ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 1 مارس 2019 زيارة: 464

حكم إعمال الموالد المعروفة والقيام عند ذكر ولادته (صلى الله عليه وسلم)

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: سعادة الدارين في الرد على الفرقتين الوهابية ومقلدة الظاهرية (ج2 ص94-123)
تأليف: الشيخ إبراهيم بن عثمان السمنودي

وأما أعمال الموالد للأنبياء والأولياء والصالحين فبدعة مستحسنة والبدعة الحسنة متفق على ندبها كما هو مبسوط في محله. وسنوافيك ببعضه قريبا إن شاء الله تعالى.

قال الإمام أبو شامة والسيوطي والسخاوي وابن حجر وكثيرون أن من أحسن ما ابتدع وإن لم يفعله أحد من السلف في القرون الثلاثة ما جرت به العادة.

من العناية بأمر المولد النبوي الشريف ليلته أو يومه بحيث يقع الاجتماع وإظهار الفرح وإطعام الطعام والإحسان للفقراء وقراءة القرآن والذكر وإنشاد القصائد النبوية والصلاة والسلام عليه (صلى الله عليه وسلم) وقراءة قصة المولد وما اشتمل أي المولد عليه من كراماته ومعجزاته (عليه الصلاة والسلام).

وأول من أحداثه الملك المظفر صاحب إربل بكسر الهمزة والموحدة وسكون الراء بينهما قلعة على مرحلتين من الموصل المتوفي سنة 630 فأقره عليه أفاضل العلماء وعامة الصلحاء الذين لا يسكتون على باطل قط وكان يطلق عليهم فيه العطايا والخلع السنية.

ويبالغ فيما يفعله فيه من الخيرات حتى كان يصرف عليه ثلاثمائة ألف دينار كما قاله في مرآة الزمان.

ولما صنف له الإمام ابن دحية التنوير بمولد البشير النذير أجازه عليه بألف دينار وكان الإمام أبو شامة يكثر الثناء عليه لكثرة عنايته بذلك.

ثم لازال أهل الإسلام من سائر الأقطار في القرى والأمصار يعملون ذلك ويعتنون به ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عظيم وخير عميم فهو بدعة مستحبة كما مر. وقول الفاكهاني المالكي: أنه بدعة مذمومة يرده استحسان للمسلمين وأئمتهم وقد صح الحديث كما مر بأن ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن.

ويرده أيضا ثناء أبي شامة على المظفر لاسيما في كتابه الباعث على إنكار البدع والحوادث فثناؤه عليه فيه مع وضعه لإنكار البدع أدل دليل على أنه ليس من البدع التي تنكر بل من التي تستحسن وتشكر إذ ليس كل ما أبدع مذموما فقد ثبت في صحيح البخاري عن عمر (رضي الله تعالى عنه) أنه قال: في اجتماع الناس لصلاة التراويح نعمت البدعة يعني الحسنة.

وقد نص على ذلك الإمام الشافعي وصرح به جماعات من الأئمة منهم الشيخ ابن عبد السلام حيث قسم البدعة إلى خمسة أقسام قال ومثال المندوبة الاجتماع لصلاة التراويح ونقله عن النووي في تهذيب الأسماء واللغات.

وقال العسكري في الأوائل أول من سن قيام رمضان عمر ابن الخطاب سنة أربع عشرة أي من الهجرة وأما خبر إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة، فالمراد بها فيه ما أحدث وخالف كتابا أو سنة أو إجماعا أو أثرا، لا ما أحدث من الخير ولم يخالف شيئا من ذلك كما قاله إمامنا الشافعي (رضي الله تعالى عنه).

ولا مرية في أن أعمال الموالد من الخير الذي لم يخالف ذلك فإنه مع ما فيه من الإحسان للفقراء وتعاهد الجيران والإخوان وأنواع الذكر وقراءة الشعر بمحبة الأنبياء والأولياء والصالحين وتعظيمهم وشكر الله تعالى على ما من به من إيجادهم رحمة للعالمين خصوصا رئيسهم الأعظم نبينا الأكرم (صلى الله عليه وسلم).

وروى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي عنه (رحمه الله تعالى) أنه قال المحدثات في الأمور ضربان.

أحدهما: ما أحدث مما خالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه البدعة الضلالة.

ثانيهما: ما أحدث من الخير وهذه محدثة غير مذمومة، انتهى.

وقد سأل الإمام أبو زرعة ابن العراقي عن فعل المولد أمستحب أو مكروه وهل ورد فيه شئ أو فعله من يقتدي به فقال إطعام مستحب في كل وقت فكيف إذا انضم لذلك السرور بظهور نور النبوة في هذا الشهر الشريف.

ولا نعلم ذلك عن السلف ولا يلزم من كونه بدعة كونه مكروها فكم من بدعة مستحبة بل واجبة، انتهى.

وفي الفتاوى الحديثة للعلامة المحقق ما بعضه وفسر بعضهم البدعة في الحديث ما لم يقم دليل شرعي على أنه واجب أو مستحب سواء أفعل في عهده (صلى الله عليه وسلم) أو لم يفعل كإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب وقتال الترك لما كان مفعولا بأمره لم يكن بدعة وإن لم يفعل في عهده.

وكذا جمع القرآن في المصاحف والاجتماع على قيام شهر رمضان وأمثال ذلك مما ثبت وجوبه أو استحبابه بدليل شرعي.

وقول عمر (رضي الله تعالى عنه) في التراويح نعمت البدعة هي أراد البدعة اللغوية وهو ما فعل على غير مثال كما قال تعالى قل ما كنت بدعة من الرسل وليست بدعة شرعية قال البجعة الشرعية ضلالة كما قال (صلى الله عليه وسلم) قال.

ومن قسمها من العلماء إلى حسن وغير حسن فإنما قسم البدعة اللغوية ومن قال كل بدعة ضلالة فمعناه البدعة الشرعية.

ألا ترى أن الصحابة (رضي الله تعالى عنهم) والتابعين له بإحسان کرهوا استلام الركنين الشاميين والصلاة عقب السعي بين الصفا والمروة قياسا على الطواف.

وكذا أما تركه (صلى الله عليه وسلم) مع قيام المقتضي فيكون ترکه سنة وفعله بدعة مذمومة وخرج بقولنا مع قيام للمقتضي في حياته ترکه إخراج اليهود من جزيرة العرب وجمع المصحف وما ترکه لوجود المانع کالاجتماع للتراويح فإن المقتضي التام يدخل فيه عدم المانع انتهى.

وفي شرح المشكاة لملا علي القارئ قوله (صلى الله عليه وسلم): “كل بدعة ضلالة” قال في الأزهار أي كل بدعة سيئة ضلالة لقوله (عليه الصلاة والسلام): “من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها وجمع أبو بكر وعمر القرآن وكتبه زيد في المصحف وجدد في عهد عثمان (رضي الله تعالى).

عنه قال النووي: البدعة كل شئ عمل على غير مثال سبق وفي الشرع إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وقوله: كل بدعة ضلالة عام مخصوص.

قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في آخر كتاب القواعد البدعة: أما واجبة كتعلم النحو لفهم كلام الله ورسوله وكتدوين أصول الفقه والكلام في الجرح والتعديل.

وأما محرمة كمذهب الجبرية والقدرية والمرجئية والمجسمة والرد على هؤلاء من البدع الواجبة لأن حفظ الشريعة من هذه البدع فرض كفاية وأما مندوبة كأحداث الربط والمدارس وكل إحسان لم يعهد في الصدر الأول وکالتراويح أي الجماعة العامة والكلام في دقائق الصوفية.

وأما مكروهة كزخرفة المساجد وتزويق المصاحب يعي عند الشافعية وأما عند الحنفية فمباح وأما مباحة كالمصاحفة عقب الصبح والعصر أي عند الشافعية أيضا.

وإلا فعند الحنفية مكروه والتوسع في لذائذ المأكل والمشارب وتوسيع الأكمام.

وقد اختلف في بعض ذلك أي كما قدمنا هكذا في تهذيب الأسماء واللغات وروى عن ابن مسعود (رضي الله تعالى عنه) ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وفي حديث مرفوع: “لا تجتمع أمتي على الضلالة” وفي قوله (صلى الله عليه وسلم): “من أحدث في أمرنا هذا يعنى دين الإسلام ما ليس منه فهو رد” إشارة إلى أن إحداث ما لا ينازع الكتاب والسنة كما تقرر ليس بمذموم، انتهى.

وروى الترمذي وابن ماجة كما في المشكاة من ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله كان عليه من الإثم مثل آثام من عمل بها فقيد البدعة بالضلالة لإخراج البدعة الحسنة كما مر.

وفي كتاب الطريقة المحمدية للعلامة البرکلي مع يسير من شرح النابلسي عليها.

فإن قيل كيف التطبيق بين قوله (عليه الصلاة والسلام): “لكل بدعة ضلالة” وبين قول الفقهاء: أن البدعة قد تكون مباحة كاستعمال المنخل والمواظبة على أكل الحنطة والشبع منه وقد تكون مستحبة كبناء المنارة والمدارس أي مواضع الدراسة -وهي القرأ” وتصنيف الكتب بل قد تكون البدعة واجبة كنظم الدلائل لرد تشبه الملاحدة ونحوهم.

قلنا في الجواب عن هذا السؤال للبدعة معنيات أحدهما معنى لغوي عام يشمل جميع أقسام البدعة الآتية وهو المحدث مطلقا عادة كان ذلك المحدث أو عبادة لأن البدعة اسم مشتق من الابتداع بمعنى الإحداث کالرفعة من الارتفاع والخلفة من الاختلاف أي التردد.

وهذا المعنى هو المقسم في عبارة الفقهاء إلى الأقسام الخمسة فيعنون بها ما أحدث بعد الصدر الأول مطلقا وثانيهما معنى شرعي خاص بالعبادة والدين وهو الزيادة على ما ورد في الدين أو النقصان منه.

الحادثان بعد الصدر الأول بغير إذن من الشارع لا قولا ولا فعلا ولا صريحا ولا إشارة فلا تتناول البدعة بهذا المعنى العادات أصلا بل تقتصر على بعض الاعتقادات و بعض صور العبادات.

فالبدعة في الشرع دون العادة هي مراده (عليه الصلاة والسلام) حيث قال: كل محدثة بدعة و كل بدعة في الشرع ليس فيها إعانة على الطاعة فشرعية بأن كانت بدعة سيئة وأما البدعة في الشرع إذا كان فيها إعانة على طاعة شرعية فإنها تكون بإذن من الشارع ولو بطريق الإشارة فهي بدعة حسنة.

فلا تدخل تحت كل بدعة في الشرع ضلالة والدليل على أن البدعة شرعا لا تتناول العادات مقتضى قوله (عليه الصلاة والسلام) في الحديث: “فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين والمهديين من بعدي” وقوله (صلى الله عليه وسلم) في حديث آخر: “أنتم أعلم بأمر دنياكم” أي لا تحتاجون أن أشرعه لكم وإنما حاجتكم لأمر دينكم فلا تشرعوا أنتم فيه شئيا لأنكم لا تعلمون ماذا يريد الله تعالى من الحكم عليكم فلا دخل للعادات في ذلك وقوله (عليه الصلاة والسلام) أيضا: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد”.

والبدعة في الاعتقاد هي المتبادرة من إطلاق البدعة الشرعية وبعضها كفر كإنكار حشر الأجساد وبعضها ليست بكفر كإنکار سؤال القبر ولكنها أكبر من كل كبير في العمل لتضمنها تكذيب الشارع فيما أخبر عنه دون صريح التكذيب وضد البدعة في الاعتقاد اعتقاد أهل السنة والجماعة والبدعة في العبادة.

وإن كانت دونها لكنها منکر وضلالة لاسيما إذا صادمت سنة مؤكدة ومقابل هذه البدعة سنة الهدى وهي ما واظب عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) من جنس العبادة مع الترك أحيانا.

وأما البدعة في العادة فليس فعلها ضلالة بل تركها أولى عند أهل الورع والاحتياط فظهر أن البدعة بالمعنى الأعم ثلاثة أصناف فإذا الصلاة المراد من الأذان والمدارس وتصنيف الكتب الشرعية عون للتعليم والتبليغ ورد المبتدعة بنظم الدلائل نهى عن المنكر وذب عن الدين.

فكل واحد ما ذكر مأذون فيه من قبل الشارع إذ قصده بقاء شرعه وتقويته وإزالة ما يمانعه بل ذلك مأمور به وعدم وقوعه في الصدر الأول إما لعدم الاحتياج أو لعدم القدرة بقلة المال أو لعدم التفرغ له بالاشتغال بالأهم ونحو ذلك من الأعذار المانعة للأوائل عن عمل ذلك.

كعدم حدوث ما يقتضيه في زمانهم ووجود ما يغني عنه ولو تتبعت كل ما قيل فيه أنه بدعة حسنة سواء كان اعتقادا أو قولا أو عملا أو تخلقا من جنس العبادة وجدته مأذونا فيه من الشارع إشارة أو دلالة من آية أو حديث لا يكاد يخرج شئ من ذلك عن ما ذكر أصلا.

والقصور في عدم الإطلاع ويسمون بفعلهم للسنة الحسنة وإن كان بدعة أهل السنة لأهل البدعة لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “من سن سنة حسنة”.

فسمى المبتدع للحسن مستنا فأدله النبي (صلى الله عليه وسلم) في السنة وقرن بذلك الابتداع وإن لم يرد في الفعل فقد ورد في القول فاللسان سني لا بدعي لدخوله بتسمية النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما قرره من السنة وضابط السنة ما قرره أو فعله النبي (صلى الله عليه وسلم) ودوام عليه وأظهره.

ومن جملة فعله أيضا قوله (صلى الله عليه وسلم) وسكوته على الأمر لأنه تقرير وإذن في ابتداع السنة الحسنة إلى يوم الدين وأنه مأذون له بالشرع فيها أو مأجور عليها مع العاملين لها بدوامها.

أخرج الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن جرير بن عبد الله عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: “من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجرهم شئ ومن سنن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شئ” وأخرجه البيهقي عن أبي حجيفة (رضي الله تعالى عنه).

وقال النووي في شرح صحيح مسلم عند الكلام على هذا الحديث من دعى إلى هدى.

ومن دعى إلى ضلالة هذان الحديثان صريحان في الحث على استحباب الأمور الحسنة وتحريم سن الأمور السيئة وإن من سن حسن كان له مثل أجور من يعمل بها إلى يوم القيام ومن سن سيئة كان عليه مثل من يعمل بها إلى يوم القيام وإن من دعى إلى هدى كان له مثل أجور تابعيه أو إلى ضلالة كان عليه مثل آثام تابعيه.

سواء كان ذلك الهدى أو الضلالة هو الذي ابتدأه أو كان منسوبا إليه وسواء كان ذلك تعليم علم أو عبادة أو أدبا أو غير ذلك وقوله في الحديث فعمل بها بعده معناه بوران سنها سواء كان العمل في حياته أم بعد موته انتهى.

وقال العلامة الشيخ عبد الحي اللكنوي الهندي في رسالته ترويح الجنان: “إن عموم حديث كل بدعة ضلالة إنما هو بالنسبة إلى البدع الشريعة”.

وأما البدع العادية فخارجة عنه قطعا فمن حكم بابتداع شئ بمجرد حدوثه من دون نظر إلى كونه عادة أو عبادة ومن دون تأمل في أن له أصلا في الشرع أو هو قابل للطرح فهو بعيد بمراحل عن فهم الحديث ووروده انتهى.

وقد استوفى الكلام في هذا المبحث مع التحرير والتحقيق في رسالته إقامة الحجة وتحفة الأخيار فتنبغي مطالعتهما لمن بقي عنده أدنى شك وتردد فيما ذكرناه هنا والله الموفق.

قال الإمام ابن الجوزي ولو لم يكن في أعمال المولد الشريف إلا إرغام الشيطان وسرور أهل الإيمان لكفى.

ولما كان الإمام الزاهد القدوة المعمر أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن جماعة مقيما بطيبة كان يعمل المولد ويطعم الناس ويقول لو تمکنت لعملت بطول الشهر كل يوم مولدا.

قال ابن الجزري وأكثر الناس عناية بذلك أهل مصر والشام، انتهى.

وفي المنظر البهي لحبيبنا الفهامة الشيخ محمد خليل الهجرسي ما صورته: وبعد تسطير هذا الجواب عن السؤال السابق في الطالع ورد على سؤال الآخر من كثير من أهل الحرمين الشريفين.

بنوه عليه بفهمهم الساطع قائلين إذا كان إعمال هذا المهرجان للمولد الشريف ما حدث إلا في القرن السابع فإذا صار بدعة وقد ورد: “كل بدعة ضلالة” فما الحكم في هذا الأمر المنتشرة في كافة الأقطار الإسلامية بين أظهر العلماء من تسعة قرون مضت إلى هذا الوقت بلا نكير.

إلا من طائفة الوهابية التي مرقت من الدين بتكفير عموم المسلمين في أمور لم يخالفوا فيها الكتاب والسنة كما قرره كثير من العلماء الذين تصدوا للرد عليهم.

ثم ما حكم القيام عند وصول قارئي المولد إلى قوله فولدته (صلى الله عليه وسلم) فإنا رأينا أيضا بعض علماء من أهل السنة ينكرون ذلك ولا يسلمون قول العارف السيد البرزخي في مولده باستحسان العلماء القيام بل بالغوا.

وقالوا ربما أنه حرام محتجين بأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يكره القيام لذاته الشريفة حال حياته من أصحابه فكيف يفعلون ذلك المكروه لمجرد ذكر مولده.

المرجو أن تكشفوا عنا لئام الأوهام عن حكم أعمال هذا المهرجان وحكم القيام فقلت وبالله اعتصمت وبقوته استعنت فيما عنيت.

أما أولا مجرد ثبوت كون أعمال المولد بدعة لا يقتضي أن تكون بدعة سيئة اغترارا بظاهر وكل بدعة ضلالة فإن الكلية فيها مخصوصة بالأمور التي ليس فيها قربة إلى الله تعالى.

أما المشتملة على ما فيه القرب للرب فإنها بدعة حسنة فليس كل بدعة ضلالة بالإطلاق.

ودليل هذا التخصيص والتقسيم ما ورد في صحاح كتب السنة کالبخاري ومسلم عن أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله تعالى عنه): لما رأى الناس يصلون القيام في رمضان بجماعات متفرقات وربما صلى البعض فرادى وعن له أن يجمع الناس على إمام واحد وأمرهم بذلك ونظرهم من الليلة الثانية على ما جمعهم عليه.

فأعجبه ذلك وقال: نعمت البدعة هي فوجب تخصيص الكلية بالبدع التي هي عن القرب خلية ونعمت البدعة بدعة إظهار الفرح والسرور والابتهاج والحبور بظهور نعمة الإيجاد والإسعاد لجميع العباد والبلاد مع ما اشتملت عليه من مواساة الفقراء وإطعام الطعام للخاص والعام وذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

وربما رأى ذلك ما كان على غير دين الإسلام فشرح الله صدره بسبب ذلك فأسلم وقد شوهد ذلك كثيرا خصوصا في الممالك الهندية ولقد نعمت البدعة هي.

ثم ساق الفهامة المذكور مسألة الإمام أبي زرعة ابن العراقي المتقدمة وعزاها لموكب شيخي العلامة الحلواني المتقدم ذكره، ثم قال: وهذا مؤيد لما أسلفناه ولله الحمد والمنة.

على أنه يقال أن هذا الاحتفال ليس من الأمور المبتدعة إذ يصح أن يكون سنة متبعة وذلك بما رواه الإمام البيهقي عن أنس (رضي الله تعالى عنه) أنه (صلى الله عليه وسلم) عق عن نفسه بعد بعثته وتعبيره بلفظ عق على سبيل المشاكلة.

لأنه ثبت صحيح الخبران جده عبد المطلب عق عنه (صلى الله عليه وسلم) بكبش سباع ولادته (صلى الله عليه وسلم) والعقيقة على الحقيقة لا تعاد مرة ثانية فكان ذلك منه (صلى الله عليه وسلم) إظهار للشكر على نعمة وجودة رحمة للعالمين وتشريعا لأمته.

أي كما كان يصلي على نفسه لذلك أيضا ثم قال ولقد نقل ذلك الحديث المحقق في مواكبه وأعقبه يتعقب بعض الحفاظ له بأنه منكرا أو باطل ولا عبره بهذا التعقب.

فإني رأيت في كتب التعديل والتجريح عن الولي العراقي بل والإمام الذهبي أنه قال: رأيت كتاب البيهقي فإذا هو كله نور وهدى، انتهى.

وأقول دفعه التعقب بقوله ولا عبرة إلى آخره فاسد لأن ممن نص على أن الحديث المذكور منكر البيهقي نفسه والذي قال فيه أنه باطل النووي في شرح المهذب أي فيكونا التخريج المذكور عليه ساقطا.

لكن قال العلامة المحقق في شرحه على المنهاج بعد نقله تعقب النووي المذكور ما نصه وكأنه يعني النووي قلد في ذلك أي في قوله أنه باطل إنكار البيهقي وغيره له وليس الأمر كما قالوه في كل طرفة فقد رواه الإمام أحمد والبزار والطبراني من طرق وقال الحافظ الهيثمي في أحدها أن رجاله رجال الصحيح إلا واحدا وهو ثقة، انتهى.

كلام العلامة المحقق في شرحه المذكور وعليه يتجه التخريج المذكور والحمد لله وقد كتب شيخي العلامة الحلواني هذه العبارة بهامش كتابه المواكب بعد طبعه وانتشاره.

وقال عقبها ولو أن الكتاب طبع لذكرته ذلك فيه، انتهى. من خطه ثم نبه على هذا في مولده المسمى بالعلم الأحمدي فانظره إن شئت.

ولنعد لسرد باقي عبارة الفهامة في كتابه المتقدم ذكره فنقول قال مرتقيا لدليل آخر ما نصه على أن لنا فيما ورد في الصحيحين ما يثبت أنه ليس يبدعة من أنه (صلى الله عليه وسلم) لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم (عليه الصلاة والسلام) عن حكمة ذلك.

فقالوا هذا يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى فسامه موسى فنحن نصومه فقال (صلى الله عليه وسلم): أنا أحق بموسى منکم فصامه وأمر بصيامه أي شكرا لله تعالى فهذا صريح في أن تجديد إظهار الشكر على النعمة السابقة في الوقت الموافق لوقت حدوثها مطلوب بل يظهر لي فقها أنه يكون مطلوبا مطلقا في كل وقت تذكر فيه.

وهذا الدليل الأخير هو الذي اعتمد عليه كثير ممن صنف في المولد الشريف كالعلامة ابن حجر وجعلوا مدار الاستدلال على العمل الجاري في كل عام في سائر أقطار الإسلام من عدة قرون وأعوام.

وقد ألهمني العليم العلام إنه يمكن أن يسند لهذا العمل المجدد بمسألة عيد النحر فإن العلماء قد ذكروا في حكمة جعل الله اليوم العاشر من ذي الحجة عيد أكبر وأمر عموم الأمة فيه بالنحر لمن قدر إن ذلك لإظهار الشكر والسرور.

وغاية الفرح مع كمال الحبور بنجاة نبي الله إسماعيل عليه وعلى نبينا أجل الثناء الجميل في مثل هذا اليوم من ذبح أبيه له.

قلت: وحكمة إنزال الله الفداء له وتخليصه مما أمر الله به خليله إرادة الله أزلا أن يكون مقر نور حبيبه الأعظم وأبالقه فقد قال سيد الثقلين: أنا ابن الذبيحين. فاختبر الله خليله بتكلفيه ذبح مهجة قلبه ثم فداه بعد ما سعى في رضاه بذبح عظيم بقصد التكريم إيثارا لبقائه عن إمضاء قضائه.

إذ جعله أبا للعرب عموما ولحبيبه الأعظم خصوصا وإذا كان الحق أمر الخلق باتخاذ هذا اليوم الذي نجى فيه والد نبيه وحبيبه عيدا أكبر وأمرهم فيه بالنحر مشاكله للفداء الذي وقع منه تعالى لقصد إظهار السكر.

وفي كل عام يتكرر فاتخاذ يوم ظهور جسم حبيبه الأعظم رحمة لعامة عموم العالم عيد أكبر أحق وأجدر ثم إن إمام الأئمة الإمام الأعظم أبا حنيفة النعمان لما رأى أن شكر المنعم واجب بالشرع والعقل أوجب الأضحية على من قدر عليها من الأمة.

فالذي أره وجوب إعمال هذا الاحتفال في كل وقت عند تذكر ظهور سيد الخلق ولقد أجاد بعض الفضلاء الأماجد في قوله:

ولو إنا عملنا كل يوم                    لأحمد مولدا فالكل واجب

هذا وأرجو من الله قبول هذا الاستنتاج وأن يقع لدى أفكار الإجلاء من فضلاء علماء العصر موقع القبول في الاحتجاج فيرونه أعظم برهان على أعمال هذا المهرجان.

ولقد اشتهر عن المتقدمين من العلماء الأعلام أن من صنع مولدا في كل عام أمن عامة عامه من جميع الآفات والآلام.

وأما مسألة القيام فلقد أصاب فيها العارف القطب السيد جعفر البرزنجي كهف الفضائل والمعارف روح الله روحه وأنار ضريحه ودعوى منکر القيام منكرة واستنباطاته مما أورده مهدرة، لأن كراهته (عليه الصلاة والسلام) للقيام لذاته الشريفة من أصحابه الكرام محمولة على رأفته بهم لعدم مشقتهم وأتعابهم لا لأن القيام مكروه في ذاته أو حرام كما ظنه أولئك الجهلة العوام.

إذ لو كان القيام مكروها لذاته لما أمر به (صلى الله عليه وسلم) أصحابه أن يفعلوه لغيره وهو دونه بدرجات لا تحصى في الشرف والفضل والمجد الأقصى.

وذلك حين أقبل سيدنا سعد (رضي الله تعالى عنه) (عليه الصلاة والسلام) فقال لهم: “قوموا لسيدكم والمكروه لذاته لا يجوز الأمر به قطعا لا عقلا ولا شرعا لأنه منهي عنه فكيف يؤمر به فوجب حمل نهيه (صلى الله عليه وسلم) عن القيام لذاته الشريفة من أصحابه على ما أسلفناه من الرأفة والرحمة للمؤمنين المطبوع عليهما سيد الأولين والآخرين بنص الكتاب المبين.

ولذا سكت ولم ينكر (عليه الصلاة والسلام) على سيدنا حسان لما قام وقال البيتين الآتين حال مروره عليه من الله الرضوان.

ولما كان القيام عنوان التعظيم والاحترام وقد علم (عليه الصلاة والسلام) بمكانته من قلوب أصحابه من كمال الإجلال والإعظام لم يحتج منهم ما يدل على ذلك الاحترام بخلاف سيدنا سعد فاقتضى الأمر فيه الأمر بالقيام له إعلاما بإجلاله وتعظيمه.

فكان ذلك حجة على طلب القيام إمارة ممن لم يعلم من أقليه إعظام مقام المقام له غاية الإعظام وقضية كون القيام عنوان الاحترام قضية بديهية إجماعية عند عموم الناس من الخواص والعوام.

ولعل الأئمة الذين نسب إليهم السيد البرزنخي استحسان القيام لاحظوا هذا المعين فأفتوا بالاستحسان وعلى الخصوص في هذه الأزمان إذ بين أصحاب الأحباب وبين من جاؤا من بعدهم بون بعيد بلا ارتياب تلك القرون الأولى خير القرون بنص خبر الصادق الأمين والمأمون.

ولقد نقل التاج السبكي في طبقاته مستشهدا على استحسان هذا القيام عن الإمام أبي زكريا يحيى الصرصري الحنبلي ثلاثة أبيات من قصيدة له في مدح سيد الأنام (عليه الصلاة والسلام) وهي:

قليل لمدح المصطفى الخط بالذهب                      على فضة من خط أحسن من كتب

وإن ينهض الأشراف عند سماعه                         قياما صفوفا أو جثيا على الركب

أما الله تعظيما له كتب اسمه                              على عرشه يا رتبه سمت الرتب

ثم قال عقبها: وقد اتفق أن منشدا أنشد هذه القصيدة في ختم درس شيخ الإسلام تقي الدين أبي الحسن علي ابن السبكي. وكان القضاة والأعيان مجتمعين عنده فلما وصل المنشد إلى قوله وأن ينهض الأشراف البيت قام الشيخ في الحال على قدميه امتثالا لما قاله الصرصري وقام الناس كلهم وحصلت ساعة طيبة، انتهى.

ثم أنه قد وقع في القرن الثاني من خير القرون ما يستنتج منه استحسان هذا القيام وساق المقاولة المتقدمة لنا التي بين الإمام مالك والخليفة المنصور لما قدم المدينة الشريفة لزيارة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في مسألة استقباله القبر الشريف أو القبلة حيث قال له الإمام مالك استقبله (صلى الله عليه وسلم) فإنه قبلة أبيك آدم من قبلك.

قال الفهامة المذكور وذلك الإمام محافظة على إظهار كمال الأدب لدى الحضرة الشريفة وهو في برزخ الإحسانات المنيفة إذ في إستدباره نوع إشعار بسوء الأدب فلذا آثر الإمام استقباله على استقبال القبلة مع ما ورد في السنة من خبر خير المجالس ما استقبلت فيه القبلة.

فإذا رأى هذا الإمام الجليل مفتي دار الهجرة وإمام الأئمة أن في استقبال جهة سيد الأنام أعلاما بالإعظام والاحترام لجنابة للسامي المقام.

فما بالك بالقيام الذي أجمع جميع الخلق عليه من خاص وعام بأنه إمارة وإعلان بكمال الاحترام والاحتشام نشدتك الله أيها المنكر لهذا القيام لو أقبلت على مجلس وقام لك أكثر من فيه و تخلف البعض عن هذا القيام.

أما يقع في نفسك بل وفي نفس غيرك إن الذي ما قام لك حقرك وما بجلك بخلاف من قابلك وقام لك فما اسمجك وأجهلك.

والله لولا سد باب الاجتهاد ولحکمت بافتراض هذا القيام خصوصا في هذا الزمان الذي صار في الإيمان في عيون الناس لا في قلوبهم ولله سيدنا حسان حيث قام وقال حين مر عليه سيد الأكوان شعرا:

قيامي للعزيز على فرض                          وترك الفرض ما هو مستقيم

عجبت لمن له عقل وفهم                  يرى هذا الجمال ولا يقوم

وروى بعضهم قيامي للنبي بدل العزيز وأي شئ أعز وأجمل من ظهور الرحمة العامة لعموم الخلق من العرش إلى الفرش.

وأي جمال وبهجة وكمال وسرور وحبور يكون في مجلس تشنف فيه أسماع أربابه بذكر ما تنعش به الأرواح وتطير به القلوب وترقص به الأشباح مثل سماع سيرة ظهور من كان سبب في إيجادها وواسطة عظمى في دوام إسعادها أفلا تطير ولا تهيم أم هل تنام ولا تقوم كلا.

والله إني لأرى أن من ترك القيام استنکافا واستكبارا فهو لا شك معلن بالكفر جهارا وتخيل إلى إني سمعت من أجلاء في المدينة المنورة أنه روى عن شيخ شيوخه أن رجلا من ذوي العلم ترك القيام عند ذكر مولد سيد الأنام (عليه الصلاة والسلام).

فسألوه عن عدم قيامه فقال لأنه منكر فأفتوا بكفره وأذاقوه وبال عاقبة أمره فيا أيها المستبصرون بأنوار سيد الأبرار ما تعلمون أسرار قوله جل شأنه يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون فمن هو المستثنى المأذون له في الكلام بنص الآية وحديث البخاري في الشفاعة. أما هو سيد الأنام عليه أكمل الصلاة وأتم السلام، انتهى کلام الفهامة.

وفي إعانة الطالبين نقلا عن العلامة البجيرمي ما نصه وقد روى عنه (عليه الصلاة والسلام) أنه أمر أصحابه أن لا يقوموا إذا مر بهم فمر يوما بحسان (رضي الله تعالى عنه) فقام وأنشد قيامي للعزيز على فرض إلى آخر البيتين.

وقد أقره المصطفى (صلى الله عليه وسلم) على ذلك وفيه حجة لمن قال إن مراعاة الأدب خير من امتثال الأمر، انتهى.

وذكر الفهامة لحديث الذبيحين باللفظ السابق له لم يثبت وإنما الذي ثبت عند الحاكم في مستدرکه أن رجلا قال له (صلى الله عليه وسلم) يا ابن الذبحين فتبسم ولم ينكر عليه، انتهى. نبه عليه شيخي في المواكب.

وقول الفهامة المذكور لولا سد باب الاجتهاد لحكمت بافتراض هذا القيام.

وقد قدمنا لك عن العز بن عبد السلام علم بعد القول بوجوبه في هذه الأزمان وهو وجيه فكن على بصيرة وعبارة مواكب ربيع لشيخ العلامة الشيخ أحمد الحلواني السالف ذكره.

وقد جرت العادة بقيام الناس إذا ذكر المولد الشريف وهو من أحسن ما ابتدع فيستحب لما فيه من إظهار تعظيمه (صلى الله عليه وسلم) وإظهار الفرح به والسرور ولعمري إذ لم يقم لقدومه (صلى الله عليه وسلم) ولو المتخيل بذكر ولادته فلمن يقام فينبغي تأكده بلا فتى المولى أبو السعود العمادي الحنيفي بكفر من يتركه حين يقوم الأناس لا شعاره بضد ذلك.

ولهذا هم بعض قضاة طيبة صلى علله على منورها وسلم أن يوقع بالعلامة الطبلاوي حين ترکه دون الناس ببعض الموالد فاعتذر عنه الولي الخزاعي بأنه من العلماء المتمكنين من العلوم وأنه قصد بجلوسه التنبيه على أن القيام في الأصل بدعة وإن صارت مستحبة.

والتنبيه على ذلك من وظائف العلماء فتراجع عنه القاضي وفي فتاوى العلامة ابن حجران العالم إن قصد بترك القيام حينئذ التنبيه على أنه في الأصل بدعة فحسن قلت: ويظهر أنه ينبغي أو يجب ترکه إذا ذكر الخطيب ذلك وأدى القيام إلى التشويش وعدم الإنصات المندوب أو السماع الواجب.

فإن الأصح عند الشيخين وغيرهما و لم يعتمد ابن حجر غيره أنه يشترط سماع الأربعين للأركان بالفعل لا بالقوة وإن اعتمد الرملي الاكتفاء بالسماع بالقوة بأن يكون بحيث لو أصغى لسمع فإن رعاية الأصح السابق في هذا مقدمة على القيام للزوم البطلان عليه.

ولهذا ينبغي أيضا ترك رفع الأصوات بالدعاء بين الخطبيتين إذا أدى إلى عدم سماع بعض أركان الخطبة الثانية وقد شنع المالكية تشنيعا بليا على رفع الأصوات بالدعاء حينئذ لا سيما فوق دكة المبلغين بل على من لا ينكر ذلك من أهل العلم وقد أنكرناه مرارا وبعض الناس يتثبت بقول الرملي.

والرملي لا يقول له أترك رعاية الخلاف في مثل هذا بل يقول أن رعايته هو الاحتياط في الدين انتهت.

وقوله و لم يعتمد ابن حجر غيره أي في التحفة وقد ذكر الإمام الكردي في رسالة التقليد عن شيخه الشيخ سنبل المكي أنه يؤخذ بكلام ابن حجر والرملي في التحفة والنهاية إذا اتفقا.

فإن اختلفا خير المفتي بينهما إن لم يكن أهلا للترجيح وإلا أفتى بالراجح قال: والترجيح بأمور منها أن يكون أحد القولين موافقا لجمهور الأصحاب أو الأئمة الثلاثة أو للأحاديث الصحيحة مثلا، انتهى.

وتمامه هناك ولا يذهب عليك ما أسلفناه في الباب الثاني عن سيدي عبد الغني النابلسي فتحقق والسلام.

وأما زعم أولئك الملحدين في الدين أن عمل الموالد للأنبياء والصالحين يضاهي ما عليه أهل الصليب من اتخاذهم ليلة مولد نبيهم عيدا أكبر إلى آخره فيرده ما مر عن البخاري ومسلم في صوم يوم عاشوراء فإنه يستفاد منه فعل الشكر لله تعالى على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة وعلى إعادته في نظير ذلك اليوم من كل سنة.

وأي نعمة لدينا أعظم من ظهور الصالحين سيما رئيسهم الأعظم (صلى الله عليه وسلم) فليدخل أمر مولده (صلى الله عليه وسلم) في ذلك دخولا أوليا أولويا لذلك وغيره بالتبع وأما استدلالهم لما زعموه بقوله (صلى الله عليه وسلم) “ومن تشبه بقوم فهو منهم”.

وفي رواية حشر معهم فهو كآية ومن يتولهم منكم فإنه منهم أي من والاهم أي اعتمد عليهم وعاشرهم معاشرة الأحباب فإنه من جملتهم ليس المقصود منه الحقيقة لأنه لو كان منهم حقيقة لكان كافرا كما يزعمه أولئك الجهلة.

مع أنه ليس الأمر كذلك لما سيتضح وإنما المقصود منه التشديد في وجوب بعضهم ومجانبتهم كما قال (صلى الله عليه وسلم) في المسلم مع الكافر لا ترائي نارهما وفي حواشي العلامة الجمل على تفسير الجلالين.

قوله فإنه أي فهو من أهل دينهم لأنه لا يوالي أحد أحلا إلا وهو عنه راض فإذا رضى عنه رضى دينه فصار من أهل ملته وهذا على سبيل المبالغة في الزجر، انتهى من الخازن انتهى.

وعبارة القضائي البيضاوي مع يسير من العناية أى ومن ولاهم منكم فإنه من جملتهم وهذا التشديد في وجوب مجانبتهم كما قال (عليه الصلاة والسلام): “لا ترائي نارهما” أي لأنه لو كان منهم حقيقة لكان كافرا وليس بمقصود وقوله لا ترائي نارهما حديث أخرجه أبو داود والنسائي عن جرير بن عبد الله (رضي الله تعالى عنه) وإسناد الترائي إلى النار مجاز.

كقولهم داري تنظر إلى فلان أي تقابلها يقول نارهما مختلفان هذه تدعو إلى الله وهذه تدعو إلى الشيطان فكيف يتفقان وفي الفائق لا ترائي نارهما أي يجب أن يتباعدا بحيث إذا أوقدت ناران لم تلح أحدهما للأخرى وهو أظهر، انتهى.

وقال سلطان العلماء العز ابن عبد السلام في فتاويه: إن النهي عن التشبه بأهل الكتاب وأهل البدعة الوارد في الشريعة المطهرة مختص بما يفعلونه على خلاف مقتضى شرعنا.

فأما ما فعلوه على وفق الإيجاب أو الندب أو الإباحة في شرعنا فلا يترك لأجل تعاطيهم إياه فإن الشرع لا ينهى عن التشبه بما أذن الله تعالى فيه، انتهى.

وأشار بهذا إلى رد ما قاله الإمام الغزالي في كتاب السماع من الإحياء وهو مهما صارت السنة شعارا لأهل البدعة قلنا بترکها خوفا من التشبه بهم، انتهى. وإلى نحو ما حققه السلطان المذكور أشار السادة الحنفية.

ففي الدر المختار وحواشيه في باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها أن التشبه بأهل الكتاب لا يكره في كل شئ فإنا نأكل ونشرب كما يفعلون بل في المذموم وفيما يقصد به التشبع قال هشام رأيت على أبي يوسف نعلين مخسوفتين بمسامير.

فقلت: أترى بهذا الحديد بأسا قال قلت سفيان ثور بن يزيد يذكرها ذلك لأنه فيه تشبها بالرهبان فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يلبس النعال التي لها شعر وأنا من لباس الرهبان فأشار إلى أن صورة المشابهة بلا قصد لا تضر، انتهى ملخصا وهو ظاهر.

قال شيخي العلامة الحلواني في كتابه الوسم بعد ذكر بعض هذا الذي تقدم ما نصه وبالجملة فالسنة لا تصير بدعة بصيرورتها شعار اللأعاجم بل لا تصير بدعة بصيرورتها شعارا لأهل الكفر كالإفرنج في بعض أمورهم التي تشبه السنة كاتخاذ الرداء المسمى في لسان اليوم الحرام بكسر الحاء ورقة الراء وكاتخاذ العصا المعنقة التي طولها قدر ذراع أو فوقه بيسير فإنما سنتان بل اتخاذ العصا مطلقا سنة فلا يترك ذلك لأجل تعاطيهم إياه وإنما لا يتعاطاه بقصد التشبه بهم بل بقصد السنة فتنبه لذلك، انتهى.

نعم قد عهد اقتران عمل الموالد بمحرمات منها النظر إلى المرد الحسان فإنه حرام للوجه وسائر البدان إن كان بشهوة على معتمد الرملي وقيل مطلقا قال النووي في المنهاج وهو الأصح وانتصر له العلامة المحقق.

قال شيخ العلامة أحمد الحلواني وأنا معه حسما لمادة الفساد ما أمكن.

ومنها إشراف النساء على الرجال و نظرهن إليهم وعكسه إذ معتمد مذهبنا حرمته وقيل مكروه وذلك حيث لا شهوة ولا خوف فتنة والإ حرم اتفاقا.

ومنها قرأه بعض الناس قصة المولد النبوي على الكيفية التي ألفها الواعظ مما أكثره كذب وبهتان من أخبار وحكايات وأشعار.

ومنها اختلاط الرجال بالنساء وحسان المرد في نحو المواكب المعروفة.

ومنها إخراج بعض الصلوات الخمس عن وقتها بسبب اشتغالهم بالمواكب المذكورة من نحو الدوران بها في الشوارع والحارات.

ومنها زيادة الوقود والسرج من الشموع وغيرها مما لا نفع فيه کالواقع الآن ببعض البلاد في المحافل والمواكب المذكورة وبعض الشوارع والبيوت بخلاف ما فيه نفع وليس من مال محجور عليه ولا من وقف لم يشرطه الواقف فيه و لم تطرد العادة به في رمته مع علمه به والا حرم كذلك.

وضابط النافع يؤخذ مما في طبقات الشعراني الصغرى عن البرهان ابن أبي شريف الشافعي أنه ما دام النور يزيد بزيادة الشمع والقناديل فهو جائز ولا يحرم إلا إذا وصل إلى حد لا يزداد الناس به ضوا هذا كلامه بعينه.

ويخالفه أن العلامة المحقق عد من القبائح ما كان يفعله المكيون من خروجهم في زفة زيارة المولد الشريف والقمر في قوة سلطانه بالسرج الكثير من الشموع وغيرها ثم نصبها بالمسجد الحرام بعد الزيارة على صفات أكثر.

وأظهر مما كانت عليه حال مشيهم قال وهذا قبيح أي قبيح قال وقد شنع الإمام النووي وغيره على ما يفعله الحجاج ليلة عرفه من الوقود فيها أتم تشنيع لأنه من إضاعة المال في غير وجهه وغير خاف أنه يجب إنكار المنكر وإزالته متى كان مجمعا عليه أو في اعتقاد فاعله.

وإن لم يقترن بعمل المولد فما ظنك إذا اقترن به فيجب على كل من علم شيئا من تلك المنكرات أن ينكره ويزيله دفعا للمفسدة وتمزيها للموالد عنها خصوصا المولد الشريف النبوي تعظيما لصاحبه فإن عجز فارق محل ذلك وجوبا بالآية فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ولحديث من لم يزل المنكر فليزل عنه وما أحسن ما أنشد به شيخي العلامة الحلواني لنفسه (رحمه الله تعالى) وهو:

وقال الناس وافق أو فنافق                      فهذا الآف ديدن من يوافق

فقلت وثالث أغفلتموه                             له خطر فقولوا أو ففارق

فإن عجز لنحو خوف قعد کارها ولا يجلس معهم إن أمكن وقيل فراق محل المعصية مندوب لا واجب وجمع بأن الوجوب إذا غلب على الظن أنه يلحقه عصيانهم والندب إذا احتمل والمعتمد الأول.

ثم اعلم أنه لا يترك الشخص نحو عمل الموالد من القربات لما يقترن به من المنكرات بل يفعله ويحضر فيه وعليه إنكار من المنكر فيتبع الجنازة ويصلى عليها وإن كان معها نحو نائحة وعليه الإنكار ويزور القبور.

وإن اختلطت الرجال بالنساء وعليه الإنكار أيضا كما صرح به العلامة المحقق في فتاويه الفقهية موافقا للعز بن عبد السلام وأيده العلامة ابن عابدين كما قدمناه لك في الباب الأول عنه. وكذا شيخ المالكية العلامة الشيخ محمد عليش في فتاويه ومثلهما العلامة السمهودى والشهاب الخفاجي في عنايته وزاد هذا أنه يجيب دعوة الوليمة وإن كان ثم ولاه وعليه الإنكار لكن مذهبنا فيها بخلاف ما قال فإنه إن كان بحضوره يزول المنكر وجب وإلا حرم وإن كانت الملاهي بغير محل حضوره من بيوت الدار على المعتمد خلافا لقول صاحب الحاوي إذا لم تشاهد الملاهي لم يضر سماعها كالتي بجواره لظهور الفرق فإن في مفارقة الجار داره ضررا عليه ولا فعل منه بخلاف هذا فإنه تعمد الحضور لمحل المعصية بلا ضرورة.

قال الشهاب وأما حديث جابر ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام فقال العراقي لا أصل له وقال السبكي والزرکشي أنه ضعيف وقد عروض بحديث ابن عمر لا يحرم الحرام الحلال وجمع بأن المحكوم به في الأول إعطاء الجلال حكم الحرام تقليبا واحتياطا لا صيرورته نفسه حراما وغلب الحرام بمعنى إن ترك الحلال حينئذ أرجح كما في الحديث: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، انتهى.

وصورة ما فتاوى العلامة الشيخ عليش سأل عمن له أخ في الله في غير بلده أو شيخ يرجو بركة زيارته ورؤيته.

وفي تلك البلدة المقصودة منكرات كثيرة منها ويراه عيانا ومنها ما يعلم بوجوده وفي حال سفره أيضا لا يسلم من شئ يشاهده فهل يكره لمثل هذا السفر أم ما حكمه وهل كذلك الخروج لصلاة الجماعة إذا ظن أنه لا يسلم من رؤية المنكر لكثرته.

فأجاب أما الزيارة والخروج لصلاة الجماعة فلا يتركان لما يشاهد من المناكر إذ لا يترك الحق لأجل الباطل فإن قدر على إنكار شيء من ذلك في خروجه بيده أو لسانه فعل وحصل له على ذلك أجر زائد على أجر الصلاة والزيارة.

وإن عجز عن ذلك كان مأجور على كراهية ذلك بقلبه وكذلك الغزو مع الفجوة إن قدر على إنكار فجورهم أنكره وحصل على ثواب الإنكار وإن عجز عنه كرهه بقلبه وأثيب على كراهته لذلك لأنه إنما يكرهه تعظيما لحرمات الله عز وجل ولو ترك الحق لأجل الباطل لترك الناس كثيرا من أديانهم.

وقد كان (صلى الله عليه وسلم) يدخل الحرم وفيه ثمانية وستون صنما وكانت داخل الكعبة وكان اساف ونائلة على الصفا والمروة فتخرج بعض الصحابة من السعي بينهما لأجلهما فنزل قوله تعالى: (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) [سورة البقرة آية رقم 158]. كي لا يترك حق لأجل الباطل، انتهى.

لكن الذي في فتاوى العلامة المحقق الحديثية مخالف لما قدمناه عنه في فتاويه الفقهية كما نبهنا عليه سابقا في الباب الأول من هذا الكتاب وها أنا أتلو عليك نص ما في الحديثية وهو سأل: نفع الله عن حكم الموالد والأذكار التي يفعلها كثير من الناس في هذا الزمان هل هي سنة أم فضيلة أم بدعة.

فإن قلتم أنها فضيلة فهل ورد في فضلها أثر عن السلف أو شئ من الأخبار وهل الاجتماع للبدع المباحة جائز أم لا وهل إذا حصل بسبها أو سبب صلاة التراويح اختلاط واجتماع بين النساء والرجال ويحصل مع ذلك مؤانسة ومحادثة ومعاطاة غير مرضية شرعا.

وقاعدة الشرع مهما رجحت المفسدة حرمت المصلحة وصلاة التراويح سنة فيحصل بسببها هذه الأسباب المذكورة فهل يمنع الناس من فعلها أم لا يضر ذلك.

فأجاب بقوله الموالد والأذكار التي تفعل عندنا أكثرها مشتمل على خير مصدقة وذكر وصلاة وسلام على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومدحه وعلى شر بل شرور لو لم يكن منها إلا رؤية النساء للرجال الأجانب وبعضها ليس فيها شر لكنه قليل نادر.

ولا شك أن القسم الأول ممنوع للقاعدة المشهورة إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح فمن علم وقوع الشر فيما يفعله من ذلك فهو عاص أثم وبفرض أنه عمل في ذلك خير فربما خيره لا يساوي شره ألا ترى أن الشارع (صلى الله عليه وسلم) اكتفى من الخير بما تيسر وفطم عن جميع أنواع الشر حيث قال: “إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه”.

فتأمله تعلم ما قررته من أن الشر وإن قل لا يرخص في شئ منه والخير يكتفي منه بما تيسر والقسم الثاني سنة تشمله الأحاديث الواردة في الأذكار المخصوصة والعامة كقوله (صلى الله عليه وسلم): “لا يقعد قوم يذكرون الله تعالى إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة و نزلت عليهم السكينة وذكرهم الله تعالى فيمن عنده” رواه مسلم.

وروى أيضا أنه (صلى الله عليه وسلم): “قال لقوم جلسوا يذكرون الله تعالى ويحمدونه على إن هداهم للإسلام أتاني جبريل (عليه الصلاة والسلام) فأخبرني أن الله تعالى يباهي بكم الملائكة”.

وفي الحديثين أوضح دليل على فضل الاجتماع على الخير والجلوس له وإن الجالسين على خير كذلك يباهي الله بهم الملائكة وتنزل عليه السكينة وتغشاهم الرحمة ويذكرهم الله تعالى بالثناء عليهم بين الملائكة.

فأي فضائل أجل من هذه وقول السائل وهل الاجتماع للبدع المباحة جائز جوابه نعم هو جائز قال العز بن عبد السلام (رحمه الله تعالى): البدعة فعل ما لم يعهد في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم)، وتنقسم إلى خمسة أحكام يعني: الوجوب والندب إلى آخره.

وطريق معرفة ذلك أن نفرض البدعة على قواعد الشرع فأي حكم دخلت فيه فهي منه فمن البدع الواجبة تعلم النحو الذي يفهم القرآن والسنة ومن البدع المحرمة مذهب نحو القدرية ومن البدع المندوبة أحداث نحو المدارس والاجتماع لصلاة التراويح ومن البدع المباحة المصافحة بعد الصلاة.

ومن البدع المكروهة زخرفة المساجد والمصاحف أي بغير الذهب وإلا فهي محرمة، وفي الحديث “كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار” وهو محمول على المحرمة لا غير وحيث حصل في ذلك الاجتماع لذكر أو صلاة التراويح أو نحوها محرم وجب على كل ذي قدرة النهي عن ذلك.

وعلى غيره الامتناع من حضور ذلك وإلا صار شريكا لهم ومن ثم صرح الشيخان بأن من المعاصي الجلوس مع الفساق إيناسا لهم، انتهى ما في الفتاوى الحديثية بحروفه.

والظاهر عندي وفاقا لما مر عن الشهاب الخفاجي وابن عابدين والسيد السمهودي والعز ابن عبد السلام وعليش هو ما في فتاويه الفقهية وحينئذ يقال: إن القاعدة المشهورة التي ستند إليها في فتاويه الحديثية المتقدمة في جوابه ليست بمسموعة في كل مقام. كما يؤخذ مما حققه العلامة القرافي المالكي في قاعدة سد الذرائع وقد مر فأحسن التأمل هذا وفي الجواهر السنية ما بعضه قال سيدنا ومولانا حافظ العصر وعلامة الدهر الشيخ شهاب الدين ابن حجر العسقلاني (رحمه الله تعالى) في ترجمته للأستاذ العارف بالله تعالى سيدي أحمد البدوي (رضي الله تعالى عنه) التي رواها عنه صاحب تاريخ القدس الشريف.

وبعد مدة من موت السيد أحمد البدوي حدث لأتباعه عمل المولد عنده وصار يوما مشهورا يقصد من النواحي البعيدة وقد قام جماعة من العلماء ومن يتدين من الأمراء في إبطاله فلم يتهيأ لهم ذلك إلا في سنة 852 ثمانمائة واثنين وخمسين انتهى.

وقال حافظ العصر الجلال السيوطي (رحمه الله تعالى) ومن غرائب کرامات السيد أحمد البدوي (رضي الله تعالى عنه) ما اتفق للجماعة الذين سعوا في إبطال مولده.

وهذه الواقعة من جملة كراماته (نفعنا الله به وبعلومه ومدده) وذلك إن الذين أفتوا بإبطال المولد الشريف المذكور طلبوا من الشيخ الإمام العالم الرباني يحيى المناوي أن يوافقهم على الإفتاء بإبطال المولد المذكور فامتنع و لم يكتب على الفتيا فشكوه لمولانا السلطان الملك الظاهر حقق رحمه الله تعالى.

فأرسل خلفه فطلع إليه وأخبرني رفيقه الذي كان معه فقال لما رآه السلطان نزل إليه من على الكرسي وجلس معه على الأرض وأخذ يحاوله في الإفتاء بإبطال مولد سيدي أحمد البدري (رضي الله تعالى عنه) فقال له الشيخ: أما أنا فلا سبيل إلى أن أكتب على الفتيا بإبطاله أبدا. بل أفتى بمنع المحرمات التي تحضر فيه ومولانا السلطان أيده الله يرسل خاصيا أوامرا من جهته يمنع المحرمات التي ستحضر في المولد ويبقي المولد على حاله، فقال له السلطان إن جماعة أفتوا بإبطاله فقال الشيخ ما اجترئ على الفتيا بذلك.

ثم قال كلاما حاصله أن الشيخ أحمد البدوي سيد كبير وعنده غيره وهو لا يرجع عن هؤلاء الجماعة الذين سعوا في إبطال مولده ويا مولانا السلطان سوق تنظر ما يحصل لهؤلاء من الضرر بسبب الشيخ أحمد البدوى وعجز السلطان أن يستكتب الشيخ يحيى على الإفتاء بإبطال مولد سيدي.

فنزل الشيخ من عند السلطان وهو مسرور حيث لم يكتب صحبة الجماعة الذي أفتوا بإبطال المولد ثم بعد قليل حصل لكل واحد من المفتين والمتعصبين في إبطال المولد المذكور غاية الضرر فبعضهم عزل عن منصبه وأمر السلطان بنفيه.

وبعضهم هرب إلى دمياط فأحضر وعزر وحبس وبعض المنفصلين وكان وجيها عند السلطان أخذ من مجلسه في غاية الإهانة ووضع في الحديد وضرب في مجلس الشرع خمسمائة عصى.

ثم نفى إلى بلاد المغرب وبعضهم ضرب ضربا مبرحا فسأل الله تعالى العافية والسلامة من عصبة الزور والبهتان وغضب الله تعالى وغضب رسوله (صلى الله عليه وسلم) ثم غضب أوليائه ومقتهم ومعاداتهم لأن الله تعالى قال: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب).

وفي حديث آخر: “من أذى لي وليا فقد استحل محاربتي” فالله سبحانه وتعالى ينتصر له بمحاربة من عاداهم لأنهم حمال أسراره ومعدن أنواره.

وقد قال تعالى: (إن الله يدافع عن الذين ءامنوا) [سورة الحج آية رقم 38] غير أن مقابلة الحق سبحانه وتعالى لمن أذى أوليائه ليس يلزم أن تكون معجلة.

وفائدة هذا البيان أنا لا نحكم لإنسان أذى وليا من أولياء الله تعالى بالسلامة إذا لم تر عينه محنة في نفسه وماله وولده فقد تكون هناك محنة أكبر من أن يطلع العباد عليها.

وقد كان رجل في بني إسرائيل أقبل على الله تعالى ثم أعرض عنه فقال: “يا رب كم أعصيك ولم تعاقبني” فأوحى الله تعالى إلى نبي ذلك الزمان أن قل لفلان إني قد عاقبتك ولم تشعر ألم أسلبك حلاوة ذكري ولذات مناجاتي، انتهى.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد