ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 8 يناير 2019 زيارة: 227

شبهات المانعين للتوسل والجواب عنها

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: إعلام المسلمين ببطلان فتوى القرضاوي بتحريم التوسل بالأنبياء والصالحين (43-49)
تأليف: الشيخ نبيل الشريف الأزهري

فإن قيل: أليس في حديث: “إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث” دلالة على أن الميت لا ينفع غيره.

فالجواب: أنه ليس في الحديث الذي رواه ابن حبان[1]: “إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له” دلالة على أن الميت لا ينفع غيره، إذ إن الحديث نفى استمرار العمل التكليفي الذي يتجدد به للميت ثواب، أما أن ينفع غيره فغير ممنوع بدليل حديث النبي (صلى الله عليه وسلم): “حياتي خير لكم ومماتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خيرٍ حمدت الله عليه وما رأيت من شر استغفرت لكم”، رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. وقال الحافظ أبو زرعة ولي الدين العراقي في طرح التثريب[2] “اسناده جيد”.

هذا الحديث يدل على أن النبي ينفع بعد موته خلافًا للوهابية القائلين بأنه لا ينفع أحد بعد موته، فإنه (عليه الصلاة والسلام) لما قال: “ومماتي خير لكم” أفهمنا أنه ينفعنا بعد موته أيضًا بإذن الله عز وجل، كما نفعنا موسى (عليه السلام) ليلة المعراج لما سأل النبي (عليه الصلاة والسلام): ماذا فرض الله على أمتك؟، فقال له: “خمسين صلاةً”، قال: ارجع وسل التخفيف فإني جربت بني إسرائيل فرض عليهم صلاتان فلم يقوموا بهما، فرجع فطلب التخفيف مرةً بعد مرةٍ وفي كل مرةٍ كان موسى (عليه السلام) يقول له: ارجع فسل التخفيف، إلى أن صاروا خمس صلواتٍ بأجر خمسين، فهل يشك عاقل بنفع موسى (عليه السلام) لهذه الأمة هذا النفع العظيم، وقد كان موسى توفي قبل ليلة المعراج بأكثر من ألف سنةٍ، فهذا عمل بعد الموت نفع به أمة محمدٍ (صلى الله عليه وسلم).

وأما قوله (عليه الصلاة والسلام): “تحدثون ويحدث لكم” فمعناه يحصل منكم أمور ثم يأتي الحكم بطريق الوحي من رسول الله.

ثم يؤكد النبي (عليه الصلاة والسلام) نفعه لأمته بعد وفاته بقوله: “ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خيرٍ حمدت الله عليه وما رأيت من شر استغفرت لكم”.

فإن قيل: إن عمر كان إذا قحطوا يستسقي بالعباس بن عبد المطلب فيقول: “اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا” قال: فيسقون. رواه البخاري[3]، أليس في توسل عمر بالعباس بعد موت النبي ما يدل على أنه لا يتوسل بالنبي بعد موته ؟

فالجواب: أن توسل عمر بالعباس بعد موت النبي ليس لأن الرسول قد مات بل كان لأجل رعاية حق قرابته من النبي (صلى الله عليه وسلم)، بدليل قول العباس حين قدمه عمر: اللهم إن القوم توجهوا بي إليك لمكاني من نبيك”، روى هذا الأثر الزبير بن بكار.

وروى الحاكم[4] أيضا أن عمر (رضي الله عنه) خطب الناس فقال:” أيها الناس إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يرى للعباس ما يرى الولد لوالده، يعظمه ويفخمه ويبر قسمه، فاقتدوا أيها الناس برسول الله (صلى الله عليه وسلم) في عمه العباس واتخذوه وسيلة إلى الله فيما نزل بكم”، وهذا يوضح سبب توسل عمر بالعباس.

وأيضا فإت ترك الشىء لا يدل على منعه كما هو مقرر في كتب الأصول، فترك عمر للتوسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) لا دلالة فيه أصلا على منع التوسل إلا بالحي الحاضر، وقد ترك النبي (صلى الله عليه وسلم) كثيرا من المباحات فهل دل تركه لها على حرمتها؟

قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري[5]: “قال ابن بطال: فعل الرسول إذا تجرد عن القرائن – وكذا تركه – لا يدل على وجوب ولا تحريم انتهى. فقول الحافظ “وكذا تركه” دليل أن مجرد الترك لا يدل على التحريم. وقد ألف المحدث عبد الله الغماري رسالة في هذا الموضوع سماها “حسن التفهم والدرك لمسألة الترك”

وقد أراد سيدنا عمر بفعله ذلك أن يبين جواز التوسل بغير النبي (صلى الله عليه وسلم) من أهل الصلاح ممن ترجى بركته، ولذا قال الحافظ في الفتح[6] عقب هذه القصة ما نصه:” يستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة” اهـ.

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب المطر وفي كتاب مجابي الدعوة[7]: “أخبرنا الحسين حدثنا عبد الله حدثنا أبو بكر النيسابوري ثنا عطاء بن مسلم عن العمري عن خوات بن جبير قال: أصاب الناس قحط شديد على عهد عمر فخرج عمر بالناس فصلى بهم ركعتين وخالف بين طرفي ردائه فجعل اليمين على اليسار واليسار على اليمين ثم بسط يده فقال: “اللهم انا نستغفرك ونستسقيك” فما برح من مكانه حتى مطروا فبينا هم كذلك إذا أعراب قد قدموا فأتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين بينما نحن في وادينا في يوم كذا في ساعة كذا إذ أظلتنا غمام فسمعنا بها صوتا أتاك الغوث ابا حفص أتاك الغوص أبا حفص”.

وقال ابن ابي الدنيا: ثنا إسحق بن إسماعيل ثنا سفيان عن مطرف بن طريف عن الشعبي قال خرج عمر يستسقى بالناس فما زاد على الاستغفار حتى رجع فقالوا يا امير المؤمنين ما نراك استسقيت فقال لقد طلبت المطر بمحاديج السماء التي يستنزل بها المطر ثم قرأ (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا) [سورة نوح: 10-11] ثم قرأ (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) [سورة هود: 52] الآية.

فإن قيل: أليس في حديث ابن عباس الذي رواه الترمذي[8] “إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله” ما يدل على عدم جواز التوسل بغير الله؟

فالجواب: أن هذا ليس فيه معارضة ما ذكرنا إذ إن المتوسل يسأل الله، والحديث ليس معناه لا تسأل غير الله ولا تستعن بغير الله، إنما معناه أن الأولى بأن يسأل ويستعان به هو الله تعالى، نظير ذلك قوله (صلى الله عليه وسلم): “لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي” رواه ابن حبان[9]، فكما لا يفهم من هذا الحديث عدم جواز صحبة غير المؤمن وعدم جواز إطعام غير التقي وإنما يفهم منه أن الأولى بالصحبة المؤمن وبالإطعام التقي، كذلك حديث ابن عباس لا يفهم منه إلا الأولوية، كما أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يقل لا تسأل غير الله ولا تستعن بغير الله، أليس هناك فرق بين أن يقال: لا تسأل غير الله وبين أن يقال: إذا سألت فاسأل الله؟

فإن قيل: إن كثيرا من الناس يزورون على عقيدة فاسدة كاعتقاد أن أصحاب الضرائح يجلب المنفعة لمن يزورهم ودفع المضرة عنهم، وعلى اعتقاد أنهم يستحقون بهذا غاية التذلل.

قلنا: لأجل ظن حصول من نيتهم هكذا هل يحرم على الجميع بمن فيهم من نياتهم صحيحة ولا يعتقدون هذا، إنما يعتقدون أن الله جعلها سببا لحصول بعض المنافع عند الدعاء عندهم، فمثل هذا كمثل السوق فإن الرسول سماها شر البلاد ومع ذلك لا يحرم على جميع الناس دخولها إنما يحرم على من يذهب ليغش الناس أو يسرق أو ليرابي أو لمقصد محرم، فلم يحرم الرسول دخولها على الإطلاق والإجمال بل جعل دخولها حراما بحلات مخصوصة والكعبة حين كان حولها ثلاثمائة وستون صنما والمشركون يذهبون إليها ليقدسوها، كان الرسول يذهب للصلاة عند الكعبة، ولم يحرم الذهاب إليها على المؤمنين لأجل وجود الأصنام ومن يعبدها وهكذا قصد قبور الأولياء للتبرك وقصدها رجاء الإجابة عندها من الله تعالى لا يحكم على كل من دخلها بأنه يعتقد ذلك الاعتقاد الفاسد وأنه يعبد هذه الضرائح.

فإن قيل: إن أبا بكر قال: قوموا بنا نستغيث برسول الله من هذا المنافق فقال رسول الله: إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله.

والجواب عن هذه الشبهة أن يقال: هذا الحديث فيه ابن لهيعة وهو ضعيف وهو معارض للحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر مرفوعا وفيه أن الشمس تدنو من رءوس الناس يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم فكيف يتعلقون بحديث غير ثابت وقد عارضه الحديث الصحيح.

قال الحافظ ابن حجر في قصائده المسماة النيرات السبع:

يا سيد الرسل الذي منهاجه            حاو كمال الفضل والتهذيب

إلى أن قال:

فاشفع لمادحك الذي بك يتقي                   أهواهل يوم الدين والتعذيب

فلأحمد بن علي الأثري في                     مأهول مدحك نظم كل غريب

قد صح أن صناه زاد وذنبه … أصل السقام وأنت خير طبيب

ثم قال في قصيدة أخرى:

يا سيدي يا رسول الله قد … شرفت قصائدي بمديح فيك قد رصفا

إلى أن قال:

بباب جودك عبد مذنب كلف … يا أحسن الناس وجها مشرقا وقفا

بكم توسل يرجو العفو عن زلل … من خوفه جفنه الهامي لقد ذرفا

وإن يكن نسبة يعزي إلى حجر … فطالما فاض عذبا طيبا وصفا

ثم قال في قصيدة أخرى:

إصدح بمدح المصطفى واصدع به … قلب الحسود ولا تخف تفنيدا

واقصد له واسأل به تعط المنى … وتعيش مهما عشت فيه سعيدا

خير الأنام ومن لجا لجنابه … لا بدع إن أضحى به مسعودا

ثم قال في قصيدة أخرى:

فما تبلغ الأشعار فيه ومدحه … به ناطق نص الكتاب وناقل

إلى أن قال:

ولي إن توسلت الهناء بمدحه … لأني مستجد هناك وسائل

ثم قال في قصيدة أخرى:

فإن أحزن فمدحك لي سروري … وإن أقنط فحمدك لي رجائي

ثم قال في قصيدة أخرى:

نبي براه الله أشرف خلقه … وأسماه إذ سماه في الذكر أحمدا

فرج نداه إنه الغيث في الندى … وخف من سطاه إنه الليث في العدا

ثم قال في قصيدة أخرى:

وإن قنطت من العصيان نفس … فباب محمد باب الرجاء

وذكر الحافظ السخاوي[10] أن الشمس محمد بن علي القوصي الشافعي أرسل معه رسالة ليقرأها السخاوي لسيد المرسلين لكن لم يتفق للسخاوي تبليغها إلا بعد موته جاء فيها:

عسى تبلغ الآمال منه بنظرة … إلي فإن يفعل بفوز ألاقه

__________________________

[1] . صحيح ابن حبان، فصل في الموت وما يتعلق به من راحة المؤمن وبشراه وروحه وعمله والثناء عليه، أنظر الإحسان (5/ 9).

[2] . طرح التثريب (3/ 297).

[3] . أخرجه البخاري في صحيحه كتاب فضائل الصحابة: باب ذكر العباس بن عبد المطلب.

[4] . مستدرك الحاكم، كتاب معرفة الصحابة (3/ 334) من حديث داود بن عطاء المدني عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال الذهبي في تلخيص المستدرك: هو في جزء البانياسي بلعو، وصح نحوه من حديث أنس ، فأما داود فمتروك. قلت: تابعه عليه هشام بن سعد أخرجه البلاذري من طريقه عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر، راجع فتح الباري (2/ 497).

[5] . فتح الباري (9/ 14).

[6] . فتح الباري (2/ 497).

[7] . كتاب مجابي الدعوة (ص53-54).

[8] . جامع الترمذي: كتاب صفة القيامة والرقائق والورع: باب (59). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

[9] . صحيح ابن حبان: كتاب البر والإحسان: باب الصحبة والمجالسة، راجع الإحسان (1/ 383 و 385).

[10] . وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام (2/ 777).

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد