ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 5 أكتوبر 2018 زيارة: 56

خطورة القول بالجهة فضلا عن القول بالتجسيم الصريح

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: مقالات الكوثري (ص268-275)
تأليف: الشيخ محمد زاهد الكوثري

رأينا الأزهر الحديث يتساهل في العقيدة المتوارثة في التنزيه إلى حد أن يبيح نشر كتاب “النقض للدارمى المجسم” كما علم مما نقلناه عن جريدة البلاغ وفي ذلك استساغة اعتقاد الجمهور لما فيه من إثبات المكان له تعالى في الصفحات “4 و23 و24 و25 و80 و82 و83 و96 ” وفيه أيضاً إثبات الحد والغاية والمس والقيام والقعود والجلوس والحركة له سبحانه في الصفحات ” 20 و23 و24 و25 و26 و29 و30 و45 و50 و54 و55 و73 و74 و75 و121″ وفيه أيضاً ادعاء قدم مفعولاته تعالى وقدم استوائه على العرش وقدم حركته ومشيه وهرولته كما في “ص 121 ” تعالى الله عن ذلك كله، وفيه أيضاً إثبات القرب له تعالى والبعد عنه بالمسافة في الصفحات ” 78 و79 و80″ وفيه أيضاً ادعاء كون من على رأس الجبل والمنارة أقرب إلى الله تعالى ممن على الأرض كما في “ص 100 “، وفيه أيضاً تجويز استقراره تعالى على ههر بعوضة كما في “ص 85 ” وفيه أيضاً إثبات ثقل له تعالى على العرش وحملته كما في “ص 92 ” وفيه أيضاً تمثيل ثقله تعالى على العرش يثقل آكام .” الحجارة والحديد كما في “ص 182.

إلى غير ذلك من الأساطير الوثنية التي لسنا في صدد استقصائها، وهذا هو الكتاب الذي تبيح الجماعة نشره ولا ترى شيئاً في تداوله، مع أن القول بإثبات الجهة له تعالى كفر عند الأئمة الأربعة هداة الأمة كما نقل عنهم العراقي على ما في “شرح المشكاة لعلي القارئ” فضلاً عن باقي المخازي في كتاب الدارمي.

وقال البياضي في “إشارات المرام”: “قال أبو حنيفة: من قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فهو كافر، وكذا من قال إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض” ثم ذكر وجه إكفاره وقال: لكونه قائلاً باختصاص الباري تعالى بجهة وحيز، وكل ما هو مختص بالجهة والحيز فإنه محتاج محدث بالضرورة وهو قول بالنقص الصريح في حقه تعالى، والقائل بالجسمية والجهة منكر وجود موجود سوى الأشياء التي يمكن الإشارة إليها حساً، فهم منكرون لذات الإله المنزه عن ذلك فلزمهم الكفر لا محالة اه.

وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي في كتابه “اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن”: “تعالى الله عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات ولا تحويه الجهات الست كسائر المبدعات”، وفيه أيضاً: “و نؤمن بخروج الدجال الأعور اللعين، ونزول عيسى بن مريم عليه السلام من السماء” وعلى هذه العقيدة أتباعهم الذين لا يقلون عن نصف الأمة المحمدية على توالي القرون.

وقد تلقى الطحاوي علوم هؤلاء في الاعتقاد والعمل عن سليمان بن شعيب الكيساني وبكار بن قتيبة وابن أبي عمران وأبي حازم، فالأول عن أبيه محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، والثاني عن هلال بن يحيى عن زفر وأبي يوسف عن أبي حنيفة، والثالث عن ابن سماعة وبشر بن الوليد، فالأول عن محمد وأبي يوسف والثاني عن أبي يوسف والرابع عن عيسى بن أبان عن محمد، وعقيدة الطحاوي هذه مستفيضة عن أئمتنا متواترة إلى اليوم.

ورد الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه على القائلين بالجهة مبسوط في “العواصم من القواصم” لابن العربي و”السيف الصقيل” للتقي السبكي، ويقول القرطبي المفسر في “التذكار 208” عن المجسمة: “و الصحيح القول بتفكيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور” اه، فيكون لفظ الجهة في تفسيره سبق قلم، كما أوضحته في “تكملة الرد على ابن القيم”.

ورأى الإمام الشافعي (رضي الله عنه) في المجسمة هو كما يظهر من شرح المهذب للنووي، قال التقي الحصني في “كفاية الأخيار” وكان من كتب الدراية ي الفقه الشافعي في الأزهر: جزم النووي في صفة الصلاة من شرح – المهذب بتكفير المجسمة، قلت: وهو الصواب الذي لا محيد عنه إذ فيه مخالفة صريح القرآن قاتل الله المجسمة والمعطلة ما أجرأهم على مخالفة (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) [سورة الشورى: الآية 11] وفي هذه الآية رد على الفرقتين والله أعلم اه، وفي نقل ما ذكره إمام الحرمين في “الشامل” و”الإرشاد” في الرد على المجسمة طول.

وأما رد الإمام أحمد رضي الله عنه على المجسمة فمنقول في “مرهم العلل المعضلة لليافعي” بتوسع و”دفع شبه التشبيه لابن الجوزي” وهو كاف في ذلك.

بل ابن حزم الظاهري من أقسى أهل العلم على المجسمة في كتابه “الفصل”، وقوله تعالى: (قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله) [الأنعام: 12] يفيد أن المكان وكل ما فيه ملك لله، وقوله تعالى: (إن كل من في السماوات والأرض إلا آتى الرحمن عبداً) [مريم: 93] يدل على أن القرآن ينص على أن سكنة السماوات والأرض كلهم عبيد الله، وقوله تعالى (وله ما سكن في الليل والنهار) [الأنعام: 13] يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك لله تعالى فظهر أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات كلها ملك لله تعالى، وذلك يدل على تنزيهه سبحانه عن المكان والزمان كما قال أبو مسلم الأصبهاني والفخر الرازي وغيرهما، وإلا لزم أن يكون مالكاً ومملوكاً وعبداً ومعبوداً تعالى الله عن ذلك وقوله سبحانه في سورة الحديد: (هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير) [الحديد: 4] وجمعه بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى المعية، وليست المعية بأجدر التأويل من الاستواء فوضح الحق وبطل ما كانوا يعملون.

وهنا ننقل كلمة ابن العربي في “العارضة” لما فيها من الفوائد الجمة في الرد على بادرة بدرت من ابن عبد البر في “التمهيد” و”الاستذكار” ويحاول أهل الزيغ التمسك بها.

قال ابن العربي في العارضة (2/ 232)”: قد تعدى إليه “أي حديث النزول” قوم ليسو من أهل العلم بالتفسير فتعدوا عليه بالقول النكير وقالوا “في هذا الحديث دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سماوات” قلنا هذا جهل عظيم، وإنما قال ينزل إلى السماء ولم يقل في هذا الحديث من أين ينزل ولا كيف ينزل؟ قالوا: وحجتهم هاهر قول الله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) [طه: 5] قلنا: وما العرش في العربية؟ وما الاستواء؟ قالوا، كما قال الله تعالى: (لتسووا على ظهوره) [الزخرف: 13] قلنا: إن الله تعالى أن يمثل استواؤه على عرشه باستوائنا على ههور الركائب، قالوا: وكما قال: (واستوت على الجودي) [هود: 44] قلنا: تعالى الله أن يكون كالسفينة جرت حتى لمست فوقفت، قالوا “وكما قال: (فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك) [المؤمنون: 28] قلنا: معاذ الله أن يكون استواؤه كاستواء نوح وقومه لأن هذا كله استواء مخلوق بارتفاع وتمكن في مكان واتصال ملامسة وقد اتفقت الأمة من قبل سماع الحديث ومن بعده على أنه ليس استواؤه على شيء من ذلك، فلا يضرب له المثل بشيء من خلقه، قالوا “قال الله عز وجل: (ثم استوى إلى السماء) [البقرة: 29] قلنا: تناقضت تارة تقول إنه على العرش فوق السماء ثم تقول إنه في السماء لقوله (أأمنتم من في السماء) وقلت: إن معناه على السماء… قالوا “اجتمعت الموحدة على أنهم يرفعون أيديهم في الدعاء إلى السماء ولولا ما قال موسى “إلهي في السماء” لفرعون ما قال يا هامان ابن لي صرحاً” قلنا: كذبتم على موسى ما قالها قط ومن يوصلكم إليه إنما أنتم أتباع فرعون الذي اعتقد أن الباري في جهة فأراد أن يرقى إليه بسلم  فيهنئكم أنكم من أتباعه وأنه إمامكم، قالوا “و هذا أمية بن أبي الصلت يقول:

فسبحان من لا قدر الخلق قدره … و من هو فوق العرش فرد موحد

مليك على عرش السماء مهيمن … لعزته تعنو الوجوه وتسجد

وهو قد قرأ التوراة والإنجيل والزبور” قلنا: هذا الذي يشبه جهلكم أن تحتجوا بقول فرعون، قول ملحد جاهلي وتحيلون به على التوراة والإنجيل المبدلة المحرفة، واليهود أعرق خلق الله كفراً وتشبيهاً لله بالخلق.

والذي يجب أن يعتقد في ذلك أن الله كان ولا شيء معه، ثم خلق المخلوقات من العرش إلى الفرش فلم يتعين بها ولا حدث له جهة منها ولا كان له مكان فيها فإنه لا يحول ولا يزول قدوس لا يتغير ولا يستحيل.

وللاستواء في كلام العرب خمسة عشر معنى ما بين حقيقة ومجاز: منها ما يجوز على الله فيكون معنى الآية، ومنها ما يجوز على الله بحال وهو ما إذا كان الاستواء بمعنى التمكن أو الاستقرار أو الاتصال أو المحاذاة فإن شيئاً من ذلك لا يجوز على الباري تعالى ولا نضرب له الأمثال في المخلوقات، وإما أن لا يفسر كما قال مالك وغيره: إن الاستواء معلوم يعني مورده في اللغة، والكيفية التي أرادها الله، مما يجوز عليه من معاني الاستواء مجهولة فمن يقدر أن يعينها؟ والسؤال عنه بدعة لأن الاشتغال به قد يثير طلب المتشابه ابتغاء الفتنة، فتحصل لك من كلام إمام المسلمين مالك أن الاستواء معلوم، وأن ما يجوز على الله غير متعين وما يستحيل عليه هو منزه عنه… وقد حصل لك التوحيد والإيمان بنفي التشبيه والمحال على الله سبحانه وتعالى فلا يلزمك سواه.

وأما قوله ينزل ويجيء ويأتي وما أشبه ذلك من الألفاظ التي لا تجوز على الله في معانيها، فإنها ترجع إلى أفعاله، و ها هنا نكتة وهي أن أفعالك أيها العبد إنما هي في ذاتك، وأفعال الله سبحانه لا تكون في ذاته، وإنما تكون في مخلوقاته فإذا سمعت الله يقول افعل كذا فمعناه في المخلوقات لا في الذات، وقد بين ذلك الأوزاعي حين سئل عن هذا الحديث فقال يفعل الله ما يشاء… وقالوا “نقول ينزل ولا نكيف” قلنا معاذ الله أن نقول ذلك، وإنما نقول كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما علمنا من العربية التي نزل بها القرآن قال النبي صلى الله عليه وسلم: “يقول الله: عبدي! مرضت فلم تعدني، وجعت فلم تطعمني، وعطشت فلم تسقني” ولا يجوز عليه شيء من ذلك، ولكن شرف هؤلاء بأن عبر به عنهم، كذلك قوله ينزل ربنا عبر عن عبده وملكه الذي ينزل بأمره باسمه فيما يعطى من رحمته، ويهب من كرمه ويفيض على الخلق من عطائه، وقال الشاعر:

ولقد نزلت فلا تظني غيره … مني بمنزلة المحب المكرم

والنزول قد يكون في المعاني وقد يكون في الأجسام، والن زول الذي أخبر الله عنه إن حملته على أنه جسم، فذلك ملكه ورسوله وعبده، وإن حملته على أنه كان لا يفعل شيئاً من ذلك ثم فعله عند ثلث الليل فاستجاب وغفر وأعطى وسمي ذلك نزولاً عن مرتبة إلى مرتبة، فتلك عربية محضة.

إلى آخر ما ذكره ابن العربي، ولله دره حيث أجاد وأفاد في هذا الموضوع ورد على ما بدر من ابن عبد البر رداً متيناً لا تقوم له قائمة بعده.

وقد قال الإمام أبو منصور عبد القاهر التميمي في كتاب “الأسماء والصفات له” فيما روى التقي السبكي عنه في الفتاوى الحلبيات وهي أجوبته عن أسئلة الشهاب الأذرعي: “إن الأشعري وأكثر المتكلمين قالوا بتكفير كل مبتدع كانت بدعته كفراً أو أدت إلى كفر كمن زعم أن لمعبوده صورة أو أن له حداً ونهاية أو أنه يجوز عليه الحركة والسكون… ولا إشكال لذي لب في تكفير الكرامية مجسمة خراسان في قولهم إنه تعالى جسم له حد ونهاية من تحته وأنه مماس لعرشه وأنه محل الحوادث..” وكل ذلك مما هو موجود في كتاب الدارمى، ولا يجهل أهل العلم منزلة أبي منصور في علم أصول الدين وقد تخرج على مثل أبي إسحاق الإسفرايني تلميذ أبي الحسن الباهلي صاحب أبي الحسن الأشعري.

وأراني في غنية عن التوسع في بيان خطورة ما في كتاب الدارمى من إثبات المكان والجهة والحد والنهاية والغاية والثقل والمشي والجلوس والقيام والقعود ونحوها له سبحانه بأكثر مما سبق لأني لا أهن أين يوجد حتى بين إخوان الصفاء من لا يقر بإباحة نشره وبأنه لا شي في تداوله، على ما فيه من الكفريات الفظيعة التي ذكرنا بعض نماذج منها.

بل شيخهم الذي حملهم على ذلك يقول في تفسير سورة الحديد “ص 13 “: “و نحن نؤمن بأنه استوى على العرش كما وصف نفسه، وعرشه لا يعلمه البشر إلا بالاسم وليس حاملاً له كما يتوهمه الناس، وتعالى الله عن أن يكون محمولاً أو في جهة أو حيز، وتعالى الله عن سمات المخلوقين. . . ولا يجوز أن يتحكم أولئك الجهلة في تفسير القرآن والحديث النبوي ويحملوا الألفاظ على هاهرها فيوقعوا الناس في التجسيم ولوازم التجسيم.

والكتاب الذي يستصوبه اليوم يدعو إلى ضد ذلك على خط مستقيم، فما رأى فضيلته في هذا التناقض؟!! ولا نظنوجود إكراه ملجئ يبيح للجماعة النطق بالكفر الصارح لكن الناس معادن، وعلم “أكل عيش!” ودين أكل عيش! وأدب أكل عيش توقع المرء في مهازل!.

وصفوة القول أن التساهل في أمر كتاب النقض بإباحة نشره من أفظع ما ينسب إلى جماعة لا حكمة لوجودهم غير حراسة الدين.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد