ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 6 يونيو 2019 زيارة: 298

حول أحكام النذور معنى قولهم نذرت لسيدي فلان

(غير مصنفة)
مقتبس من مجلة: المسلم عدد جمادي الأولى سنة 1379 هـ (ص11-16)
تأليف: فضيلة الشيخ محمود حسن ربيع

في الحديث: من نذر أو ذبح لغير الله فقد أشرك، وقد حمل بعض المتمسلفة هذا الحديث على ظاهره بدون نظر فقهي إلى معناه، وملابساته، وما يتعلق به من الأحاديث الثابتة، و بدون نظر “إلى قيمة إسلام المسلمين وتوحيدهم، وهذا الكلام من قائليه لا يعدو أن يكون ناشئا عن التباس شائن في ذهنهم، أو تلبيس قبيح لا يليق بعالم بالدين خبير بأحوال المسلمين، ومقاصدهم، فإن المسلم إذا ذبح لميته أو لنبيه أو لولي من أولياء الله، أو نذر الذبيحة للنبي أو الولي، فهو لا يعني بذلك إلا التصدق عنه بذبيحته وجعل ثوابها له ولم يعتقد فيه ربوبية ولا خاصة من خواصها وإنما أعتقد، عبدأ يهدي إليه ويتصدق عليه ويرتجى خير الله بإكرامه.

أما المشرك عقد فيعتقد في وثنه أنه رب مستحق للعبادة فيعيده بذبح الذبائح له رجاء جلب الخير ودفع الضر، اللذين يعتقد انفراد وثنه بهما، كما يذبح المؤمنون بالله نسائكهم لله رب العالمين يرجون ثوابه ويخافون عذابه سبحانه و تعالى، فكيف يقاس عمل المسلمين على عمل الكافرين.

وقد قال العلامة الشيخ داود البغدادي في كتابه (أشد الجهاد في إبطال دعوى الاجتهاد) ما يأتي:

وأما قولهم) إن الذي ينذر أو يذبح باسم الله صدقة للأنبياء والأولياء فيو لايجوز أو كفر أو شرك فهذا كلام فصله علماء أهل السنة من أئمة المذاهب، وحيث أن هؤلاء خارجون عن المذاهب، فنستدل على ردهم كما يقولون من الكتاب والسنة، ثم نذكر أقوال المذاهب في هذه المسألة قال الله تعالى: (وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه)، وقال تعالى: (وليوفوا نذورهم)، وقال تعالى: (يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا)، فذكر في هذه الآيات الشريفات أن النذر هو يعلمه ومدح فاعله وجعل النذر من جنس النفقة.

وفي الحديث الصحيح أن رجلا أو امرأة نذر أن يذبح إبلا ببوانة (مكانا خارج مكة) فسأله النبي هل به وثن من أوثان الجاهلية؟ فقال السائل لا، قال أوف بنذرك، مع أن الله حاضر في كل مكان وعالم بالنيات، فتعيين أماكن الصالحين للتصدق ق على من بجوارها ليصل ثوابه لذلك الصالح، فهو مما عين المكان فيه وإن تعيينه لازم لاضرر فيه في دين الإسلام، وأما الذبح فهو تبع للنذر لأن من نذر حيوانا لابد من ذبحه.

(وأما قول الخوارج) إن النذر لغير الله لايجوز والذبح لغير الله لايجوز «فنقول»، أولا: یحتاج هذا الكلام إلى دليل من الكتاب والسنة ولن يستطيعوا له حصولا في النذر ولا بد أن يأتوا بكلام الفقهاء وهم لايرضون بالتقليد بل يدعون الأخذ بالكتاب والسنة.

وبعد أن رد على آية (وما أهل لغير الله به) نقل عن فقهاء المذاهب رد زعم هؤلاء فنقل عن صاحب الدر من الحنفية فقال: وذكر في الدر في مسألة الذبح أن ما أهل لغير الله به هو أن يذع الذبيحة ويتركها ولا يعطيها للفقراء، وأما ما ذبح للأكل فليس بداخل فيما أهل به لغير الله کالذبح للضيف، فإنه سنة الخليل ابراهيم (عليه السلام)، ولو كان مما أهل لغير الله لداخل ما ذبح للضيف مثلا، ومسألة الذبح للأولياء المقصود منه نفع الفقراء.

ثم قال: وأما عند الأمة الشافعية (فسئل) العلامة ابن حجر المكي في فتاواه عن النذر للأولياء هل يصح ويجب تسليم المنذور إليهم إن كانوا أحياء أو لأي فقير أو مسكين كان، وإن كان الولي ميتا فهل يصرف لمن يكون من ذريته أو أقاربه أو لمن ينهج منهجه أو يجلس في حلقته أولفقيره (فأجاب بقوله) النذر للولي الحي صحيح ويجب صرفه إليه ولا يجوز صرف شيء منه لغيره وأما النذر للولي الميت فإن قصد الناذر تمليك الميت بطل نذره، وإن قصد قربة أخرى کاولاده وخلفائه أو إطعام الفقراء الذين عند قبره أو غير ذلك من القرب المتعلقة بذلك الولي صح النذر ووجب صرفه فيما قصد الناذر وإن لم يقصد شيئا لم يصح إلا إن اطردت عادة الناس في زمن الناذر بأنهم ينذرون الميت ويريدون جهة مخصوصة ما ذكرناه، وعلم الناذر بتلك العادة المطردة المستقرة، فالظاهر تنزيل نذره عليه أخذا مما ذكروه في الوقف من أن العادة المستقرة المرادة في زمن الواقف تنزل منزلة شرطه.

(وأما المالكية) فذكر صاحب مختصر خليل كما ذكر الشافعية وعبارته نصها: (وإن قيد – يعني الهدي – بغير مكة بلفظ أو نية كقبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو قبر ولي فإن كان مما يهدي و عبر عنه بلفظ بعير أوجزور أو خروف أو نحوه، أو ذبحه بموضعه وفرق لحمه للفقراء وإن شاء أبقاه وأخرج مثل ما فيه من اللحم، وأما إن كان مما لا يهدي کثوب أو دراهم أو طعام فإن قصد بذلك للقبر الشريف أو لقبر الولي ولو أغنياء أرسله لهم، وإن قصد نفس النبي والشيخ أي الثواب تصدق به بموضعه، وإن لم يكن له قصد أو مات قبل عالم قصده فينظر لعاداتهم، كذا استنبطها ابن عرفة والبراذلي.

(وأما قول الحنابلة) فقد نقل في حاشية الاقناع عن ابن تيمية: من نذر قنديلا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صرف لجيران النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

قال الشيخ: (وأما مسألة الذبح للأنبياء والأولياء) بمعنى أن الثواب لم والمذبوح منذور لوجه الله تعالى، وما ورد من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): لعن الله من ذبح لغير الله، قال ابن القيم في كتاب الكبائر والذهبي في الكبائر وابن حجر في الزواجر: معنى الذبح لغير الله مثل أن يقول باسم سيدي الشيخ فلان بدلا من قوله باسم الله، وكما تقدم أن يقول الكافر عند الذبح باسم الصنم عوضا عن بسم الله.

قال النووي في الروضة: فإن ذبح للكعبة أو للرسل تعظيما لكونها بيت الله، ولكونهم رسل الله جاز، قال وإلى هذا يرجع قول القائل: أهديت للحرم أو للكعبة.

وأقول: قد يربيك من حل الذبح الأولياء نوع الخضوع الظاهر، والاحترام البارز الذي يشعر بالتقديس لهم، فأقول: إن هذا في نظر العلماء المحققين لا شيء فيه، قال العلامة الشيخ سلامه العزامي رحمه الله، في كتابه «البراهين الساطعة»، إن بعض العلماء يرى أن أنواع الخضوع الظاهري لا يكون عبادة شرعا إلا بشرط أن يقارنها اعتقاد الربوبية أو شيء من خصائصها كالاستقلال بالنفع والضر لمن خضع له بها، كما عليه المشركون في ذبحهم لأوثانهم وجودم لها وغيرها؛ وأین هذا من ذبح المسلمين الذبائح وتفريقها على ذوي الحاجات بريدون إهداء ثوابها لنبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم) أو ولي من أولياء الله أو قريب من أقربائهم أو غيره من سائر الموتى المسلمين، وهل ذلك إلا من أصدق الأحياء عن موتى المسلمين، وهل هو إلا من التقرب إلى رب العالمين، سواء كانت الصدقة على وجه التطوع أو النذر وهو من الإحسان الذي يفعله الأحياء في هذه الدار لأولئك الذين انتقلوا إلى تلك الدار، وانقطعت أعمالهم، وصاروا أحوج ما يكونون إلى مزيد من الخير والترقي في الدرجات، والله يحب المحسنين.

ولقد روى أبو داود بسنده في باب الأضحية عن الميت، عن علي أنه كان يضحي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بكبش، وكان يقول: أوصاني (صلى الله عليه وآله وسلم) أن أضحى عنه فأنا أضحى عنه، وفي الصحيحين عن عائشة (رضي الله عنها) أن رجلا أتي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها ولم توص وأظنها لو تكلمت لتصدقت أفلها أجر إن تصدفت عنها، قال: نعم، «وافتلت النفس بالبناء للمفعول فاجأها الموت نفسها بالرفع»، والأصل افنلت الله نفسها فأخذها الله فلتة أي فجأة.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رجلا قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إن أبي مات وترك مالا ولم يوص، فهلى يكفي أن أتصدق عنه؟ قال: نعم، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس، أن سعد بن عبادة توفيت أمه وهو غائب عنها، فأتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال يا رسول الله: إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم، قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها، والحائط البستان والمخراف کفتاح اسم لذلك الحائط .

وأخرج أبو داود والنسائي وأحمد في المسند عن سعد بن عبادة (رضي الله عنه) أنه قال يا رسول الله: إن أم سعد ماتت فأي الصدقة أفضل؟ قال: الماء فحفر بئرا فقال: «هذه الأم سهل»، أي يعني (رضي الله عنه) أن ماء البئر صدقة عنها، وانظر إلى تعبير سعد باللام ها هنا، فهو كما يقول المسلمون هذه الذبيحة للنبي أو الولي الفلاني أو الأولياء فهم لايعنون إلا ما عناه ذلك الصحابي الجليل سعد بن عبادة من أن ذلك صدقة عنهم ومهدي ثوابه لأرواحهم، والفرق واضح جلي بين قول القائل هذه صدقة لله عز وجل وبين قوله هذه الصدقة لفلان، فإن اللام الداخلة على اسمه الكريم سبحانه هي اللام الداخلة على الرب المعبود المبتغی وجهه بالعمل، واللام في الجملة الثانية هي الداخلة على من يعطی الصدقة إن كان المتصدق عليه حيا، أو أن يكون له ثوابها إن كان ميتا، فهي له باعتبار ثوابها لا باعتبار عينها، وهذه اللام كاللام في قوله تعالى (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) داخلة على مصرف الصدقه لا على المعبود بها عز وجل، ولولا كثرة تشغيب الجاهلين من أولئك المبتدعة ما كان هذا في حاجة إلى بيان.

وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن العاص ابن وائل نذر في الجاهلية أن ينحدر مئة بدنة وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين، وأن عمرا سأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أما أبوك فلو أقر بالتوحيد، فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك.

فصدقات الأحياء عن الموتى لا سيما المقربين من الأنبياء والأولياء من أفضل القرب فإن نذرها لهم فهو نذر صحيح وثوابه ثواب الواجب، وهو أعظم من ثواب التطوع بكثير فإن النذر عقد بين الشخص وربه يقتضي التزام قربة لم تجب بأمر الشرع، وهذا منها، وما تسمعه في كلام الفقهاء من أنه لا ينعقد النذر للميت، فرادهم به آن ذلك إذا قصد الناذر تسليم ما نذره للميت وتمليكه إياه، وهذا ما لا يقصده أحد من الناذرين، وإنما المقصود لهم التصدق به عنه وهو قرية بلا خلاف فنذره منعقد لازم وحينئذ يجب الوفاء به لقوله تعالى: (وليوفوا نذورهم)، ولمدحه سبحانه الأبرار بقوله (يو فون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا) وهو يقتضي ذم من لم يوف بنذره فيكون عدم الوفاء حراما مذموما عند الله عز وجل المقصود هذه القرابة.

ولما روى البخاري وأبو داود وغيرهما عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه» ولا تنس أن تقييد النذر بكونه لفلان الميت لا معنى له عند قائله إلا جعل ثوابه له، فهو نذر الله عز وجل يتقرب به إليه سبحانه جعله صاحبه صدقة عن الميت موهوبا ثوابه له؛ وروى أبو داود بسند صحيح على شرط الشيخين كما قاله النووي في المجموع: «أن رجلا نذر على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينحر إبلا ببوانة «وهي بضم الباء وتخفيف الواو بقعة معروفة» أي بمكة كما قدمنا فأنى ذلك الرجال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ فقالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا لا، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) أوف بنذرك.

ومنه تعلم أن تعيين أماكن الصالحين للتصدق على من بجوارهم ويكون ثوابه لهم لاضرر فيه في دين الإسلام، بل يجب عليه أن يؤدى نذره في المكان الذي عينه عند كثير من الفقهاء أو أكثرهم، وليس فيه تشبه بالكفار، فإنه ليس للجاهلية فيها وثن يعبد، ولا عيد يؤتي، كما رأيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أفتى السائل في هذا الحديث أن ينحر بالمكان الذي عينه حين انتفى هذا التشبيه، وروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب بن عبد الله بن عمرو عن أبيه عن جده، أن امرأة جاءت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: إني نذرت أن أنحر بمكان كذا وكذا – مكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية – قال لصنم؟ قالت لا، قال: لوثن؟ قالت لا، قال أوفى بنذرك.

ومن كل ذلك يعلم أن النذر والذبح لأولياء الله خارج بحمد الله عن نطاق الشرك وإنما هو قربة ورغيبة مستحبة.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد