ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 31 يوليو 2017 زيارة: 34

زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) وبقية القبور والسفر لذلك ورد شبهه الوهابية وابن تيمية ومن تبعهم

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب سعادة الدارين في الرد على الفرقتين الوهابية ومقلدة الظاهرية ج1، ص92-99.
تأليف: إبراهيم السمنودي العطار

أنكر الوهابيون تبعا لابن تيمية مشروعة زيارة قبره (صلى الله عليه وسلم) وحرموا السفر إليها وإلى زيارة بقية القبور. وقالوا: إنما يزار قبر غيره (صلى الله عليه وسلم) إذا كان قريبا فقط. وادعوا أن السفر لذلك لم يفعلها أحد من الصحابة والتابعين ولا أمر بها سيد المرسلين ولا استحسنها أحد من أئمة المسلمين.

وتوهموا أن منعهم من الزيارة أو السفر إليها إنما هو لأجل المحافظة على توحيد الباري سبحانه وتعالى وسد ذرائع المفاسد قالوا: إذ فعل ذلك واعتقاد أنه عبادة يؤدي إلى الشرك الذي كانت عليه الجاهلية. واحتجوا بقوله (صلى الله عليه وسلم) فيما رواه عبد الرزاق ومالك في الموطأ وغيرها: “اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد بعدي، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد”.

وزعموا أن جميع الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) موضوعة، وأنه لم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها قالوا: بل الإمام مالك (رضي الله تعالى عنه) الذي هو أعلم الناس بحكم هذه المسألة كره أن يقول الرجل زرت قبر النبي (صلى الله عليه وسلم): ولو كان هذا اللفظ مشروعا أو مأثورا عن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يكرهه عالم المدينة.

وتعللوا أيضا بأنه قد تمسك غير واحد من أهل البيت (رضي الله تعالى عنهم) في النهي عن الزيارة للقبر الشريف بقوله (صلى الله عليه وسلم) فيما رواه أبو داود، وسعيد بمن منصور في سننيهما، وابن أبي شيبة وغيره بسنده متصل “لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا على أينما كنتم فإن صلاتكم تبلغني” فإنه ظاهر في عدم مشروعية الزيارة واستدلوا على تحريمهم السفر لزيارة القبور أيا كانت بما رواه الشيخان وغيرهما من أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى”.

والشد للزيارة خارج عن هذه الثلاثة فيكن منهيا عنه، وأطالوا باختلاف كلام كثير باطل لا يصدر عن عاقل.

ونحن بحول الله تعالى وقوته نثبت ما أنكروه ونبين خطأهم فيما افتروا بأن نحاكمهم إلى كتاب الله المبين وسنة رسوله سيد المرسلين وما رآه المسلمون ودونه العلماء العاملون فنقول:

اعلم وفقتنا الله لما يحبه ويرضاه أن زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) والسفر إليها مشروعان مطلوبان بالكتاب والسنة وإجماع الأمة وبالقياس.

أما الكتاب فقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا)[1].

دلت هذه الآية على ثلاثة أمور.

أحدها: حثت الأمة على المجيء إليه (صلى الله عليه وسلم) والاستغفار عند واستغفاره لهم، وهذا لا ينقطع بموته (صلى الله عليه وسلم) كما سنبينه.

ثانيها: تعليق وجدانهم الله توابا رحيما بمجيئهم واستغفارهم واستغفار الرسول لهم، فأما استغفاره (صلى الله عليه وسلم) فهو حاصل لجميع المؤمنين والمؤمنات بنص قوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)[2].

وفي صحيح مسلم أن بعض الصحابة فهم من الآية ذلك المعنى الذي دلت عليه هذه الآية، فإذا وجد مجيئهم واستغفارهم فقد كملت تلك الأمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله تعالى ورحمته كما وعد سبحانه بهذا النص لأنه تعالى منزه عن خلف الميعاد فلا يشك في هذا ولا يرتاب إلا جاحد للدين معاند لله ورسوله (صلى الله عليه وسلم). نعوذ بالله من الحرمان.

وقد دلت الأحاديث الآتية على أن استغفاره (صلى الله عليه وسلم) لأمته لا يتقيد لحال حياته بل جاء التصريح باستغفاره (صلى الله عليه وسلم) لأمته بعد وفاته في الحديث المشهور الذي رواه أبو منصور البغدادي وابن سعد في طبقاته وغيرهما برجال ثقات عن ابن مسعود (رضي الله تعالى عنه) مرفوعا، ورواه البزار كذلك بسند رجاله رجال الصحيح، وتلقته الأئمة بالقبول وهو قوله (صلى الله عليه وسلم): “حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، فإذا أنا مت كانت وفاتي خيرا لكم تعرض على أعمالكم، فإن رأيت خيرا حمدت الله تعالى، وإن رأيت غير ذلك استغفرت لكم”.

وروى ابن المبارك عن سعيد بن المسيب (رضي الله تعالى عنهما) قال: ليس من يوم إلا وتعرض على النبي (صلى الله عليه وسلم) أعمال أمته غدوة وعشيا فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم، فيحمد الله ويستغفره لهم. انتهى.

وليس للرأي فيه مجال فهو من حكم المرفوع كما بين في محله. وقد علم من كمال شفقته عليه الصلاة والسلام رحمته لأمته أنه لا يترك ذلك لمن جاءه مستغفرا ربه سبحانه وتعالى. والآية الكريمة وإن وردت في قوم معينين في حال الحياة تعم بعموم العلة كل من وجد فيه ذلك الوصف في حال الحياة وبعد الممات، ولذلك فهم العلماء منها العموم للجائين واستحبوا لمن أتى قبره (صلى الله عليه وسلم) أن يقرأها مستغفرا لله تعالى راؤها من آداب الزائر التي يسن له فعلها وذكرها المصنفون في المناسك من أهل المذاهب الأربعة.

وقرئت نم بعض الزائرين للقبر الشريف بمحضر من الصحابة مع طلب الاستغفار من النبي (صلى الله عليه وسلم) ولم ينكر ذلك أحد منهم كما سنذكره إن شاء الله تعالى.

ثالثها: أنه لا فرق في الجائي إليه (صلى الله عليه وسلم) بين أن يكون مجيئه من قرب أو بعد بسفر أو بغير سفر، لوقوع جاؤك في حيز الشرط الدال على العموم. وقد قال الله تعالى: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)[3] ولا شك عند من له أدنى مسكة من ذوق العلم في أن من خرج لزيارة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يصدق عليه أنه خرج مهاجرا إلى الله ورسوله لما يأتي من الأحاديث الدالة على أن زيارته (صلى الله عليه وسلم) بعد وفاته كزيارته في حياته، فزيارته في حياته داخلة في الآية الكريمة قطعا فكذا بعد وفاته بنص الأحاديث التي ستذكر.

ولعموم الآيتين المذكورتين في الإتيان إليه (صلى الله عليه وسلم) حال حياته وبعد وفاته من قرب ومن بعد بدون مكابرة.

وأما السنة فالأحاديث الكثيرة الشهيرة المتواترة التي كثر مخرجوها وصحح غالبها الأئمة وتلقوها بالقبول واحتجوا بمجموعها على مشروعية الزيارة السفر إليها على ما سنوضحه.

فمنها: قوله (صلى الله عليه وسلم): “من زار قبري وجبت له شفاعتي”. وفي رواية “حلت له شفاعتي” رواه مسلم والدارقطني والطبراني والقاضي عياض في الشفاء وابن عدي والبزار وابن خزيمة في الصحيح بإسنادهم عن ابن عمر (رضي الله تعالى عنهما) وأخرجه كثير من أئمة الحديث.

وقد أطال الإمام السبكي رحمه الله تعالى في كتابه “شفاء السقام بزيارة قبر خير الأنام” في بيان طرق هذا الحديث وبيان من صححه من الأئمة ثم ذكر روايات في أحاديث الزيارة يأتي بعضها كلها تؤيد هذا الحديث وقد رد الطعن في بعض رواته وقال: إنه حسن أو صحيح.

وأما قول البيهقي فيه أنه منكر فقط أجبيب عنه بأن معناه أنه تفرد به رواية والتفرد قد يطلق عليه ذلك، ونظيره ما قاله الإمام أحمد (رضي الله تعالى عنه) في حديث دعاء الاستخارة مع أنه في الصحيحين. وقول الذهبي فيه طرقه كلها لينة بقوة بعضها بعضا لا ينافي تصحيحه لأن غايته أنه بتسليم ذلك حسن، وهو تطلق عليه الصحة كما بين في محله.

وقال الحافظ القسطلاني في المواهب: وروى هذا الحديث عبد الحق في أحكامه الوسطى وفي الصغرى وسكت عنه أي عن التكلم في سنده بالقدح وسكوته عن الحديث فيهما دليل على صحته انتهى.

قال السيد مرتضى الزبيدي وبالجملة فقول ابن تيمية فيه أنه موضوع غير صواب انتهى.

قلت: وكذلك عد الصفاني له في موضوعاته فلا يعول عليه لما علمته ولما سنذكره قريبا إن شاء الله تعالى.

ومعنى من زار قبري من زارني في قبري لأن الزيارة ليست للقبر بل لصحابه فالمراد زيارته (صلى الله عليه وسلم) في قبره دل على ذلك رواية “من حج فزارني بعد وفاته عند قبري”.

ومعنى وجبت له شفاعتي أنها ثابتة له بالوعد الصادق لابد منها، وليس المراد الواجب الشرعي، وأفاد قوله (صلى الله عليه وسلم) له مع شفاعته لزائره ولغيره أنه يخص بشفاعة تناسب عظيم عمله، أما بزيادة النعيم.

وإما بتخفيف الأهوال عنه في ذلك اليوم، وإما بكونه من الذين يحشرون بلا حساب، وإما برفع درجات في الجنة وإما بزيادة شهود الحق تعالى والنظر إليه، وإما بغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولاخطر على قلب بشر.

هذا كله إن أريد أن يخص بشفاعة لا تحصل لغيره، ويحتمل أن يراد أنه يفرد بشفاعة مما يحصل لغيره والأفراد للتشريف والتقوية بسبب الزيارة وأن يراد ببركتها يجب دخوله فيمن تناله الشفاعة فهو بشرى بموته مسلما إذ لا تجب الشفاعة إلا لمن هو كذلك فيجرى على عمومه ولا يضمر فيه شرط الوفاة على الإسلام.

وإلا لم يكن لذكر الزيارة معنى، لأن الإسلام وحده كاف في نيل هذه الشفاعة بخلافه على الأولين والحاصل أن أثر الزيارة إما الموت على الإسلام مطلقا لكل زائر وإما شفاعة تخص الزائر أخص من العامة وأفاده إضافة الشفاعة له (صلى الله عليه وسلم) أنه شفاعة عظيمة جليلة إذ هي تعظم بعظم الشافع ولا أعظم منه (صلى الله عليه وسلم) فلا أعظم من شفاعته.

والحاصل أن هذا الثواب العظيم وهو الفوز بتلك الشفاعة العظيمة منه (صلى الله عليه وسلم) فلا أعظم من شفاعته. والحاصل أن هذا الثواب العظيم وهوالفوز بتلك الشفاعة العظيمة منه (صلى الله عليه وسلم) لا يحصل إلا لمن أخلص وجهته فيها بأن لا يقصد بها أو معها أمر آخر ينافيها كما يستفاد من الأحاديث الآتية.

ومنها قوله (صلى الله عليه وسلم): “من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي”. رواه بن عدي والطبراني والدار قطني والبزار وسعيد بن منصور وأبويعلى وتضعيف البيهقي.

وابن عساكر له من جهة أن رواية حفصا ضعيف الحديث مردود بتوثيق الإمام أحمد (رضي الله تعالى عنه) له وقوله فيه: أنه صالح الحديث وبقول الإمام السبكي أن هذا الحديث من أجود ما ورد إسنادا.

وكذلك قال الذهبي كما نقله الحافظ السيوطي في كتابه الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة والمراد من الحديث الشريف أن لزائره (صلى الله عليه وسلم) مائة أجر كأجر من زاره حيا، والمشبه لا يعطى حكم المشبه به من كل وجه كما لا يخفى على من له أدنى ذوق من العلم.

ومنها قوله (صلى الله عليه وسلم): “من وجد سعة ولم يفد إلى مرة فقد جفاني”. قال الحافظ العراقي مخرج أحاديث الأحياء: هذا الحديث رواه ابن عدي والدارقطني في غرائب مالك، وابن حبان في الضعفاء والخطيب في الرواة عن مالك من حديث ابن عمر (رضي الله تعالى عنهما) بلفظ “من حج فلم يزرني فقد جفاني” ورواه البخاري في تاريخ المدينة عن أنس بن مالك (رضي الله تعالى عنه) بلفظ “ما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر”. انتهى.

قال السيد مرتضى في شرح الإحياء قلت: وحديث ابن عمر المذكور رواه الديلمي أيضا وعبد الواحد التميمي الحافظ في جواهر الكلام في الحكم والأحكام من كلام سيد الأنام.

وقد رد الحافظ السيوطي على ابن الجوزي في إيراده له في الموضوعات. وقال: لم يصب. يعني ابن الجوزي في ذلك.

وأما حديث أنس بن مالك المذكور فقد أخرجه ابن عساكر أيضا في فضائل المدينة. وقال ملا علي قارئ أن حديث ابن عمر المذكور سنده حسن. وقال العلامة المحقق الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي المصري ثم المكي المتوفى سنة 973 وناهيك به علما وعملا ونقدا وإمامة وتحقيقا كلمة وفاق في كتابه “الجوهر المنظم في زيارة القبر الشريف النبوي المكرم” إن ابن عدي روى الحديث المذكور بسند يحتج به.

وإن قول الدارقطني أنه حديث منكر فإنما هو من حيث تفرد أحد رواته به كما أشار إليه ابن عدي وغيره لا من حيث المتن، ومن قال عن بعض رواته أنه متهم فقد رد عليه بأنها تهمة غير مفسرة فيقدم عليها توثيق من وثقه.

وقول ابن حبان فيه: أنه يأتي عن الثقات بالطامات. مبالغة في الإنكار أي وليس وجه الحقيقة على أنه هو نفسه قد روى عنه، فذكر ابن الجوزي له في الموضوعات إساعة منه وغاية أمره أنه غريب كما مر. انتهى.

ثم قال الإمام السبكي ومما يجب أن ينتبه له أن حكم المحدثين بالإنكار والاستغراب قد يكون بحسب تلك الطرق فلا يلزم من ذلك رد متن الحديث بخلاف إطلاق الفقيه أن الحديث موضوع فإنه حكم على المتن من حيث الجملة فلا جرم إن قبلنا كلام الدراقطني ورددنا كلام ابن الجوزي انتهى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]. سورة النساء آية رقم 64.

[2]. سورة محمد آية رقم 19.

[3]. سورة النساء آية رقم 100.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد