ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 24 أكتوبر 2017 زيارة: 24

رد استدلال الوهابية على تحريمهم السفر لزيارة الأموات وبيان الحكم فيه

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: سعادة الدارين في الرد على الفرقتين الوهابية ومقلدة الظاهرية، ج1، ص 147-154
تأليف: إبراهيم السمنودي العطار

وأما استدلال أولئك المحرومين من بركة زيارته (صلى الله عليه وسلم) على تحريم السفر لزيارة الأموات أيا كانت بقوله (صلى الله عليه وسلم): لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد الخ.

فقد أخطئوا في تمسكهم به لمدعاهم الباطل خطأ فاحشا وذلك لأنهم من عدم اعتقادهم قد فهموا من الحديث الشريف أن الحصر فيه بالنسبة للأماكن أيا كانت ولغيرها كالزيارة حتى يكون مخصصا لما يرد عليهم من عموم الأمر بالزيارة الشاملة للسفر في الأدلة المتقدمة فيكون معناه حينئذ على زعمهم لا تشد الرحال إلى شيء أصلا إلا إلى ثلاثة مساجد الخ.

وليس الحال كما فهموا لأن الاستثناء فيه مفرغ كما لا يخفى. والحصر إنما هو بالنسبة للمساجد فقط لما يأتي موضحا والمعنى حينئذ لا تشد الرحال إلى مسجد تعبدا ولأجل تعظيمه وابتغاء التقرب إلى الله تعالى بالصلاة فيه إلا إلى المساجد الثلاثة فإنها هي التي تشد الرحال إليها لذلك بقرينة التعبير بالمساجد فإن لفظها مشعر بالصلاة.

وهذا التقدير لابد منه عند كل أحد لأمور: منها ما تقرر سابقا من أن مشروعية الزيارة والسفر إليها محل إجماع ممن يعتد به بلا نزاع ومنها أن الاستثناء عليه يكون متصلا على الأصل فيه، فإنك إذا قلت ما رأيت لا زيدا. كان تقديره ما رأيت رجلا واحدا إلا زيدا لا ما رأيت شيئا أو حيوانا إلا زيد كما هو قاعدة الاستثناء من أنه يكون من جنس المستثنى منه.

ومنها أنه لو لم يكن تقدير الحديث ما علمت لاقتضى منع شد الرحال للحج والجهاد والهجرة من دار الكفر ولطب العلم وتجارة الدنيا وغير هذه الأشياء.

ولا يقول بذلك أي لمنع أحد منها أنه قد جاء التصريح بذلك المقدر في حديث مرفوع سنده حسن عند الإمام أحمد وأبي يعلى وابن خزيمة والطبراني والضياء وهو قوله (صلى الله عليه وسلم): “لا تشد رحال المطي إلى مسجد يذكر الله فيه إلا إلى ثلاثة مساجد … الخ”.

وفي رواية عند ابن أبي شيبة والإمام أحمد أيضا بالسند المذكور “لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا”.

فهذان الحديثان يدلان دلالة قوية بل يعينان تأويل ذلك الحديث بما ذكرناه.

قال العلامة المحقق في الجوهر بعد أن استدل على تأويل الحديث المذكور ببعض ما تقدم ما لفظه على أن في شد الرحال لغير هذه الثلاثة من بقية المساجد مذاهب.

قال الشيخ أبو محمد الجويني: يمنع. وربما قال: يكره. وربما قال: يحرم.

قال الشيخ أبو علي: لا يحرم ولا يكره وإنما المراد حصر القربة في الشد لتلك الثلاثة وغيرها لا قربة ولا فضيلة في الشد إليها وهذا هو المعتمد عندنا بل هو الصواب.

ومن ثم غلظ النووي وغيره الشيخ أبا محمد فيما مر عنه، ويحث السبكي أنه إن قصد بذلك التعظيم فالحق الأول وإلا فالحق الثاني، انتهى. وفي العلقمي على الجامع الصغير.

قال شيخنا: قوله لا تشد الرحال … الخ. قيل: هو نفي بمعنى النهي.

وقيل لمجرد الإخبار لا نهي. قال النووي: معناه لا فضيلة في شد الرحال إلى مسجد غير هذه الثلاثة. ونقله عن جمهور العلماء وقال العراقي: ومن أحسن محامل الحديث أن المراد منه حكم المساجد فقط، وإنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد غير هذه الثلاثة إي لكونها أبنية الأنبياء.

وأما قصد غير المساجد من الرحلة في طلب العلم وزيارة الصالحين والإخوان والتجارة والتنزه ونحو ذلك فليس داخلا فيه وقد ورد ذلك مصرحا به في رواية أحمد.

ولفظه “لا ينبغي للمصلي أن يشد رحاله إلى مسجد يبغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا”.

وقال الشيخ تقي الدين السبكي: ليس في الأرض بقعة لها فضل لذاتها حتى تشد الرحال إليها لذلك الفضل غير البلاد الثلاثة.

قال: ومرادي بالفضل ما يشهد الشرع باعتباره ورتب عليه حكما شرعيا، وأما غيرها من البلاد فلا تشد إليها لذاتها بل لزيارة أو جهاد أو علم أو نحو ذلك من المندوبات أو المباحات.

وقد التبس ذلك على بعضهم، فزعم أن شد الرحال إلى الزيارة لمن في غير تلك البلاد الثلاثة داخل في المنع وهو خطأ لأن الاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه. فمعنى الحديث لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد أو إلى مكان من الأمكنة لأجل ذلك المكان إلا إلى الثلاثة المذكورة وشد الرحال إلى زيارة أو طلب علم ليس إلى المكان بل إلى من في ذلك المكان، انتهى.

قلت: ولا يشكل مع الحديث المذكور أنه يستحب استحبابا متأكدا أن يأتي الشخص مسجد قباء بضم القاف ممدودا ومقصورا مصروفا على أنه اسم للموضع وممنوع الصرف على أنه اسم للبقعة.

ناويا الشخص بالذهاب إليه التقرب إلى الله تعالى بزيارته والصلاة فيه للحديث الصحيح “صلاة ركعتين في مسجد قباء كعمرة” رواه الطبراني والترمذي وغيرهما.

وأخرج الشيخان أنه (صلى الله عليه وسلم) كان يأتي مسجد قباء راكبا وماشيا كل سبت فيصلي فيه ركعتين ويقال له مسجد الفتح وبينه وبين المدينة الشريفة ميلان أو ثلاثة وثبت أن عمر (رضي الله تعالى عنه) كان يأتيه في كل اثنين وخمسين.

وقال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه ينقلون حجارته على بطونهم فلو كان في طرف الأرض لضربنا إليه أكباد الإبل.

وروى عن سعد ابن أبي وقاص (رضي الله تعالى عنه) أنه قال: لأن أصلي ركعتين فيه أحب إلي من أن آتي بيت المقدس مرتين.

أخرجه ابن أبي شيبه بسند صحيح، وكذا الحاكم وقال: إسناده صحيح على شرط الشيخين.

قال العلامة علي القارئ فتستحب زيارته مطلقا ويوم السبت أفضل لما ثبت من إتيان النبي (صلى الله عليه وسلم) له يوم الاثنين أيضا وصبيحة عشرة من رمضان وإتيان عمر (رضي الله تعالى عنه) يوم الاثنين والخميس، انتهى.

لأن الظاهر عندي إن شاء الله تعالى مشروعية شد الرحال له أيضا جمعا بين الأدلة وبعد عما تكلفوه مما يأتي قريبا وقد كان كثيرا ما يتردد ذلك في ذهني من غير جزم به حتى رأيت العلامة المحقق نقل في الجواهر أن بعض العلماء أي وهو محمد ابن مسلمة المالكي قد قال بما ذكرت.

وبصحة نذر الصلاة فيه أيضا أخذا من الحديثين المتقدمين في شأنه قال: ولعل عدم ذكره مع المساجد الثلاثة في حديث لا تشد الرحال اكتفاء بما خصه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من الحث عليه على أنه مسجده أيضا وشد الرحل إنما هو فيمن يأتي من بعد عادة.

ومن جاء كذلك لا يقصد عادة مسجد قباء ويترك مسجد المدينة الأفضل منه بلا خلاف، فلذا اقتصر عليه في الحديث الشريف كما أن قوله (صلى الله عليه وسلم): “في المسجد الذي أسس على التقوى” كما في صحيح مسلم وغيره “هو مسجدكم هذا” يشير (صلى الله عليه وسلم) إلى مسجد المدينة لا ينفي ذلك من مسجد قباء.

فإن كلا منهما مما أسسه (صلى الله عليه وسلم) على التقوى أي الإخلاص في (رضي الله تعالى عنه)، لأن تأسيس مسجد قباء كان في ابتداء دخوله دار الهجرة ثم لما انتقل منه أسس الآخر ولا يقال أن الأولية في الآية الشريفة ظاهرة في هذا لأنها تشمل الحقيقة والنسبية باعتبار ما بنى بعد الهجرة ومسجد مكة فتشمل مسجد قباء ومسجد المدينة، والمراد إنما هو إخراج مسجد الضرار ولا ينافيه ما بعده في الآية.

لأنه أثنى على أهل المسجدين بزيادة الطهارة وإنما فسره (صلى الله عليه وسلم) بمسجده لأجل قوله تعالى: (أحق أن تقوم فيه) لأنه إنما كان أكثر قيامه به فلو فسر بمسجد قباء لكان (صلى الله عليه وسلم) تاركا للحق وحاشاه من ذلك.

ففسره بما يدل على دخوله مع مسجد قباء في الحكم ونص على ما خرج عن منطوقه لأنه هو المحتاج للبيان فاعرفه فإنه دقيق جدا كذا حرره في نسيم الرياض.

قال العلامة القارئ: ولا يلزم من كون الصلاة في مسجد باء عند سعد بن أبي وقاص أن يكون أفضل مطلقا لاحتمال أن يكون وجه الأحبية غير جهة الأفضلية لعله كانت موجبة لتلك القضية.

ويحمل على هذا إتيانه (صلى الله عليه وسلم) إليه وكذا إتيان عمر (رضي الله تعالى عنه) مع أن الصلاة بمسجد المدينة أفضل منها في مسجد قباء إجماعا انتهى.

وقال السيد مرتضى في شرح الإحياء: وفي الأحاديث المذكورة في مسجد قباء دليل على أفضلية واستحباب زيارته في يوم السبت.

وقد كره ابن مسلمة من أصحاب مالك ذلك مخافة أن يتخذ سنة من ذلك اليوم ولعله لم يبلغه الحديث وفيه دليل على جواز تخصيص بعض الأيام ببعض القربات أو بزيارة الإخوان أو افتقاد بعض أمورهم وبجعله يوم راحة من أشغال العامة وإحجام نفسه سبتا كان أو غيره ما لم يتمالا الناس كلهم على يوم واحد ويظنه الجهال سنة، وهذا الذي كرهه ابن مسلمة، انتهى.

وقال العلامة المحقق في الجوهر: ويحتمل أن المراد من الحديث المذكور “لا تشد الرحال إلى مسجد لابتغاء مضاعفة الصلاة فيه إلا إلى المسجد الثلاثة” فلا ينفي ذلك شد الرحل لمسجد آخر له فضيلة غير المضاعفة كمسجد قباء بدليل الحث الوارد فيه كما علمته.

قال السبكي: وهذا كله في قصده المكان لعينه أو قصد عبادة فيه تمكن في غيره أي مع قصد تعظيمه بها، أما قصده بغير نذر لغرض فيه كالزيارة لولي مثلا وشبهها.

فلا يقول أحد فيه بتحريم ولا كراهة على أن السفر بقصد زيارته (صلى الله عليه وسلم) غايته مسجد المدينة.

لأن الزيارة إنما تكون فيه لمجاورته القبر الشريف وغرض الزائر التبرك بالحلول في ذلك المحل والتسليم على من بذلك القبر الشريف وتعظيم من فيه كما لو سافر إليه (صلى الله عليه وسلم) قبل وفاته روحي له الفداء وليس بالقصد تعظيم بقعة القبر بعينها.

والحاصل أن النهي عن السفر مشروط بأمرين:

أحدهما: أن تكون غايته غير المساجد الثلاثة لا لقربة فيها كاشتغال بعلم أو زيارة قريب.

ثانيهما: أن تكون علته تعظيم البقعة والسفر لزيارته (صلى الله عليه وسلم) خارج عن ذلك قطعا لأن غايته أحد المساجد الثلاثة وعلته تعظيم ساكن البقعة الشريفة (صلى الله عليه وسلم) لا نفس البقعة.

فالسفر المطلوب نوعان:

أحدهما: ما غايته أحد المساجد الثلاثة.

وثانيهما: ما يكون لعبادة وإن كان إلى غيرها. والسفر لزيارته (صلى الله عليه وسلم) اجتمع فيه الأمران، فهو في أعلى درجات الطلب وأفضلها وأكملها.

وإنما قلنا أي مع قصد تعظيمه بها حتى لا ينافي ذلك من السبكي قوله بعده كما في شرح مسلم.

اختلف العلماء في شد الرحل لغير الثلاثة كالذهاب لقبور الصالحين والمواضع الفاضلة، فذهب الشيخ أبو محمد إلى حرمته، وأشار عياض إلى اختياره، والصحيح عند أصحابنا أنه لا يحرم ولا يكره.

قالوا: والمراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال إلى هذه الثلاثة خاصة، انتهى.

ووقع فيه خلل بتمثيله له بما ذكر المقتضي لكون أبي محمد يقول بحرمته، والذي قاله في شرح مسلم في غير هذا الموضع.

وفي شرح المهذب وغيره وسبقه إليه الرافعي: أن فرض المسألة في قصد المساجد كما قررناه آنفا. فيحمل كلام أبي محمد عليه، انتهى.

قلت: وعبارة النووي في شرح مسلم في باب فضل المسجد الثلاثة صورتها: وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد الثلاثة وفضيلة شد الرحال إليها.

لأن معناه عند الجمهور العلماء لا فضيلة في شد الرحال إلى مسجد غيرها. وقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا: يحرم شد الرحال إلى غيرها وهو غلط، انتهت. فانظر كيف حكم على الشيخ أبي محمد بالغلط في قوله المذكور.

 

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد