمر الإذن في القضاء إلى الله تعالى إن شاء كان وإن لم يشاء لم يكن هذا هو اعتقاد المسلمين لا يعتقدون غيره فمقصودهم بطلبهم الشفاعة من الأنبياء والصالحين إنما هو التسبب فربما أن الله تعالى جعل هذا الأمر موقوفا على هذا السبب ولما توسل عمر بالعباس وتوسل معاوية بين يدين الأسود (رضي الله تعالى عنهم) لم يذكروا الإذن.

لأنه معلوم على أن المراد بالإذن هو تمليك الشفاعة لمن يصلح لها وهو المؤمن بالله تعالى فكل مؤمن فهو شافع لأخيه المؤمن بالإذن السابق الأزلى إذن حادث كما يفهمه قليل المعرفة والله تعالى أعلم أهـ.

______________________________________

[1] . سورة البقرة آية رقم 255.

[2] . سورة الأنبياء آية رقم 28.

[3] . سورة المدثر آية رقم 48.

[4] . سورة غافر آية رقم 18.

[5] . سورة الأنبياء آية رقم 28.

[6] . سورة الزمر آية رقم 94.

[7] . سورة الأنعام آية رقم 94.

[8] . سورة الزمر آية رقم 43.

[9] . سورة الزخرف آية رقم 86.

[10] . سورة مريم أية رقم 87.

[11] . سورة الشورى آية رقم 9.

[12] . سورة المائدة آية رقم 55.

[13] . سورة النساء آية رقم 139.

[14] . سورة المنافقون آية رقم 8.

[15] . سورة النساء آية رقم 85.

[16] . سورة الشعراء آية رقم 101، 102.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد