ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 11 مايو 2018 زيارة: 65

زيارة النبي (صلى الله عليه وسلم) مندوبة عند جمهور أهل العلم

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: الفقه الحنفي وأدلته فقه العبادات ص477-483.
تأليف: الشيخ أسعد محمد سعيد الصاغرجي

زيارة النبي (صلى الله عليه وسلم) مندوبة. وهو قول جمهور أهل العلم، وحجتهم قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) [النساء: 64].

ووجه الاستدلال بها أنه (صلى الله عليه وسلم) حي في قبره بعد موته، وأنه نبي ورسول حتى بعد موته.

قال الله تعالى : (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران: 169] فالأنبياء أولى بذلك لتقاصر رتبة الشهادة عن درجة النبوة، قال تعالى : (فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) [النساء: 69] فرتبة الشهادة ثالث درجة النبوة.

ولقد وردت الأخبار الصحيحة والآثار المروية بما يدل على هذه الجملة، فمن ذلك ما روی القشيري عن الصغاني عن سفيان الثوري عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن ابن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: إن لله عز وجل ملائكة سياحين في الأرض يبلغونني عن أمتي السلام. ولا يبلغ السلام إلا ويكون حيا . والصغاني ثقة، وابن مقسم صدوق، وابن السائب ثقة، وزاذان ثقة.

ومن ذلك ما روى القشيري عن إبراهيم بن محمد قال أخبرنا النسوي قال : حدثنا العلاء بن عمرو الحنفي قال حدثنا سعيد بن بشير الأزدي عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم)  قال: “من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيا منه أبلغته”.

وإبراهيم بن محمد قال الخطيب: لعله أبو زرعه الفقيه. والنسوي قال الحاكم فيه: كان شيخ العدالة والعلم. والعلاء بن عمرو قال فيه أبو حاتم الرازي: ما رأينا إلا خيرا، وسعيد بن بشير قال فيه ابن أبي حاتم: محله الصدق عندنا. وأبو صالح: وثقه ابن معين.

وروى الحسن بن قتيبة المدائني في أفراده عن المستلم بن سعيد الثقفي عن الحجاج عن الأسود عن ثابت البناني عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون”[1]، وسكت عنه الذهبي.

قال ابن عدي في الحسن: أرجو أنه لا بأس به، وقال أبو حاتم : ضعيف. والمستلم ثقة كما في تهذيب التهذيب. والحجاج روى عنه أبو حاتم، والأسود قال أبو حاتم : صدوق. وثابت البناني : ثقة بلا مدافع.

وروى مسلم عن سليمان التيمي سمعت أنسا يقول : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “مررت على موسى وهو يصلي في قبره”[2]. وهذا يؤيد حياة الأنبياء في قبورهم.

وروى أبو داود عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: “ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام»[3].

الراوي الأول : محمد بن عوف بن سفيان الطائي قال أبو حاتم : صدوق. وقال النسائي : ثقة، وقال ابن حبان في الثقات.

الثاني: عبد الله بن يزيد: قال أبو حاتم : صدوق، وقال النسائی : ثقة ، وذكره ابن حبان في الثقات.

الثالث : حيوة بن شريح. قال حرب: عن أحمد ثقة ثقة، وقال ابن معين: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات ووثقه العجلي.

الرابع : حميد بن زياد، قال أحمد: ليس به بأس. وقال ابن عدي: هو عندي صالح الحديث.

الخامس: يزيد بن عبد الله بن قسيط، قال ابن معين: صالح. وقال النسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: ليس بقوي.

والمراد بالرد أنه (صلى الله عليه وسلم) إذا سمع السلام تیقظ، ورد. لا أن روحه تقبض، ثم تنفخ وتعاد.

والرسول (صلى الله عليه وسلم) مات شهيدا لما روى البخاري عن عائشة (رضي الله عنها) قالت: كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول في مرضه الذي مات فيه : “یا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم”[4].

وروى أحمد والحاكم وصححه وأقره الذهبي عن عبد الله بن مسعود قال : لأن أحلف تسعة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قتل قتلا أحب إلي من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل. وذلك أن الله عز وجل اتخذه نبيا واتخذه شهيدا[5].

وروى أحمد والحاكم وصححه وسكت عنه الذهبي عن أم مبشر (رضي الله عنها) قالت: دخلت على رسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في وجعه الذي قبض فيه فقلت: بأبي أنت يا رسول الله ما تتهم بنفسك؟ فإني لا أتهم بابني إلا الطعام الذي أكله معك بخيير . وكان ابنها بشر بن البراء بن معرور مات قبل النبي (صلى الله عليه وسلم)، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): وأنا لا أتهم غيرها هذا أوان انقطاع أبهري”[6]. وروى الحاكم وصححه، وسكت عنه الذهبي عن الشعبي قال : والله لقد سم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وسم أبو بكر الصديق، وقتل عمر بن الخطاب، وقتل عثمان بن عفان صبرا، وقتل علي بن أبي طالب صبرا، وسم الحسن بن على وقتل الحسين بن علي صبرا (رضي الله عنهم) فما نرجو بعدهم[7]. قلت: والشهداء أحياء في قبورهم عند ربهم يرزقون. ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) حي في قبره مرزوق بنص كتاب الله العزيز: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران: 169]

ورحم الله القائل :

تواترت الدلائل والنقول                      فما يحصي المصنف ما يقول

بأن المصطفى حي طري                    هلال ليس يطرق أفول

وأن الجسم منه بقاع لحد                   کورد لا يدنسه الذبول

وأن الهاشمي بكل وصف                   جميل لا يغتره الحلول

وأن الدود لا يأتي إليه                       كذا الآفات ليس لها وصول

وروى أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي وابن حبان والحاكم وأقره الذهبي عن أوس بن أبي أوس (رضي الله عنه) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):

من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض، وفيه النفخة وفيه الصعنة فأكثروا على من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي فقالوا: یا رسول الله وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت يعني وقد بليت؟ قال : إن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء صلوات الله عليهم»[8].

وروى ابن ماجه بإسناد جيد عن أبي الدرداء (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “أكثروا علي من الصلاة كل يوم جمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدا لن يصلي علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها” قال : قلت : وبعد الموت؟ قال : “إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام”[9]. فهذان الحديثان يدلان على حياة النبي (صلى الله عليه وسلم) في قبره حياة كحياة الشهداء بل أتم والله تعالى يقول : (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران: 169]

ونقل صاحب الفتح الرباني عن الشوكاني قوله : وقد ذهب جماعة من المحققين إلى أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حي بعد وفاته وأنه يسر بطاعات أمته، وأن الأنبياء لا يبلون. مع أن مطلق الإدراك كالعلم والسماع ثابت لسائر الموتی.

وقد صح عن ابن عباس مرفوعا: «ما من أحد يمر على قبر أخيه المؤمن » وفي رواية “بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليها” وورد النص في كتاب الله في حق الشهداء أنهم أحياء يرزقون. وأن الحياة فيهم متعلقة بالجسد فكيف بالأنبياء والمرسلين[10].

قال النووي في المجموع[11] : اعلم أن زيارة قبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من أهم القربات، وأنجح المساعي فإذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة استحب لهم استحبابا مؤكدا أن يتوجهوا إلى المدينة لزيارته (صلى الله عليه وسلم)، وينوي الزائر مع الزيارة التقرب، وشد الرحل إليه والصلاة فيه …، ثم قال : ثم يأتي القبر الكريم فيستدبر القبلة ويستقبل جدار القبر، ويبعد من رأس القبر نحو أربعة أذرع، ويقف ناظرا إلى أسفل ما يستقبله من جدار القبر غاض الطرف في مقام الهيبة والإجلال فارغ القلب من علائق الدنيا مستحضرا في قلبه جلالة موقفه ومنزلة من هو بحضرته، ثم يسلم ولا يرفع صوته بل يقصد فيقول: السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين، السلام عليك يا خير الخلائق أجمعين السلام عليك وعلى آلك وأهل بيتك وأزواجك وأصحابك أجمعين. السلام عليك وعلى سائر النبيين وجميع عباد الله الصالحين جزاك الله يا رسول الله عنا أفضل ما جزى نبيا ورسولا عن أمته، وصلى عليك كلما ذكرك ذاکر وغفل عن ذكرك غافل، أفضل وأكمل ما صلی علی أحد من الخلق أجمعين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنك عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده . اللهم آته الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، وآته نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون. وإن كان قد أوصي بالسلام عليه (صلى الله عليه وسلم). قال: السلام عليك یا رسول الله من فلان بن فلان، وفلان بن فلان يسلم عليك يا رسول الله ، أو نحو هذه العبارة.

ثم يتأخر إلى صوب يمينه قدر ذراع للسلام على أبي بكر (رضي الله عنه) لأن رأسه عند منکب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيقول: السلام عليك يا أبا بكر صفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وثانيه في الغار، جزاك الله عن أمة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خيرا.

ثم يتأخر إلى صوب يمينه قدر ذراع للسلام على عمر (رضي الله عنه) ويقول: السلام عليك يا عمر الذي أعز الله به الإسلام جزاك الله عن أمة نبيه (صلى الله عليه وسلم) خيرا.

ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويتوسل به في حق نفسه ويستشفع به إلى ربه سبحانه وتعالى.

ومن أحسن ما يقول: ما حكاه الماوردي والقاضي أبو الطيب وسائر أصحابنا عن العتبی مستحسنين له قال : كنت جالسا عند قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) فجاء أعرابي فقال : السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول : (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) [النساء: 64]. وقد جئتك مستغفرا لذنبي مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول:

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه                       فطاب من طيبهن القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه                          فيه العفاف وفيه الجود والكرم

فقال : يا عتبي الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له.

فتقول بعد الآية: وقد أتيك مستغفرا من ذنوبي مستشفعا بك إلى ربي فأسالك يا رب أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته. اللهم اجعله أول الشافعين، وأنجح السائلين، وأكرم الآخرين والأولين برحمتك يا أرحم الراحمين ، ثم يدعو لوالديه، وإخوانه وللمسلمين أجمعين[12].

قال عياض : زيارة قبره (صلى الله عليه وسلم) سنة بين المسلمین مجمع عليها، وفضيلة مرغب فيها، وأجمع العلماء على استحباب زيارة القبور للرجال كما حكاه النووي. روى مسلم عن بريدة قال : قال رسول الله : “نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»[13]. وقد اختلفوا في النساء، إلا أنه للخصائص التي ميز بها قبره عليه الصلاة والسلام من حيث كونه حيا فيه فلا فرق في التسليم عليه بين الرجال والنساء بعد كمال الحشمة، وعدم الاختلاط. وبالله التوفيق.

___________________________

[1]. ميزان الاعتدال : 1/518.

[2]. صحيح مسلم 4/1845.

[3]. سنن أبي داود 2/218.

[4]. صحيح البخاري 914 .

[5]. المستدرك 3/ 59.

[6]. المستدرك 3/ 219.

[7]. المستدرك 3/ 59.

[8] . مسند أحمد بشرح البنا 6/9.

[9]. الترغيب والترهيب 2/502.

[10]. مسند أحمد بشرح البنا 6/12.

[11]. المجموع 8/ 272.

[12]. المغني 3/ 558.

[13]. صحیح مسلم 2/ 672.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد