ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 7 يونيو 2019 زيارة: 40

دفع الهوى عن فهم (الرحمن على العرش استوى)

(غير مصنفة)
تأليف: أبي الفضل أحمد بن منصور قرطام الحسيني المالكي

الحمد لله الذي جعل العلم منارة والصلاة والسلام على أفضل من أتقن العبارة وعلى آله الذين تميزوا بفهم العلوم إشارة كانت أم عبارة وعلى كل من سلك السبيل وزاده إنارة.

أما بعد، فهذه رسالة يسيرة تنشرح لها السريرة سميتها “دفع الهوى عن فهم (الرحمن على العرش استوى)“.

 اعلم أن الإيمان بالعرش واجب، وهو أعظم مخلوقات الله تعالى، لا نعلم حقيقته، وليس هو على صورة معينة كما يتوهم المشبهة الذين يتخيلون أن الله تعالى جالس عليه – تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا – والعرش في اللغة لو عدة معاني كما قال الراغب الأصبهاني في المفردات، والزبيدي في شرح القاموس، والرازي في مختار الصحاح وقال آخرون من معانيه السقف قال تعالى: (وهي خاوية على عروشها) [البقرة: من الآية 259] وقال (ومن الشجر ومما يعرشون) [النحل: من الآية 68] والعرش الهودج للمرأة والعرش مجلس السلطان اعتبارا بعلوه قال تعالى: (ورفع أبويه على العرش) [يوسف من الآية 100] والعرش سرير الملك قال تعالى: (ولها عرش عظيم) [النمل: من الآية 23] وقال: (أهكذا عرشك) [النمل: من الآية 42] والعرش العز والسلطان والملك قال العرب: فلان ثل عرشه أي ذهب ملكه قال زهير:

تداركتما الأحلاف قد ثل … وذبيان إذ زلت بأحلامها النعل

والعرش رئيس القوم المدبر لأمرهم وبه فسر قول الخنساء:

كان أبو حسان عرش حوى … مما بناه الدهر دان ظليل

أي كان يظلنا برأيه، وللعرش معاني كثيرة يصعب حصرها في هذه العجالة ومن أرادها فعليه بالمطولات من كتب اللغة وفي حديث بدء الوحي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): “رأى جبريل عليه السلام سادا بين الأفقين فقال: فرفعت رأسي فإذا هو قاعد على العرش في الهواء” [رواه مسلم]، أما معنى العرش بالنسبة لله فهو مما لا نعلم معناه على الحقيقة إلا بالاسم وليس كما تذهب إليه أوهام العامة فإنه لو كان كما يتوهمه كثير من الناس لكان حاملا لا محمولا تعالى الله عما يقول الجاهلون علوا كبيرا، والله تعالى يقول: (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده) [فاطر: من الآية 41]، ويقول: (وسع كرسية السماوات والأرض) [البقرة: من الآية 255] وفي حديث أبي ذر الطويل الذي أخرجه الحافظ ابن جرير في تفسيره والبيهقي في الأسماء والصفات وسعيد بن منصور في التفسير وابن حبان في صحيحه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: “يا أبا ذر ما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة” وعند البخاري (وكان عرشه على الماء) فيه تنبيه بأن العرش لم يزل منذ وجد مستعليا على الماء ومعنى قوله تعالى: (ذو العرش المجيد) [البروج: 15] وقوله تعالى: (رفيع الدرجات ذو العرش) [غافر من الآية 15] كناية عن ملكه وسلطانه لا مقره وقراره – تعالى الله عما يقول الجاهلون علوا كبيرا – فالحاصل أن نصوص الكتاب والسنة واردة بذكر العرش وإثباته فالإيمان بوجوده واجب وأنه مخلوق عظيم لا يعلم حقيقته بشر جعله الله سقفا للمخلوقات وتعبد بعضهم بحمله قال تعالى: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) [الحاقة: من الآية 17] مع وجوب الاعتقاد أن العرش محمول بلطف الله كبقية المخلوقات صغيرة كانت أو كبيرة فهي بالنسبة للخالق سواء لا يعجزه عنها شيء مستغن عنها جميعا ليس كما قالت اليهود بأنه سبحانه بعد خلق السموات والأرض تعب واستلقى على العرش فإنهم يتصورون أن الله سبحانه جسم وأنه يجلس على سرير وكرسي سبحانه ما أحلمه عليهم حين لم يخسف بهم بل أخرهم إلى أجل معلوم وعقاب محتوم وهو القائل: (ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب) [ق: 38]، وأما ما يتوهمه بعض الناس في فهم قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) [طه: 5] بمعنى جلس أو استوى استواء يليق بجلاله ويقولون بالكيف وما سوى ذلك من تفسيرات منشأها الهوى والجهل بكيفية التعامل مع النصوص واعتقاد باطل لا يليق بالذات الموصوفة بكل كمال يليق بها المنزهة عن كل نقص في حقها، فإن الذي جر عليه العمل عند علماء أهل السنة والجماعة من حنفية ومالكية وشافعية وحنابلة المتمثلين بالأشاعرة والماتريدية كما هو مشاهد ومنصوص عليه في كتب الاعتقاد لديهم أن القرآن فيه متشابه ومحكم وأن السنة كذلك، وكله له شواهد في لغة العرب التي هي لغة القرآن، ولأن ذلك كله من عند الله فلا يتناقض ولا يأتيو الباطل ولا يأتيه الباطل ولا يعتريه شك إلا عند الذين في قلوبهم مرض، وقد نبه الحق سبحانه وتعالى إلى هذا الصنف من الناس بقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) [آل عمران: 7] وقد قسم علماء الأصول القرآن والسنة إلى محكم ومتشابه وعرفوا المحكم بقولهم هو الذي لا يقبل إلا معنى واحد بحسب اللغة العربية وسموه النص أي ما كان صريح اللفظ صريح المعنى مثل قوله تعالى: (ليس كمثله شيء) [الشورى: من الآية 11] وقوله: (هل تعلم سميا) [مريم: الآية 65] وقوله: (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) [الإخلاص 1-4] أما المتشابه فهو الذي يقبل أكثر من معنى بحسب وضع اللغة العربية وسموه الظاىر أي ما كان ظاهر اللفظ يشترك بالمعنى ولكن حقيقة اللفظ تدل على معنى آخر بقرينة، والقرائن كثيرة عقلية ولغوية وقد أحاط بها علماء أصول الفقه فانظرها، ومثالها: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) [البقرة: من الآية 185] فكلمة الشهر حسب الظاهر تفيد ثلاثين يوما ولكن حسب ما فهم من المعنى أنه اليوم الأول من الشهر وليس كل الشهر وذلك حسب ما دلت عليه القرينة العقلية وقوله: (كتب عليكم الصيام) [البقرة من الآية 183] فكلمة الصيام حسب الظاهر من اللغة العربية مطلق الإمساك عن كل شيء، ولكن حسب ما فهم من المعنى أنه الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من الفجر الصادق إلى تحقق غروب كامل قرص الشمس في الأفق وذلك حسب ما دلت عليه القرينة الشرعية، وهكذا العمل في كل ما كان من قبيل الظاهر في الكتاب والسنة، ولأجل هذا قام العلماء بوضع القواعد والتي منها: إذا تعارض المتشابه مع المحكم فيحمل المتشابه على المحكم لأجل عدم الوقوع في المحظور، كما هو مشاهد على غالب الناس اليوم ويحسبون أنهم يحسنون صنعا ، ومن المتشابه ما نحن فيه من فهم هذه الآية الكريمة التي تقول: (الرحمن على العرش استوى) [طه: 5]، فهي بحسب اللغة العربية لها عدة معاني منها استوى بمعنى التساوي قال بعض بني تميم: “فاستوى ظالم العشيرة والمظلوم أي اعتدلا”، ومنها تمام الشيء قال تعالى: (ولما بلغ أشده واستوى) [القصص: من الآية 14] أي تم ومنها القصد إلى الشيء قال تعالى: (ثم استوى إلى السماء) [فصلت: من الآية 11] أي قصد خلقها ومنها الاستقرار قال تعالى: (واستوت على الجودي) [هود من الآية 44] أي رست واستقرت ومنها القهر والغلبة والاستيلاء قال تعالى: (وهو القاهر فوق عباده) [الأنعام: من الآية 18] وقوله تعالى: (وإنا فوقهم قاهرون) [الأعراف: من الآية 127] أي السيطرة والإحكام والاستيلاء والغلبة وقول العرب:

إذا ما علونا واستوينا عليهم … جعلناهم مرعى لنسر وطائر

وقال ابن الجوزي:

إذا ما غزا قوم أباح حريمهم … وأضحى على ما ملكوه قد استوى

وقيل:

قد استوى بشر على العراق … من غير سيف ودم مهراق

وقال الراغب الأصبهاني في المفردات مادة “سوا” الاستواء متى عدي بعلى اقتضى معنى الاستيلاء كقوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) [طه: 5] وقوله: (وهو القاهر فوق عباده) [الأنعام: من الآية 18] وقوله (وإنا فوقهم قاهرون) [الأعراف: من الآية 127]، وأما حمل الآية على معنى استقر وجلس أو معنى يحتمل عدة وجوه زيادة على إضافة كملة بذاته فهذا مما لم يقل به أحد من المسلمين ولا هو ثابت لا في الكتاب ولا سنة إلا عند بعض الفرق ومنها الكرامي وهم أتباع محمد بن كرام وقد اتفق علماء الإسلام على القول بتكفيرهم كما هو ثابت في الفرق بني الفرق لأبي منصور البغدادي والتبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية من فرق الهالكين لأبي المظفر الإسفرايني وكتاب اعتقادات فرق المسلمين وفرق المشركين للرازي وغيرها من كتب أهل السنة المعتمدة في هذا المجال، فعليك بها ليطمئن قلبك مما نقول، أما من قال مروها كما جاءت فهذا كلام صريح وهو قول الإمام أحمد في بعض هذه المقامات وكذلك من قال آمنت بما جاء من عند الله على مراد الله وبما جاء من عند رسول الله على مراد رسول الله فهو مصيب أيضا وهو قول الشافعي وهو بمعنى مراد أحمد (رضي الله عنهما)، وأما من قال (الرحمن على العرش استوى) كما وصف نفسه ولا يقال له كيف والكيف عنه مرفوع فهو مصيب أيضا وىو قول مالك (رضي الله عنه) من رواية عبد الله بن وهب وكذلك من قال الاستواء معلوم والكيف غير معقول فهو أيضا لمالك من رواية يحيى بن يحيى الليثي ولا يوجد عن مالك سوى هاتين الروايتين ومن ادعى غير ذلك فعليه بالدليل، وكذلك من قال استوى بلا كيف فهو مصيب أيضا؛ لأن الله مرفوع عنه الأين والكيف، ولماذا؛ لأن الكيفية عن الله وعن صفاته منفية كما قال الخطابي، فهو تعالى: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) [الأنبياء: 23] أما من قال استوى بمعنى استولى وقهر فهذا مصيب أيضا وله ما يدل عليه من القرآن والسنة فمن القرآن ما مر معنا، وكذلك من السنة حديث أبي ذر الذي رواه غير واحد وقد مر آنفا، وكذلك ما رواه أبو منصور البغدادي بسنده المتصل إلى سيدنا علي بن أبي طالب إمام التوحيد ومصباح التفريد عليه السلام أنه قال: “إن الله خلق العرش إظهارا لقدرته ولم يتخذه مكانا لذاته” ويؤيد قول سيدنا علي عليه السلام ما جاء في قوله تعالى: (هو الأول والآخر) [الحديد من الآية 3] وكذلك ما رواه مسلم في صحيحه أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول: “اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء”.

قال الإمام البيهقي في كتابه (الأسماء والصفات): “استدل بعض أصحابنا بهذا الحديث على نفي المكان عن الله تعالى”، ثُم قال: “فإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان”، وقال الإمام البغدادي في الفرق بين الفرق: “وأجمعوا على أنه لا يَحويه مكان ولا يجري عليه زمان”، وهو قول كل علماء الأصول عند أهل السنة ونقل عنهم غير واحد من الذين ألفوا كتب العقائد مثل ابن فورك، والباقلاني في الإنصاف، وإمام الحرمين في العقيدة النظامية، وابن عساكر في رسالته، والبغدادي في الفرق بين الفرق، والإسفرايني في التبصير، والغزالي في الاقتصاد، وأبو حنيفة في الفقه الأكبر، والطحاوي في العقيدة الطحاوية، والنسفي في العقيدة النسفية، والتفتازاني في المقاصد، وابن مكي في العقيدة الصلاحية، والسنوسي في العقيدة الصغرى والوسطى والكبرى، واللقاني في الجوهرة، وأحمد الدردير في الخريدة، وأبو عبد الله محمد العربي الفاسي في مراصد المعتمد في مقاصد المعتقد، وأبو العباس أحمد المقري المغربي في إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة وغيرهم كثير، ولكن التنصيص على هذه الكتب بعينها؛ لأنّا معلومة معتمدة في جامعات الإسلام القديمة والحديثة كالزيتونة بتونس والقرويين بفاس والأزهر بمصر والنظامية ببغداد والأمويين والفتح بدمشق والفلاح بمكة وغيرها من أماكن التعليم القديمة والحديثة.

وقال ابن مكي في متنه (حدائق الفصول):

وصانع العالم لا يحويه … قطر تعالى الله عن تشبيه

قد كان موجودا ولا مكان … وحكمه الآن على ما كانا

سبحانه جل عن المكان … وعز عن تغير الزمان

فقد غلا وزاد في الغلو … من خصه بجهة العلو

وما أجمل قول من قال: “لا العرش يحمله ولا الكرسي يسنده بل العرش وحملته والكرسي وعظمته الكل محمول بلطف إرادته” والله ورسوله أعلم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين

حرره خادم العلم الشريف أبو الفضل أحمد بن منصور قرطام الحسيني المالكي الفلسطيني كان الله له ولوالديه ولكل من كان له فضل عليه بمنه وكرمه آمين آمين آمين.

إعداد: قسم البحوث والدراسات واحة آل البيت لإحياء التراث والعلوم

11 شوال 1428 هجري الموافق 22 أكتوبر 2007 رومي

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد