ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 27 أبريل 2019 زيارة: 75

شبهة في الاستدلال بآية (ولو أنهم إذ ظلموا) في الحث على زيارته (صلى الله عليه وسلم) بعد وفاته

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: الزيارة النبوية في ضوء الكتاب والسنة (ص21-28)
تأليف: السيد الإمام محمد بن علوي المالكي الحسني
الشبهة:

وقد يعترض البعض بأن لفظ (جاءوك) في الآية خاص بحياته لأن العرب لا تقول: جاءوك إلا في حال الحياة، وأيضا يعترض بأن المجيء إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته من أجل الاستغفار لهم، فكيف يستغفر لهم بعد موته (صلى الله عليه وآله وسلم)؟.

والجواب عن هذين الاعتراضين:

1) أن الأنبياء صلوات الله عليهم قد ثبتت حياتهم في قبورهم لأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «رأيت موسى قائما يصلي في قبره».

فعلى هذا فالآية تشمل المجيء إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) حيا وميتا، ومن ادعى خصوصيتها بحياته فعليه البيان.

2) أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تعرض عليه أعمال الأمة فيستغفر لها وهو في برزخه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد وردت بذلك أحاديث:

منها: ما رواه البزار مرفوعا والحافظ إسماعيل القاضي في (فضل الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وابن سعد في (طبقاته) عن بكر بن عبد الله المزني مرسلا: «حياتي خير لکم تحدثون ويحدث لكم، فإذا أنا مت كانت وفاتي خيرا لكم تعرض علي أعمالكم، فإن رأيت خيرا حمدت الله وإن رأيت شرآ استغفرت لكم».

فهذا الحديث يؤيد الاستدلال بهذه الآية في الحث على زيارته (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد وفاته.

وقد ذكرنا في (المفاهيم) تخريج هذا الحديث ص 257. وخلاصة القول فيه أنه صحيح، وقد صنف العلامة المحدث الشيخ أبو الفضل عبد الله الغماري رسالة خاصة في هذا الموضوع سماها: (نهاية الآمال في صحة وشرح حديث عرض الأعمال).

على أن الاختلاف في الحديث لا يؤثر في أصل المسألة، وهي عرض الأعمال على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحياته في البرزخ، بل حياة الأنبياء جميعا، وقد صنف في ذلك الحافظ البيهقي والسيوطي رسالة خاصة.

اعتراض آخر (لغوي) وقد اعترض بعضهم على الاستدلال بالآية المذكورة فقال في فتاويه ما نصه:

(إذ) هذه ظرف لما مضى وليست ظرفأ للمستقبل، لم يقل الله: ولو أنهم إذا ظلموا، بل قال: «إذ ظلموا». فالآية تتحدث عن أمر وقع في حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) واستغفار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد مماته أمر متعذر لأنه إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث كما قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له، فلا يمكن للإنسان بعد موته أن يستغفر لأحد بل ولا يستغفر لنفسه أيضا لأن العمل انقطع. انتهى

والجواب: أن هذا إقدام جرئ من القائل نسأل الله العافية ..

وإليك تفنيده بالآتي:

أما قصره (إذ) على الزمن الماضي فقط ففيه نظر لأن (إذ) كما تستعمل في الماضي فتستعمل أيضا في المستقبل، ولها معان أخرى ذكرها ابن هشام في مغني اللبيب (1/ 80-83).

وقد نص على أن (إذ) تستعمل للمستقبل الأزهري فقال في تهذيب اللغة (15 / 47):

العرب تضع (إذ) للمستقبل و (إذا) للماضي، قال الله عز وجل: (ولو ترى إذ فزعوا) [سبأ آية 51].

قلت: ومن استعمال (إذ) للمستقبل قوله تعالي: (ولو ترى إذ وقفوا على النار) [الأنعام آية 27].

(ولو ترى إذ وقفوا على ربهم) [الأنعام آية 30].

(ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت) [الأنعام آية 93].

(ولو ترى إذ المجرمون ناکسوا رءوسهم عند ربهم) [السجدة آية 12].

وقوله: واستغفار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر متعذر لأنه إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث اهـ.

قلت: استغفار سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غير متعذر لأمور:

الأول: قد صح أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون» أخرجه البيهقي في حياة الأنبياء (ص 15). وأبو يعلي في مسنده (6/ 147) وأبو نعيم في أخبار أصبهان (2/ 44) وابن عدي في الكامل (2/ 739).

وقال الهيثمي في المجمع (8/ 211): ورجال أبي يعلى ثقات. اهـ، والحديث له طرق.

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «مررت على موسى وهو قائم يصلي في قبره» أخرجه مسلم (4/ 1845) وأحمد (3/ 120) والبغوي في شرح السنة (13/ 351) وغيرهم.

وقال ابن القيم في نونيته عند الكلام على حياة الرسل بعد مماتهم (النونية مع شرح ابن عيسى 2/ 160):

والرسل أكمل حالة منه [أي الشهيد] بلا … شك وهذا ظاهر التبيان

فلذاك كانوا بالحياة أحق من … شهدائنا بالعقل والبرهان

وبأن عقد نکاحه لم ينفسخ … فنساؤه في عصمة وصيان

ولأجل هذا لم يحل لغيره … منهن واحدة مدى الأزمان

أفليس في هذا دليل أنه … حي لمن كانت له أذنان

الثاني: ثبت أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد صلى إماما بالأنبياء (عليهم السلام) في الإسراء وهذا متواتر، وكانوا قد ماتوا جميعا، وراجعه موسى (عليه السلام) في الصلوات ورأى غيرة في السموات.

فمن كان هذا حاله فكيف يتعذر عليه الاستغفار؟

والصلاة دعاء واستغفار وتضرع.

الثالث: قد صح أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت لكم».

وهو حديث صحيح وقال عنه الحافظ العراقي في طرح التثريب (3/ 297): إسناده جيد. وقال الهيثمي (المجمع 9/ 24): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، وصححه السيوطي في الخصائص (2/ 281).

وكلام العراقي والهيثمي بالنسبة لإسناد البزار فقط، وإلا فالحديث صحيح كما قال الحافظ السيوطي وغيره وسيأتي الكلام على الحديث بتوسع إن شاء الله.

الرابع: استغفار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حاصل لجميع المؤمنين سواء من أدرك حياته أو من لم يدركها، قال الله تعالى: (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) [محمد آية 19]. وهذه منة من الله تعالى وخصوصية من خصوصيات سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وقد علم مما سبق أن الأمور الثلاثة المذكورة في الآية وهي:

1- المجيئ إليه (صلى الله عليه وآله وسلم).

2- والاستغفار.

3- واستغفار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) للمؤمنين.

هذه الثلاثة حاصلة في حياته وبعد انتقاله.

ولا يقال: إن الآية وردت في أقوام معينين، لا يقال ذلك لأنه كما هو معروف «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب».

ولذلك فهم المفسرون وغيرهم من الآية العموم واستحبوا لمن جاء إلى القبر الشريف أن يقرأ هذه الآية: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) ويستغفر الله تعالى.

وهذه التفاسير بين أيدينا والمناسك التي صنفها علماء المذاهب كذلك وكلها تظهر صدق دعوى الاستدلال بالآية.

بقي الكلام على قول هذا المعترض: (لأنه إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث … إلخ).

قلت: سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) له من الكمالات والخصوصيات ما لم يصح لأحد، وهذا قرره ابن تيمية في كتابه (الصارم المسلول على شاتم الرسول) وهو أحسن كتبه، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) في ترق وارتفاع إلى يوم الدين وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة ومقرر في كتب الخصائص ودلائل النبوة والشفا وشروحه.

فقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئأ» أخرجه مسلم وغيره.

فجميع الأعمال الصالحة التي تصدر عن الأمة المحمدية راجعة لدعوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لها فثوابها راجع إليه وهو ينتفع به قطعا من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئا.

وفي هذا الصواب قال ابن تيمية في الفتاوى (1/ 191): ثبت عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصحيح أنه قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء».

ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الداعي إلى ما تفعله أمته من الخيرات، فما يفعلونه له فيه من الأجر مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء. انتهى كلام ابن تيمية.

والحاصل أن هذا المعترض زل فيما قال.

نعوذ بالله من الكلام في كتاب الله بغير علم والتعدي على مقام سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد