ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 17 أغسطس 2017 زيارة: 721

داعش وتحريف الأدلة عن مواضعها (1)

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: العنف المستباح «الشريعة» في مواجهة الأمّة والدولة، ص224- 227
المؤلف: معتز الخطيب

التحريف صفة مركزية ملازمة لمنظري العنف و جماعاته، و قد تحدث الشاطبي عن هذا الأصل الذي وقع فيه عامة « أهل الزيغ» من الفرق عبر التاريخ، أي الخارجين عن التقليد باصطلاحنا في هذا الكتاب، و ذلك « بأن يرد الدليل عن مناطٍ فيصرف عن ذلك المناط إلى أمر آخر مُوهماً أن المناطّين واحدٌ، و هو من خفيات تحريف الكلم عن مواضعه و العياذ بالله. و يغلب على الظن أن من أقر بالإسلام و يذمّ تحريف الكلِم عن مواضعه: لا يلجأ إليه صُراحاً إلا مع اشتباهٍ يعرض له أو جهلٍ يصدّه عن الحق مع هوى يعميه عن أخذ الدليل مأخذَه، فيكون بذلك السبب مبتدعاً. و أمثلة هذا كثيرة في نصوص منظري العنف، حتى قال أحدهم في نقده لتنظيم الدولة : و قد أخذوا بلافهم و لا تدقيق عمومات ما قاله أهل الطريق من الجهاديين.

الفكرة المركزية لمجماعات العنف هي تكفير كل من حكم بالقوانين؛ استناداً إلى قوله تعالى: وَ مَن لَّمْ يحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئكَ هُمُ الْكَافِرُون {المائدة:44}, و جعلوا ذلك نصّا في تكفير جميع الحكام اليوم و الراضين بحكمهم، و لكن فهم الجماعة المسلمة ـ تاريخياً ـ لـ « الحكم بما أنزل الله» فيه تفصيل و ليس حكماً عاماً, و لذلك قيل لابن عباس:

وَ مَن لَّمْ يحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئكَ هُمُ الْكَافِرُون، قال: « كفره ليس كم كفر بالله و اليوم الآخر»، و عن عطاء بن أبي رباح قال: « كفرٌ دون كفر، و فسقٌ دون فسق، و ظلمٌ دون ظلم»، و قال طاووس: « كفرٌ لا يخرج من الملة»، و معنى ذلك أن الحكم بغير ما أنزل الله يحتمل أن يكون متحضاً للكفر بأن يعتقد أن فعله هذا أفضل من حكم الله أو مساوٍ له أو أن يكون جاحداً لحكم الله، و يحتمل أن يكون الحكمُ غير متمحض؛ كأن يكون باجتهادٍ أو عن جهلٍ أون تحت إكراهٍ أو نحوه. ثم إنه لا ملازمة في الشريعة بين التكفير كشرط للإيمان و بين سلب الكافر حقوقه.

و لهذا جعل أهل السنة و الجماعة من عقيدتهم أن الحاكم لا يكفر إلا إذا صدر عنه كفرٌ بَواحٌ لا يحتمل التأويل، و أما ما يصدر عنه من أحكام فإن وافق الشرع وجب الالتزام به، و إن خالف فلا طاعة له وينكر عليه ذلك التشريع المخالف وفق قواعد الأمر و النهي في الفقه الإسلامي.

و من أظهر الأمثلة التي تَتَابع عليها منظرو العنف إسقاطُ وقائع تاريخية محددة على دول اليوم؛ لإثبات كفرها و وجوب الخروج عليها؛ لأنها تحولت إلى دار كفر أو حرب. فقد استعاد عبدالسلام فرج حادثة حكم التتار بالياسق، و استعاد أبوبكر ناجي ظهور حوادث الردة قبيل وفاة النبي لإثبات أن مجتمعاتنا في أوضواع شبيهة بها، و أنهم بحاجة إلى الإثخان و إراقة الدماء، و استعاد أبوعبدالله المهاجر نموذج الدولة العبيدية في المغرب الذي « أجمع أهل العلم يومئذ على كفرهم وردتهم، و أن تلك البلاد غَدت باستيلائهم عليها و علو كلمتهم فيها دارَ كفر و حرب؛ رغم أنهم كانوا ينتسبون لآل البيت، و الأمثلة الثلاثة تسعى لإثبات فكرة واحدة وفق منهجية واحدة هي تحريف الوقائع التاريخية و عَزلها عن سياقها.

فالتتار كانوا قوماً و ثنيين أصلا، و ارتكبوا من الجرائم و الفظائع ما جعلت ابن الأثير الجزري يتحدث فيها عن « نَعي الإسلام و المسلمين»، و وصفَ من جرائمهم أن « هؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا النساء و الرجال و الأطفال، و شقوا بطون الحوامل، و قتلوا الأجنة» إلى غير ذلك مما قال: إن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها و لا ما يدانيها، و ساق نحوَ ذلك ابنُ تيمية نفسه و قال: « اعتقاد هؤلاء التتار في جنكيز خان كان عظيماً؛ فإنهم يعتقدون أنه ابن الله من جنس يعتقده النصارى في المسيح، و قد رأى العلماء في عصرهم أن تظاهر هم بالإسلام و حكمهم بالياسق لم يغير من حقيقة الأمر شيئاً؛ لأنهم رأوا من الدلائل ما يتنافي مع ادعائهم و يدلّ على استحلالهم و كفرهم، فلايمكن المشابهة بين التتار و دولة مصر ـ في حالة « فرج» ـ إلا على سبيل التحريف و حمل كلام ابن تيمية و غيره على غير محمله.

أما العبيديون فقد حكى الإمام الذهبي أنه « قد أجمع علماء المغرب على محاربة آل عبيد؛ لِمّا شَهروه من الكفر الصُّراح الذي لا حيلة فيه، و قد رأيت في ذلك تواريخ عدة يصدّق بعضها بعضاً، و عوتب بعض العلماء في الخروج مع أبي يزيد الخارجي فقال: و كيف لا أخرج و قد سمعتُ الكفر بأذني؛ حضرتُ عقدا فيه جمع من سنّة و مشارقة, و فيهم أبو قُضاعة الداعي، فجاء رئيس، فقال كبير منهم: ذلي هنا يا سيدي ارتفع إلى جانب رسول الله ـ يعني: أبا قضاعة فما نَطَق أحد»، و قد ذكرت كتب التراجم تفاصي عديدة تحيل إلى هذا المعنى، من ذلك ما وصفه القاضي عياض بقوله: « كان أهل السنة بالقيروان أيام بني عبيد في حالة شديدة من الاهتضام و التستر، كأنهم ذمة، تجري عليهم في كثرة الأيام مِحَن شديدة. و لما أظهر بنوعبيد أمرهم و نصبوا حُسيناً الأعمى السبّاب ـ لعنه الله تعالى ـ في الأسواق للسب بأسجاع لُقَّنها، يوصل منها إلى سبّ النبي في ألفاظ حفظها، كقوله ـ لعنه الله ـ : العنوا الغار و ما وعى، و الكساءَ و ما حوى، و غير ذلك. عُلّقت رؤووس الأكباش و الحُمُر على أبواب الحوانيت، عليها قراطيس معلّقة مكتوبٌ فيها أسماء الصحابة، اشتد الأمر على أهل السنة، فمن تكلم أو تحرك قُتل و مُثِّل به، أي أن حال الدولة العبيدية مفارقٌ ـ في كليته ـ لحال الدول المعاصرة، و هو ما يجعل من أي مشابهة تحريفاً للوقائع.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد