ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 12 يناير 2019 زيارة: 242

حادثة المحمل – يونيه 1926

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: السعودية والإخوان المسلمون (ص57-66)
المؤلف: دكتور محمد أبو الإسعاد

في يوم 22 يونيه 1926 الموافق أول أيام عيد الأضحى وبينما محمل الحج المصري المكون من الجمال التي تحمل كسوة الكعبة يرافقها قوة عسكرية للحراسة مكونة من (400) جندي من المشاة والفرسان والهاجانة ومعهم مدفعية بطارية مكونة من أربع مدافع وتتبعهم فرق طبية من الأطباء والممرضين ويرافقهم آلاف الحجاج المصريين متجهيين لأداء شعائر الحج، في طريقهم إلى وقفة عرفات تصاحبهم أصوات الفرقة الموسيقية العسكرية فوجئوا بقوة من جماعة الإخوان الوهابية من قبائل نجد البدوية يصل تعدادهم إلى (70) ألف رجل تهاجمهم وتتحرش بهم.

وبادر اللواء محمود عزمي باشا أمير الحج المصري إلى طلب وساطة الملك عبد العزيز الذي أرسل ولديه الأمير سعود ثم الأمير فيصل واحدا وراء الآخر لمنع تحرش الإخوان الوهابية وصدامهم مع بعثة الحج المصرية لكن هؤلاء البدو لم يكفوا عن عدوانهم بل أمعنوا في رمي الحجاج المصريين بالحجارة وأطلق بعضهم البنادق على جنود الحراسة المصريين المصاحبين للمحمل وهم يكبرون ويهللون.

وإزاء إصابة أربعة من الجند المصرية وبعض الدواب اضطر أمير الحج إلى إصدار أوامر بالرد على المعتدين وحصدت المدافع المصرية 25 رجلا من جماعة الإخوان الوهابية وأربعين جملا من جمالهم وعندئذ اضطروا للتراجع لإعادة تنظيم صفوفهم.

وقرر أمير الحج اللواء محمود عزمي باشا عدم استكمال رحلة الحج وأبلغ الحكومة المصرية بعودة بعثة الحج المصري بما فيها من حجاج تحت حراسة مشددة خوفا من ثأر هؤلاء البدو وإمعانا في الحيطة غير أمير الحج المصري سير المحمل من الطريق البري حتى ينبغ إلى طريق ميناء جدة لكن العريان من جماعة الإخوان الوهابية ترصدوا المحمل عند مضيق جبلي قبل جده وهم مسلحون بالبنادق وعاودوا الهجوم على الحجاج المصريين لكن القوة العسكرية المصرية بادرتهم بنيران مدافعها التي حصدت منهم 250 بين قتيل وجريح وأجبرتهم على الفرار، وركب الحجاج المصريين المراكب من جدة عائدين إلى مصر دون استكمال شعائر الحج، وفي القاهرة تم استقبال المحمل استقبالا رسميا وشعبيا حافلا.

هذه الحادثة عرفت في تاريخ العلاقات المصرية السعودية بحادثة المحمل … وهي حادثة كان لها أسبابها الدينية والسياسية والاقتصادية كما كان لها دلالاتها على طبيعة العلاقات المصرية السعودية آنذاك .. ثم إنها تركت أثارها على هذه العلاقة لعشر سنوات قادمة فيما بين (1926/ 1936).

قصة المحمل:

وقصة المحمل المصري ترتبط بشعائر الحج إلى بيت الله الحرام وما يرتبط بالحج من كسوة الكعبة سنويا وهي شعائر دينية عرفها المسلمون منذ فجر الإسلام بل ربما قبل الإسلام بأكثر من ثلاثة قرون.

وقد انفرد ت مصر منذ العصر المملوكي حوالي منتصف القرن 13 الميلادي وعلى مدار سبعة قرون حتى نهاية الربع الأول من القرن العشرين بإرسال الكسوة السنوية إلى الكعبة والأماكن المقدسة الإسلامية الأخرى في الحجاز.

وكانت كسوة الكعبة عبارة عن كسوة من القماش الفاخر والمطرز بآيات القرآن والزركشات الإسلامية، وكانت توضع فوق هيكل خشبي يحمل على جمل أصبح يطلق عليه اسم المحمل ثم ترسل إلى الكعبة حيث يتم كسوة الكعبة بها في احتفال مهيب.

وكان المصريون يبدون اهتماما كبيرا بهذا المحمل حيث يقام عند إرسال المحمل سنويا احتفال رسمي وشعبي تعطل فيه المصالح الحكومية ويحضره كبار رجال الدولة وتشارك فيه بعض فرق الجيش وكبار رجال الدين والطرق الصوفية … وكان هذا الاحتفال يتم بمشاركة شعبية كبيرة وتصاحبه الفرق الموسيقية ويتخلله عروض شعبية لها مسحة صوفية وكانت الشوارع والميادين تتلألأ بالزينات وبمظاهر الاحتفالات الشعبية والاستعراضات العسكرية حيث يتولي أمير الحج المصري قيادة المحمل

والقوات العسكرية المصاحبة للحراسة وآلاف الحجاج المصريين كما كان يرافقه بعض الفرق الطبية لتوفير العلاج وقافلة محملة بالصدقات والمعونات والهبات المرصودة لأهالي الحجاز تحمل الأغذية والأموال والأقمشة لتوزيعها على فقراء أهل الحجاز وخاصة أهل مكة والمدينة من خلال التكية المصرية التي تتولي إطعام الفقراء وكسائهم وعلاجهم على مدار العام.

وكان هذا الاحتفال الديني الكبير يكتسب طابعا شعبيا صوفيا بما يتخلله من فنون الأغاني والموسيقي الشعبية والأهازيج والمدائح الدينية وأذكار الفرق الصوفية .. وكان المصريون يتبركون كعادتهم بهذا المحمل ويعتقدون أن لمسهم أو تمسحهم بكساء الكعبة أو بالجمل الذي يحمل هذا الكساء يحمل إليهم البركة.

وبعد هذا الاحتفال يتم سفر المحمل إلى الأراضي المقدسة بالحجاز حيث يستقبل من أهالي الحجاز استقبالا حافلا وتقام له الاحتفالات الرسمية في جده ومكة والمدين …. ووسط هذه الاحتفالات والاستعراضات العسكرية والمهرجانات الدينية والشعبية يتم كسوة الكعبة وأداء شعائر الحج وتوزيع الصدقات على الفقراء وكان أهالي الحجاز يشاركون في هذه الاحتفالات حيث يوزع عليهم القمح والملابس والنفوذ فيفيض على أهالي الحرمين خير كثير.

حتى إذا ما تم موسم الحج عاد المحمل المصري بحجاجة إلى مصر حيث يستقبل أيضا بنوع من الاحتفالات الشعبية.

أسباب حادثة المحمل:

ترجع أسباب حادثة المحمل إلى ثلاثة أسباب رئيسية سياسية واقتصادية ودينية، السبب الأول، هو سبب سياسي تمثل في قيام المنافسة بين العرش المصري والعرش السعودي حول منصب الخلافة الإسلامية فأثر إلغاء الخلافة العثمانية في مارس 1924 نشب الصراع بين الملك المصري والملك السعودي على منصف الخلافة وحاول فؤاد أن يصل إلى أهدافه عن طريق مؤتمر للخلافة عقد في القاهرة في مايو 1926 ورد عليه عبد العزيز بعقد المؤتمر الإسلامي في مكة في يونيه 1926.

في ظل هذه الظروف السياسية والتنافس الشديد بين الملك فؤاد في مصر والملك عبد العزيز في السعودية وقعت حادثة المحمل ومن ثم فهي تعبير عن الأزمة السياسية التي وصلت إليها العلاقات المصرية السعودية آنذاك.

أما السبب الثاني … فهو سبب اقتصادي فقد حاول النظام السعودي الذي فرض سلطته السياسية مؤخرا على الحجاز أن يكتسب نوعا من الشعبية بين جماهير فقراء أهل الحجاز وأن يقلل في ذات الوقت من ارتباط هذه الجماهير بمصر، وتصور أن ذلك يمكن أن يتحقق عن طريق مشاركة السعوديين للتكية المصرية في توزيع الصدقات التي كانت توزع عليهم سنويا مع المحمل ومن ثم طلب عبد العزيز إشراك حكومته في توزيع الصدقات لكن أمير الحج المصري رفض هذا المطلب وأصر على انفراد التكية المصرية بتوزيع هذه الأموال فرفض عبد العزيز تمكين التكية المصرية من أداء هذا العمل الخيري الأمر الذي اضطر أمير الحج المصري للعودة بمبلغ خمسين ألف جنيه كانت مخصصة للصدقات وهو مبلغ كبير لا يستهان به في ذلك الحين.

عندئذ كان لابد لعبد العزيز آل سعود أن يستغل كعادته العامل الديني فيطلق جماعته من الإخوان الوهابية لتعبر عن عقيدتها المذهبية ضد المحمل المصري فقد كان إخوان الوهابية يجردون غيرهم من المسلمين الذين لا يعتقدون عقيدتهم من حقهم في أن يكونوا مسلمين وكانوا يعتبرونهم كفار يجب القضاء عليهم، وكان شرب الدخان أو سماع الموسيقي والأغاني أو زيارة القبور والتبرك بالأولياء كافيا في نظر التعصب الوهابي لتجريد المسلم من إسلامه.

ولذلك ما أن رأي هؤلاء الإخوان الوهابية المتعصية المحمل محاطا بمظاهر الاحتفال حتى اعتبروه صنما يعبده المصريون الكفار وصاحوا عليه باسم (هبل) كبير آلهة الجاهلية، وما أن سمعوا صوت البوق والموسيقي العسكرية المصاحبة له حتى اعتقدوا أنه صوت الشيطان .. ومن ثم راحوا يرجمون المحمل بالحجارة وهم يتصورون أنهم يرجمون إبليس كما في شعائر الحج الإسلامي.

وحاول أمير المحمل المصري احتواء الأزمة بالاستعانة بالملك عبد العزيز الذي تظاهر بالرغبة في احتواء الأزمة لكن تعليماته إلى جماعته من إخوان الوهابية كانت تفجير الأزمة.

نتائج حادثة المحمل:

وقد ترتب على حادثة المحمل نتائج بعيدة الأثر في العلاقات المصرية السعودية فقد أثارت هذه الواقعة إستياءا شديدا في الرأي العام المصري وشنت الصحافة المصرية حملة هجوم شديد اللهجة ضد النظام السعودي والمذهب الوهابي وتعصب جماعة إخوان الوهابية وفشلت العناصر المرتبطة بالنظام السعودي والمذهب الوهابي وعلى رأسها الشيخ رشيد رضا ومجلة المنارفي التصدي لهذه الحملة الأمر الذي ترك انطباعا سلبيا لدي الرأي العام المصري عن الدولة السعودية ومذهبها الوهابي.

ثم إن هذه الواقعة كانت مبررا للملك فؤاد في الاستمرار على سياسته في رفض الاعتراف بالحكم السعودي للأراضي المقدسة في الحجاز فانقطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وأغلقت الوكالة السعودية بعد أشهر قليلة من إنشائها في يناير 1926 كما أغلقت القنصلية المصرية في جدة.

وأدى ذلك إلى توقف مصر عن إرسال المحمل منذ عام 1927 وتوقف معه الحج المصري لعدة سنوات فقد أعلنت الحكومة المصرية لراغبي الحج من المصريين أن السفر لأداء فريضة الحج فيه خوف على حياتهم لعدم استتباب الأمن في الحجاز وأنها ليست مسئولة عما قد يتعرضون له في حالة سفرهم تحت مسئولياتهم وأثر ذلك على الحج الشعبي فقل عدد الحجاج المصريين بالرغم من حملات الدعاية التي كانت تنظمها السعودية عن طريق أعوانها في مصر لتشجيع المصريين على الحج.

ووضعت مصر أيضا قيودا على العلاقات التجارية بين البلدين فرفضت الترخيص لتجار الخيول والإبل من النجدين والحجازيين حمل قيمة ما يبيعونه في مصر من خيول وإبل إلى بلادهم ذهبا بدعوى الخوف من استنزاف ثروة مصر من الذهب.

وأوقفت مصر أيضا بعثتها الطبية التي كانت تقوم بالعبء الأكبر في مواجهة الأمراض والأوبئة في الحجاز خاصة في مواسم الحج الأمر الذي أدي إلى سوء الأحوال الصحية في الحجاز وأوقفت الحكومة المصرية أيضا إرسال الصدقات والأوقاف التي كانت ترسلها سنويا لفقراء أهل الحجاز وأثار ذلك الملك السعودي الذي حاول أن يمارس نوعا من الضغط على مصر لإجبارها على إرسال الصدقات المخصصة للحرمين الشريفين وفقراء أهل الحجاز وحرض أتباعه باستمرار على إثارة المسألة فقاد الشيخ رشيد رضا حملة إعلامية في الصحافة كما قام عبد الرحمن عزامعضو مجلس النواب المصري بإثارة المسألة في البرلمان لكن الضغط الإعلامي والبرلماني لم ينجح في إثناء السلطات المصرية عن موقفها المتشدد.

تدهور العلاقات:

أخذت العلاقات المصرية السعودية في التدهور أثر حادثة المحمل وتصاعد التوتر بين البلدين عندما أسس بعض الحجازيين اللاجئين إلى مصر هربا من الحكم السعودي مجموعة من الهيئات والأحزاب السياسية

المناهضة للنظام السعودي وذلك يدعم من الهاشميين فتكونت في مصر جمعية الشبان الحجازيين برئاسة عبد الحميد الخطيب وحزب الأحرار الحجازيين بزعامة طاهر الدباغ وجمعية الدفاع عن الحجاز بقيادة عبد الرؤوف الصبان ومارست هذه الهيئات والأحزاب نشاطا سياسيا وإعلاميا لمناهضة الحكم السعودي في الحجاز وتحريره من أيدي النجديين وكان التعاطف المصري مع هذه المنظمات المناهضة لآل سعود أثاره في تدهور العلاقات بين البلدين.

كذلك فإن حركة ابن رفاده وهو زعيم قبلي تمرد على الحكم السعودي وقاد حركة عصيان ضد نفوذهم في شمال الحجاز بتأييد من الهاشميين في الأردن كان لها تأثيرها السلبي في تدهور العلاقات المصرية السعودية فقد لجأ ابن رفاده بعد هزيمته إلى الهروب في مصر حيث أقام بها لعدة سنوات وأبدت بعض الصحف المصرية تعاطفا مع حركته ضد حكم آل سعود الأمر الذي جعل عبد العزيز آل سعود يتهم مصر بأنها وراء حركة ابن رفاده وأنها هي التي مولته وأمدته بالأسلحة.

وحاول ابن سعود تسوية المشكلات مع مصر فأرسل مستشاره الشيخ حافظ وهبه الذي اجتمع بوزير الخارجية المصرية واصف غالي في عام 1928 على أمل تصفية العلاقات بين الدولتين والحصول على اعتراف مصر بالنظام السعودي لكن الحكومة المصرية اشترطت لذلك تسوية جميع المشاكل المعلقة بين البلدين وهي مشاكل دينية واجتماعية وسياسية يأتي في مقدمتها مشكلة الحرية الدينية والمذهبية وما يرتبط بها من المسائل الخاصة بشرب الدخان وزيارة القبور وسماع الموسيقى وطلبت مصر أن يكون الحكم بين الناس بالشريعة الإسلامية وأن يراعي فيها أوسع المذاهب لا مذهب ابن حنبل في ثوبه الوهابي كما طالبت بالمحافظة على الحرمين الشريفين بأوضاعهما وأحوالهما وتقاليدهما وعدم التعرض لما جرت به العادة فيهما وكذلك صيانة محل ولادة النبي وباقي الآثار الإسلامية ورعاية صدقة المقابر بوجه عام والمحافظة على تقاليد المحمل والكسوة وما يرتبط بهما من دخول القوة العسكرية المصرية بأسلحتها وموسيقاها.

وطلبت مصر أيضا عدم جباية ضرائب على الحجاج وتوفير المياه في مني ومكة وتحديد أماكن الذبح وتوفير الرعاية الصحية للحجاج وعدم التدخل في توزيع الأرزاق والأموال وكذلك الاحتفالات الدينية التي تقوم بها التكايا المصرية.

وطالبت مصر أيضا بتسوية مشكلة الجنسية الحجازية وإلغاء قانون الجنسية الذي أصدرته السعودية 1926 والذي فرض الجنسية السعودية على جميع أهالي الحجاز وترك الحرية في اختيار الجنسية لمن يريدها.

وفشلت المفاوضات المصرية السعودية 1928 فقد كان الملك السعودي لا يستهدف سوى الوصول على الاعتراف المصري بحكمه للأراضي المقدسة في الحجاز في حين كان عدم الاعتراف من وجهة نظر الملك المصري كفيلا بتقويض أركان الحكم السعودي في الحجاز.

وفي ظل هذا التدهور للعلاقات المصرية السعودية … نشأت جماعة الإخوان المسلمين في مصر 1928.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد