ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 26 مارس 2018 زيارة: 131

رد شبهة أخرى من شبه المانعين للتوسل

(غير مصنفة)
مقبس من كتاب: سعادة الدارين ج1، ص240-246
تأليف: إبراهيم السمنودي العطار

وأما شبهة المنكرين الرابعة فجوابها أن المؤمنين ما اتخذوا الأنبياء والصالحين آلهة قط ولا جعلوهم شرکاء لله تعالى في شئ أبدا كيف وهم يقولون بألسنتهم معتقدين بقلوبهم لا إله إلا الله وحده لا شريك له وفي الحديث المعروف: “يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا صياما ولا حجا ولا عمرة إلا الشيخ الكبير والعجوزة الكبيرة يقولون أدركنا آباءنا يقولون لا إله إلا الله”.

فقيل لحذيفة (رضي الله تعالى عنه) ما تغني عنهم لا إله إلا الله قال لننجيهم من الناس تنجيهم من النار تنجيهم من النار انتهی.

فعقيدة المؤمنين في الأنبياء والصالحين أنهم عبيد مخلوقون لله تعالى ولا يعتقدون فيهم ألوهية ولا استحقاقهم العبادة بوجه من الوجوه أصلا ولا يفعلوها لهم أبدا كيف وهم عالمون على اليقين بأن العبادة لا تكون إلا لله وحده.

وأما المشركون الذين نزلت فيهم الآيات القرآنية فكانوا يعتقدون استحقاق أصنامهم الألوهية والعبادة ويفعلوها لهم ويعظموها تعظيم الربوبية وإن كانوا يعتقدون أنها لا لتخلق شيئا كما ينادي على ذلك ذكر العبادة في تلك الآيات وليس منها النداء للأموات كما يزعمه الأغبياء.

وسيتضح ذلك ورد ما زعموه فلم يكن مجرد قول المشركين (هؤلاء شفعاؤنا عند الله) مفكرا لهم كما ظنه الجاهلون بل إنما جاءهم الكفر من عبادتهم لهم واعتقادهم فيهم أنهم أربابا من دون الله تعالى كما صرحت به الآيات.

وأما المؤمنون فليسوا بفضل الله تعالى كذلك بل يعتقدون أن الأنبياء والصالحين عباد الله وأحباؤه اصطفاهم فاعتقاد المسلمين أن الخالق النافع الضار المستحق للعبادة هو الله تعالى وحده ولا يعتقدون التأثير واستحقاق شئ من العبادة لأحد سواه. تعالى كما قدمناه مفصلا ويعتقدون أن الأنبياء والصالحين لا يخلقون شيئا ولا يملكون ضرا ولا نفعا وإنما يرحم الله تعالى العباد ببركتهم.

فاعتقاد المشركين استحقاق أصنامهم الألوهية أن العبادة وفعلهم إياها لهم هو الذي أوقعهم في الشرك لا مجرد قولهم (هولاء شفعاؤنا عند الله) ونحوه لأنهم لما أقيمت عليهم الحجة بأن الأصنام لا تستحق العبادة.

قالوا ما ذكر معتذرين عن اعتقادهم المذكور فكيف يجوز للوهابيين أن يجعلوا المؤمنين الموحدين مثل أولئك المشركين الذين يعتقدون ألوهية الأصنام أو استحقاقها العبادة لتشفع لهم أو تقربهم إلى الله تعالى (قاتلهم الله أن يؤفكون).

قال في العناية أن مشركي العرب كانوا يوحدون الله تعالى في التخليق فقط أي يخصون الحالية به وإنما أشركوا الأصنام معه في العبادة فلذا أمروا بالعبادة للواحد الأحد لا غير انتهى.

ومن قاس الأنبياء والصالحين المتوسل بهم إلى الله تعالى بالأصنام والمسلمين المستمدين منهم بعبدة الأوثان فهو أقبح حالا من المشركين وأسوأ وأضل سبيلا.

وقال العلامة الشيخ داود في كتابه صلح الإخوان أن دعوی الخوارج المفكرة للمسلمين في توسلهم بالأنبياء والصالحين وندائهم لهم أنهم قد شابهوا المشركين في اتخاذهم الأصنام مقربة لهم إلى الله تعالى: (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم) [سورة الزمر آية رقم 3].

الآية انتهت دعوی ساقطة لا ينخدع لها إلا صقيع العقل عادم العلم من جهات متعددة. ومنها أن الكفار قالوا نعبدهم ومعلوم أن العبادة لغير الله لا تجوز بل يكفر فاعلها ولو كان لنبي مرسل أو ملك مقرب وأما التوسل بالأنبياء والصالحين ونداؤهم فليس من العبادة عند جميع المسلمين لا لغة ولا شرعا ولا عرفا.

ومنها أن الكفار جعلوا الأصنام هي المقربة لهم (إلى الله زلفى) ولا شك إن الله تعالى لم يأمر بذلك وأما المسلمون فقد تقربوا إلى الله تعالى بمن أمره الله تعالى أن يكون مقربا الناس إليه تعالى كالأنبياء.

إذ لا يشك أحد في أنهم قربوا الناس (إلى الله زلفى) وقد نسب الله تعالى التقريب زلفى لكل مؤمن فقال تعالى: (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ) [سورة سبأ آية رقم 37]

فظاهر الآية أن من آمن يقرب إلى الله زلفى. وروى اللالكائي في السنة وأحمد في الزهد أن يزيد بن السود التابعي لما استسقى به الضحاك بين قيس في القحط قال اللهم إن عبادك تقربوا بي إليك فاسقهم فسقوا ووقع مثل ذلك المعاوية مع أبي مسلم الخولاني (رضی الله تعالى عنهم).

ومنها أن الكفار اتخذوا الأصنام أولياء من دون الله كما في الآية ومعلوم أن اتخاذ ولي من دون الله تعالى لا يجوز. وأما اتخاذ من أمر الله به فواجب قال تعالى (والمؤمنون بعضهم أولياء بعض) [سورة التوبة آية رقم 71].

وقال جل شأنه (إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا) [سورة المائدة آية رقم 55].

إلى غير ذلك من الآيات وقد علمنا النبي (صلى الله عليه وسلم) العبادة ولم يقل أحد أن النداء والتوسل بالصالحين عبادة ولا أخبرنا الرسول (صلى الله عليه وسلم) بذلك انتهى.

فجميع الآيات النازلة في المشركين خاصة بهم وذكر العبادة فيها والاتخاذ أربابا من دون الله تعالى بالمعاملة بما يعامل به الرب سبحانه وتعالى صريح في ذلك ولا يدخل فيها أحد من المؤمنين معاذ الله تعالى لأنهم لا يعتقدون ألوهية غير الله تعالى ولا استحقاق العبادة لغيره ولم تقع منهم.

وكل من يقول بدخولهم في عمومها فهو ملحد في الدين مارق منه بيقين كما هو صريح الأحاديث المتقدمة سيما حديث البخاري عن عبد الله بن عمر (رضی الله تعالى عنهما) حيث قال في وصف الخوارج أهم انطلقوا إلى آيات من كتاب الله تعالى نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين.

وفي رواية أخرى عن ابن عمر أيضا عند غير البخاري أنه (صلى الله عليه وسلم) قال: “أخوف ما أخاف على أمتي رجل متأول للقرآن يضعه في غير موضعه”. فإن هذا صادق على الوهابية ومن شاكلهم.

ولو كان شئ مما صنعه المؤمنون من التوسل وغيره شركا ما كان يصدر من النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه وسلف الأمة وخلفها ولا من الأنبياء والصالحين فإنهم جميعهم كانوا يتوسلون كما سبق مفصلا.

(تنبيه) إياك ثم إياك أن تغتر بما وقع للإمام فخر الدين الرازي في تفسيره عند قوله تعالى (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) [سورة يونس آية رقم 18].

وذلك أنه قال ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فأنهم يكونون شفعاء لهم عند الله تعالى، انتهى. فإن العلامة الفقيه الشيخ محمد الخطيب الشربين قد رده في تفسيره بقوله عقبه. ولكن تعظيمهم هؤلاء ليس كتعظيم الكفار، انتهى.

أي حتى يقتضي ذلك شركا معاذا لله، لأن تعظيم الكفار لقبور الأكابر إنما هو بالعكوف عليها وتصوير الصور فيها وعبادتها و اعتقاد أنها تعظم كما يعظم الله تعالى وإن ذلك يرضى الله تعالى عنهم برؤيتهم أنفسهم غير أهل الإخلاص العبادة لله تعالى وبعض هذا كفر بلا شك و كله قد حذرت منه شرائع الأنبياء والرسل عليه الصلاة والسلام كما بيناه في مبحث الزيارة.

وأما تعظيم المسلمين من الخلق لقبور الأكابر فإنما هو بالتبرك بمن فيها والتشفع والتوسل به إلى الله تعالى لكونهم أقرب إليه تعالى من المتوسل بهم فینال الشخص ببركة ذلك من القرب إليه تعالى ما لا يحصل له لو لم يستمده بواسطة تلك الأحباب، إذ من عادة الكبراء الظفر منهم بالوسائط المقربة عندهم لما لم يظفروا به منهم عند عدم الوساطة مع ما في ذلك من الأشعار بالذلة وأن الشخص المتوسل لعظم جنايته يحتاج في قضاء مطلوبة إلى الشافعين فيه حتى يقبله الله تعالى ويقبل عليه ويجيبه لما طلبه منه كما أجمع عليه أهل الظاهر والباطن رضي الله تعالى عن الجميع هذا.

وأما ما نقله في الإقناع من كتب الحنابلة واستدل به الوهابية عن ابن تيمية أنه قال: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم. ويتوكل عليهم کفر إجماعا وزعموا أن ترسل أهل السنة والجماعة بالأنبياء والصالحين من هذا القبيل فهو كلام ساقط بالمرة لا يلتفت إليه ولا يعول عليه.

إذ ليس دليلا شرعيا ولا يشهد له شئ من أدلة الشريعة بل هو مردود بما في حديث الأعمى وحكاية العتبي وطلب خازن عمر الاستسقاء من النبي (صلى الله عليه وسلم).

بعد موته وسؤال كل من سواد بن قارب ومازن ابن العضوية وأنس بن مالك الشافعة لهم عند الله تعالى من النبي (صلى الله عليه وسلم) وبما في حديث استسقاء عمر بالعباس واستسقاء معاوية والضحاك بيزيد ابن الأسود وأبي مسلم الخولاني كما مر وبأن الصحابة (رضي الله تعالى عنهم) كانوا يتوجهون إلى الله تعالى بآثاره (صلى الله عليه وسلم) ويتبركون بها في حياته وبعد مماته.

كما جاء في الأحاديث الصحيحة فيلزم أنهم اتخذوا هذه الجوامد وسائط مضرة مع أنهم جعلوها وسائط بينهم وبين الله تعالى بلا شك، إذ لم يكن كذلك ولم يرجوا بركتها لما كان هناك فائدة في اتخاذه لآثاره (صلى الله عليه وسلم) وحرصهم عليها وتقاتلهم على حصولها وبذلهم نفائس الأموال فيها ويردهم أيضا ما مر عن البقوى والخازن والميرغني في معنى قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) [سورة الإسراء آية رقم 57].

وبأنه لم يقل أحد من المسلمين ولا من الكفار بأن من دعى أو نادی أحدا حيا أو ميتة أو اعتمد عليه يكفر أصلا وقال بعض العلماء الذين ردوا على الوهابية لو فرضنا أن عبارة الإقناع كما قلتم فيها وذكرها ابن تيمية والحنابلة كلهم من أولهم إلى أخرهم ولم ينقلها أحد من بقية المذاهب ولا العلماء من غيرهم فلا يلزم أحدا الأخذ بها وترك ما ذكره بقية المذاهب في مناسكهم وغيرها من الكتب.

ولو كانت هذه العبارة المنقولة مسلمة عند جميع العلماء بهذا المعنى الذي يعنيه أولئك الخوارج وهو نداء أهل القبور والطلب منهم على وجه التوسل إلى الله تعالى لكان التزم الفقهاء وأهل العقائد ذكرها إشاعة للعلم والتحذير من الكفر مع أنه لم يذكرها أحد غير ابن تيمية المشهور حاله ولم تنقل إلا عن الإقناع.

فلا يلزم أحد بهذا القول المخالف لكافة العلماء لأنهم ذكروا في باب الزيارة لقبر النبي (صلى الله عليه وسلم) التوسل به ودعاءه وطلب الشفاعة منه جميع أهل المذاهب حتى الحنابلة.

فلو كان المراد هذا المعنى لكانوا هم كفارا وكانوا الخلق ولم يشعروا ولا قائل بذلك معاذ الله فيحتمل أن المراد بها ما يعتقده الكفار من الأرباب والآلهة وعبادهم واعتقادهم في الأصنام أنها نافعة لهم عند الله تعالى.

بقرينة عطف يسألهم على يدعوهم في تلك العبارة المفيد أنه يعبدهم من دون الله تعالى أو يعتقد استحقاقهم للعبادة كما يستحقها الإله الحق والمسلمون بريئون من ذلك والحمد لله أفاده الشيخ داود.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد