ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 7 يوليو 2019 زيارة: 28

شواهد لغوية قرآنية وأدلة من كلام العرب على أن المراد بالعلو العلم المعنوي لا العلم الحسي الجسمي

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: مجموع رسائل السقاف (1/ 370-373)
تأليف: السيد حسن بن علي السقاف

لقد استعمل العرب الذين نزل القرآن الكريم بلغتهم لفظ «العلو» و «السماء» ونحو هذه الألفاظ لبيان شرف الرتبة والعظمة والكبرياء والمجد وأمثال هذه الأمور، ولم يقصد العرب بذلك أن فلانا في السماء أي: بذاته وأنه في (المكان العدمي !!) الذي يلهج به الألباني أو نحو ذلك من ترهات المجسمة التي اخترعوها والأعاجم الذين لا يريدون فهم كتاب الله تعالى بلغة الضاد العربية الفصيحة !!

فيكون كل ما ورد في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة مما فيه لفظ السماء والفوقية والعلو معناه الإشارة إلى كبرياء الله تعالى وعظمته وجلاله؛ كما نقل الإجماع في ذلك القاضي عياض والإمام الحافظ النووي رحمهما الله تعالى؛ ففي «شرح صحيح مسلم» (5/ 24) قال الإمام النووي:

«قال القاضي عياض: لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم ومحدثهم ومتكلمهم ونظارهم ومقلدهم أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء كقوله تعالى: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) ونحوه ليست على ظاهرها بل متأولة عند جميعهم» اهـ.

وإليكم الدليل على هذا الأمر من لغة العرب في أشعارهم وأرجاؤهم:

1- قال عنترة العبسي (صاحب إحدى المعلقات المشهورة):

مقامك في جو السماء مكائه … وباعي قصير عن نوال الكواكب[1]

2- وقال الأخطل الكبير كما في ديوانه:

بنو دارم عند السماء وأنتم … قذى الأرض أبعد بينما بين ذلك

3- وقال آخر:

ولو رفع السماء إليه قوما … لحقنا بالنجوم وبالسماء[2]

4- وقال عنترة:

لقد كنتم في آل عبس كواكبا … إذا غاب منها كوكب لاح کوکب

خسفتم جميعا في بروج هبوطكم … جهارا كما كل الكواكب تنکب

الديوان (ص 26).

5- وقال أمية بن أبي الصلت:

فأرضك كل مكرمة بنتها … بنو تيم وأنت لهم سماء

(انظر تاریخ دمشق لابن عساكر 3/ 120 ترقيم جديد).

6- وقال عنترة:

ولا أسلو ولا أشفي الأعادي … فساداتي لهم فخر وفضل

أناس أنزلونا في مكان … من العلماء فوق النجم يعلو

(دیوانه ص 115).

ومن هذا الباب قول الله عز شأنه: (إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا) أي طغا وتجبر، فالعلو المقصود هنا هو العلو والارتفاع المعنوي لا الحسي، ومنه أيضا قول فرعون في بني إسرائيل (سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون).

فهذه شواهد لغوية من القرآن الكريم وأدلة من كلام العرب تدل على أن العلو يراد به في كثير من الأحوال العلم المعنوي لا العلم الحسي الجسمي الذي يدندن به المشبهة والمجسمة فافهم هداك الله تعالى !!

فصل:

هناك بعض الآيات من المتشابه يحتج بها المجسمة والمشبهة على العلو الحسي لا بد من ذكرها وبيان المعنى الصحيح لها حتى لا يبقى في ذهن طالب الحق أي إشكال في هذه المسألة.

فمن تلك الآيات قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) ومعنى الاستواء هنا القهر لا علو الأجسام والارتفاع لقوله تعالى: (وهو القاهر فوق عباده) فبين سبحانه أن علوه واستواءه بالقهر لا بالجسمية والارتفاع الحسي الجسمي المعهود لنا.

وفي معنى القهر: الاستيلاء والإخبار عن هذا العالم بأنه ملکه سبحانه فهو تحت مشيئته وإرادته، كما يقال العالم من فرشه إلى عرشه خاضع لله تعالى هذا معنى قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوی).

فإن قالت المجسمة أو غيرهم: هذا التفسير يقتضي المغالبة !!

قلنا: ليس كذلك، وقولكم إنه يقتضي المغالبة بدعة من القول لأنه يهدم كلامكم واعتراضكم قوله تعالى: (والله غالب على أمره) فكيف لم يقتض هذا المغالبة وهو صريح ؟! ومن يغالب الله في أمره حتى يقول سبحانه: (والله غالب على أمره) ؟! فإذا لا يقتضي شيء من ذلك المغالبة !! وكذلك قوله سبحانه: (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار) فنقول لكل مشبه ومجسم: هل كان الملك قبل ذلك اليوم لغير الله تعالى ؟!! حتى يقتضي المغالبة !!

فكما أن هذه الآيات الكريمات لا تقتضي المغالبة فكذلك القهر والاستيلاء لا يقتضي المغالبة فافهم وتنبه هداك الله تعالى !!

ومن النصوص التي يسدلون بها على العلم الحسي قوله تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) ومعنى الآية أن هذا كناية عن القبول والرضى.

قال الحافظ المتقن المفسر أبو حبان في تفسيره «البحر المحيط» (7/ 303):

«وصعود الكلام إليه تعالى مجاز في الفاعل وفي المسمى إليه لأنه تعالى ليس في جهة، ولأن الكلم ألفاظ لا توصف بالصعود، لأن الصعود يكون من الإجرام، وإنما ذلك كناية عن القبول ووصفه بالكمال، كما يقال: علا كعبه وارتفع شأنه، ومنه ترافعوا إلى الحاكم ورفع الأمر إليه، وليس هناك علو في الجهة» اهـ.

ومن تلك النصوص التي يستدلون بها على العلو الحسي قوله تعالى: (تعرج الملائكة والروح إليه) أي تعرج الملائكة إلى المكان الذي هو محلهم وهو في السماء، لأن السماء محل بره وكرامته، وهذا تماما كقول الله تعالى حكاية عن سيدنا إبراهيم عليه السلام (إني ذاهب إلى ربي) أي إلى الموضع الذي أمرني به، أو إلى مفارقتكم للتفرغ لعبادة ربي وطاعته، وبمثل الذي قلناه قال القرطبي في تفسيره (18/ 281).

وقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (13/ 416):

وقال البيهقي: صعود الكلام الطيب والصدقة الطيبة عبارة عن القبول، وعروج الملائكة هو إلى منازلهم في السماء…».

ومن تلك الآيات أيضا قوله تعالى: (إني متوافيك ورافعك إلي) ومعناها ورافعك إلى السماء الثانية، كما جاء في الصحيحين في حديث الإسراء أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجد سیدنا عيسى في السماء الثانية.

فيكون معنى الآية: إني رافعك إلى مكان لا يستطيعون أن يصلوا إليك فيه، ولا يعني أن سيدنا عیسی علیه السلام رفع إلى مكان فيه رب العالمين عند جميع العقلاء، كما لا يعني أنه الآن عند الله حقيقة أو جالس مثلا بجنبه كما يتصور المجسمة تعالى عن ذلك علوا كبيرا، وهذا تماما كقوله تعالى في الظل في سورة الفرقان: (ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا) فقوله: (إلينا) لا يعني أن الظل في الليل يذهب عند الله وأن الله في مكان فليتبقظ أول الألباب، وليبتعدوا عمن يفهم القرآن بالعجمية والظواهر، وليفهمه بالعربية الفصحی وبأساليبها في المجازات الاستعارية، والدقائق البلاغية.

ومن تلك الآيات أيضا قوله تعالى: (ءأمنتم من في السماء) ومعناها، ءأمنتم من شأنه عظيم لأن العرب إذا أرادت أن تعظم شيئا وصفته بالعلو فتقول: فلان اليوم في السماء، وفي المقارنة تقول: أين الثرى من الثريا، والثريا بحم عال في السماء.

فيكون معنى الآية ءأمنتم من العظيم الجليل صاحب الرفعة والربوبية والبطش أن يخسف بكم الأرض «وتقدم استعمال العرب للفظ السماء على العلو المعنوي لا الحسي».

أو يكون المراد بقوله تعالى: (من في السماء) سیدنا جبريل أو أي ملك يرسله الله ليخسف أي قرية أو أي موضع من الأرض، كما أرسل الملك الذي خسف الأرض بقوم سیدنا لوط عليه السلام، والملائكة مسكنها السماء؛ بصريح أدلة كثيرة منها ما رواه البخاري (فتح 2/ 33) ومسلم (برقم 632) مرفوعا: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم – وهو أعلم بهم -: كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون» هذا مع قول الله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) فالعربي يفهم من هذا أن مسكن الملائكة و محلهم في السماء.

وأما الآيات التي فيها ذكر النزول كقوله تعالى: (نزل به الروح الأمين) [الشعراء: 192] وقوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) فلا دلالة فيها لما تريده المجسمة البتة، وإنما فيه أن الملائكة تنزل من السماء التي هي مسكنهم الأصلي إلى الأرض، وأن القرآن نقله سيدنا جبريل عليه السلام من السماء أو من اللوح المحفوظ الذي هو فرق السماء السابعة إلى الأرض بأمر الله تعالى.

وكل ما أنعم الله به علينا من نعم ورزق أمدنا به يقال: أتانا من عند الله أو أنزله الله تعالى إلينا، ومنه قوله تعالى: (وأنزلنا الحديد) مع أن الحديد يستخرج من باطن الأرض، ويقال: نزل الأمر بهم، ومنه قوله تعالى: (فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين) ومنه قوله تعالى: (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج) [الزمر: 6]، وهذه الأنعام لم تمطر السماء بها قط، ومعنى أنزل هنا: جعل، كما في تفسير الحافظ السلفي ابن جریر (23/ 194).

ثم لنعلم جميعا أن هناك نصوصا كثيرة في الكتاب والسنة الصحيحة يوهم ظاهرها أن الله في الأرض وفي كل مكان وقد تقدمت في أوائل هذه الرسالة.

وقال الحافظ أبو حبان رحمه الله تعالى في تفسيره «البحر المحيط» (4/ 316 طبعة دار الفكر):

«وقال قوم منهم القاضي أبو بكر بن الطيب: هذه كلها صفات زائدة على الذات ثابتة لله تعالى من غير تشبيه ولا تحديد، وقال قوم منهم الشعبي وابن المسبب والثوري نؤمن بها و نقر كما نصت ولا نعين تفسيرها ولا يسبق النظر فيه. وهذان القولان حديث من لم يمعن النظر في لسان العرب[3] فتأمل !!

______________________________

[1] . انظر شرح دیوان عنترة للتبريزي دار إحياء التراث ص (35).

[2] . انظر «تاج العروس شرح القاموس» (10/ 182) في مادة (سمو).

[3] . وهذا كلام جيد جدا من الحافظ أبو حيان في القاضي أبي بكر الباقلاني، فهو بنظره غير ممعن في العربية، وأزيد على ذلك فأقول بأنه أيضا لا يعرف صحيح الحديث من ضعيفه فكيف يكون مثله إمام يرجع إليه ويعول عليه ؟!!

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد