ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 29 يوليو 2019 زيارة: 378

عمل المسلمين كان على التوسل بالأنبياء والأولياء في حياتهم وبعد مماتهم

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: صريح البيان في الرد على من خالف القرآن (ص147-160)
تأليف: الشيخ عبد الله الهرري

قال الحافظ الخطيب البغدادي[1] وهو الذي قيل فيه: إن المؤلفين في كتب الحديث دراية عيال على كتبه، ما نصه:
أخبرنا القاضي أبو محمد الحسن بن الحسين بن محمد بن رامين الإستربادي، قال: أنبأنا أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي قال: سمعت الحسن بن إبراهيم أبا علي الخلال يقول: ما همني أمر فقصدت قبر موسي بن جعفر فتوسلت به إلا سهل الله تعالي لي ما أحب.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد الحيري قال: أنبأنا محمد بن الحسين السلمي قال: سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول: سمعت أبا علي الصفار يقول: سمعت إبراهيم الحربي يقول: قبر معروف الترياق المجرب.
أخبرني أبو إسحق إبراهيم بن عمر البرمكي قال: نبأنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزهري قال: سمعت أبي يقول: قبر معروف الكرخي مجرب لقضاء الحوائج، ويقال: إنه من قرا عنده مائة مرة (قل هو الله أحد) [سورة الإخلاص/ 1] وسأل الله تعالى ما يريد قضى الله له حاجته.
حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الصوري قال: سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد بن جميع يقول: سمعت أبا عبد الله بن المحاملي يقول: أعرف قبر معروف الكرخي منذ سبعين سنة، ما قصده مهموم إلا فرج الله همه.
أخبرنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن علي بن محمد الصيمري قال: أنبأنا عمر بن إبراهيم المقري قال: نبأنا مكرم بن أحمد قال: نبأنا عمر بن إسحق بن إبراهيم قال: نبأنا علي بن ميمون قال: سمعت الشافعي يقول: إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم – يعني زائرة – فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تقضى.
ومقبرة باب البردان، فيها أيضا جماعة من أهل الفضل، وعند المصلى المرسوم بصلاة العيد كان قبر يعرف بقبر النذور، ويقال: إن المدفون فيه رجل من ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه يتبرك الناس بزيارته، ويقصده ذو الحاجة منهم لقضاء حاجته.

حدثني القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قال: حدثني أبي قال: كنت جالسا بحضرة عضد الدولة ونحن مخيمون بالقرب من مصلي الأعياد في الجانب الشرقي من مدينة السلام نريد الخروج معه إلى همذان في أول يوم نزل المعسكر، فوقع طرفه على البناء الذي على قبر النذور فقال لي: ما هذا البناء؟ فقلت: هذا مشهد النذور، ولم أقل قبر لعلمي بطيرته من دون هذا، واستحسن اللفظة وقال: قد علمت أنه قبر النذور، وإنما أردت شرح أمره، فقلت: هذا يقال إنه قبر عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ويقال: إنه قبر عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وإن بعض الخلفاء أراد قتله خفية، فجعلت له هناك زبية وسير عليها وهو لا يعلم، فوقع فيها وأهيل عليه التراب حية، وإنما شهر بقبر النذور لأنه ما يكاد ينذر له نذر إلا صح وبلغ النادر ما يريد ولزمه الوفاء بالنذر، وأنا أحد من نذر له مرارة لا أحصيها كثرة نذورة على أمور متعذرة، فبلغتها ولزمني النذر فوفيت به، فلم يتقبل هذا القول وتكلم بما دل أن هذا إنما يقع منه اليسير اتفاقا، فيتسوق العوام بأضعافه، ويسيرون الأحاديث الباطلة فيه، فأمسكت؛ فلما كان بعد أيام يسيرة ونحن معسكرون في موضعنا استدعاني في غدوة يوم وقال: اركب معي إلى مشهد النذور، فركبت وركب في نفر من حاشيته إلى أن جئت به إلى الموضع، فدخله وزار القبر وصلي عنده رکعتين سجد بعدهما سجدة أطال فيها المناجاة بما لم يسمعه أحد، ثم ركبنا معه إلى خيمته وأقمنا أيام، ثم رحل ورحلنا معه يريد همذان، فبلغناها وأقمنا فيها معه شهورة، فلما كان بعد ذلك استدعاني وقال لي: ألست تذكر ما حدثتني به في أمر مشهد النذور ببغداد، فقلت: بلى، فقال: إني خاطبتك في معناه بدون ما كان في نفسي اعتمادا لإحسان عشرتك، والذي كان في نفسي في الحقيقة أن جميع ما يقال فيه كذب؛ فلما كان بعد ذلك بمديدة طرقني أمر خشيت أن يقع ويتم، وأعملت فكري في الاحتيال لزواله ولو بجميع ما في بيوت أموالي وسائر عساکري، فلم أجد لذلك فيه مذهبة، فذكرت ما أخبرتني به في النذر لقبر النذور، فقلت: لم لا أجرب ذلك، فنذرت إن كفاني الله تعالى ذلك الأمر أن أحمل إلى صندوق هذا المشهد عشرة آلاف درهم صحاحة، فلما كان اليوم جاءتني الأخبار بكفايتي ذلك الأمر، فتقدمت إلى أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف – يعني كاتبه – أن يكتب إلى أبي الريان وكان خليفته ببغداد يحملها إلى المشهد، ثم التفت إلى عبد العزيز وكان حاضرة، فقال له عبد العزيز: قد كتبت بذلك ونفذ الكتاب. ا. هـ.
قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر[2]: «حدثني الشيخ الصالح الأصيل أبو عبد الله محمد بن محمد بن عمر الصفار الإسفرايني أن قبر أبي عوانة بإسفراين[3] مزار العالم ومتبرك الخلق». اهـ.
وفي هذا مع ما حصل من بلال بن الحرث من قصد قبر الرسول للتبرك والاستعانة به بيان لما كان عليه السلف والخلف من قصد قبور الأنبياء والصالحين للتبرك، وأنهم كانوا يرون ذلك عملا حسنا، وفي ذلك نقض زعم ابن تيمية وابن قيم الجوزية أن زيارة القبر للتبرك شرك، وفي ذلك أيضا بيان واضح أن هذا كان عمل المسلمين بلا نكير، إنما التشويش على المتبرکين جاء من ابن تيمية وأتباعه، ولو تتبعنا شواهد ذلك من كتب المحدثين وغيرهم لطال الكلام جدة، وهذا الحافظ ابن عساكر كان في عصره شيخ المحدثين في بر الشام كله، وكان من أهل القرن السادس الهجري.
وقد قال الإمام مالك للخليفة المنصور لما حج وزار قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) وسأل مالكا قائلا: «يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله؟ قال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك ءادم عليه السلام إلى الله تعالى؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله». ذكره القاضي عياض في الشفا[4] وساقه بإسناد صحيح، والسيد السمهودي في خلاصة الوفا، والعلامة القسطلاني في المواهب اللدنية، وابن حجر في الجوهر المنظم، وغيرهم.
وقد روى البيهقي في دلائل النبوة[5]: عن عمر رضي الله عنه قال: «قال رسول الله: «لما اقترف عادم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد إلا ما غفرت لي، فقال الله عز وجل: يا ءادم كيف عرفت محمدا ولم أخلقه، قال: لأنك يا رب لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبة: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك» الحديث؛ ورواه الحاكم[6] وصححه، ووصفه السبكي بأنه جيد[7]، وأخرجه الطبراني في الأوسط[8] والصغير[9].
وفي كتاب الأدب المفرد[10] للبخاري عن عبد الرحمن بن سعد قال: «خدرت رجل ابن عمر فقال له رجل: اذكر أحب الناس إليك فقال: يا محمد، فذهب خدر رجله» ا. هـ.
وفي كتاب الحكايات المنشورة للحافظ الضياء المقدسي الحنبلي، أنه سمع الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي يقول: إنه خرج في عضده شيء يشبه الأمل فأعيته مداواته، ثم مسح به قبر أحمد بن حنبل فبريء ولم يعد إليه، وهذا الكتاب بخط الحافظ المذكور محفوظ بظاهرية دمشق.
وأخرج أحمد في المسند[11] بإسناد حسن كما قال الحافظ ابن حجر أن الحرث بن حسان البكري قال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم): «أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد». ولفظ الحديث كما في مسند أحمد: حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا زيد بن الحباب قال حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي قال ثنا عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن الحرث بن يزيد البكري[12] قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فمررت بالربذة فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها، فقالت لي: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حاجة فهل أنت مبلغي إليه، قال: فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق وبلال متقلد السيف بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقلت: ما شأن الناس، قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها، قال: فجلست، قال: فدخل منزله أو قال: رحله، فاستأذنت عليه فأذن لي فدخلت فسلمت، فقال: هل كان بينكم وبين بني تميم شيء، قال: فقلت نعم، قال: وكانت لنا الدبرة عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب، فأذن لها فدخلت، فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين بني تميم حاجزة فاجعل الدهناء، فحميت العجوز واستوفزت قالت: يا رسول الله فإلى أين تضطر مضرك؟ قال: قلت إنما مثلي ما قال الأول: معزاء حملت حتفها، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصمة، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد، قال: هيه وما وافد عاد؟ – وهو أعلم بالحديث منه ولكن يستطعمه – قلت: إن عادة قحطوا فبعثوا وافدة لهم يقال له قيل، فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرة يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال تهامة فنادى: اللهم إنك تعلم أني لم أجيء إلى مريض فأداويه ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادة ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر، فأومأ إلى سحابة منها سوداء فنودي منها: خذها رمادا رمددا لا تبقي من عاد أحدة، قال: فما بلغني أنه بعث عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا، قال أبو وائل: وصدق، قال: فكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدة لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد. ا. هـ
فماذا يقول هؤلاء الجاعلون التوسل بالنبي شركا في إيراد أحمد بن حنبل لهذا الحديث أيجعلونه مقررا للشرك أم ماذا يقولون؟
قال ابن الحاج المالكي المعروف بإنكاره للبدع في كتابه المدخل[13] ما نصه: فالتوسل به عليه الصلاة والسلام هو محل حط أحمال الأوزار وأثقال الذنوب والخطايا لأن بركة شفاعته عليه الصلاة والسلام وعظمها عند ربه لا يتعاظمها ذنب، إذ إنها أعظم من الجميع، فليستبشر من زاره ويلجأ إلى الله تعالى بشفاعة نبيه عليه الصلاة والسلام من لم يزره، اللهم لا تحرمنا من شفاعته بحرمته عندك عامين يا رب العالمين.
ومن اعتقد خلاف هذا فهو المحروم، ألم يسمع قول الله عز وجل: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) [سورة النساء / 64]. فمن جاءه ووقف ببابه وتوسل به وجد الله توابا رحيما، لأن الله عز وجل منزه عن خلف الميعاد وقد وعد سبحانه وتعالى بالتوبة لمن جاءه ووقف ببابه وسأله واستغفر ربه، فهذا لا يشك فيه ولا يرتاب إلا جاحد للدين معاند لله ولرسوله (صلى الله عليه وسلم)، نعوذ بالله من الحرمان. ا. هـ. كلام ابن الحاج.
وأخرج الطبراني في معجميه الكبي[14] والصغير[15] عن عثمان بن حنيف أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف فشكى إليه ذلك فقال: ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضي لي» ثم رح حتى أروح معك فانطلق الرجل ففعل ما قال ثم أتى باب عثمان، فجاء البواب فأخذه بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه على طنفسته فقال: ما حاجتك، فذكر له حاجته فقضى له حاجته، وقال ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة؛ ثم خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال: جزاك الله خيرا ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقد أتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال (صلى الله عليه وسلم): «إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك، قال: يا رسول الله إنه شق علي ذهاب بصري وإنه ليس لي قائد، فقال له: «ائتي الميضأة فتوضأ وصل ركعتين ثم قل هؤلاء الكلمات»، ففعل الرجل ما قال، فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا المجلس حتى دخل علينا الرجل وقد أبصر كأنه لم يكن به ضر قط. قال الطبراني: والحديث صحيح. ففيه دليل على أن الأعمى توسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) في غير حضرته، بل ذهب إلى الميضأة فتوضأ وصلى ودعا باللفظ الذي علمه رسول الله، ثم دخل على النبي (صلى الله عليه وسلم) والنبي لم يفارق مجلسه لقول راوي الحديث عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا المجلس حتى دخل علينا وقد أبصر[16].
فإن قيل: إن الطبراني لم يصحح بقوله: «والحديث صحيح» إلا الأصل وهو ما حصل بين النبي والأعمى ويسمي مرفوعا، وأما ما حصل بين عثمان بن حنيف وذلك الرجل فلا يسمى حديثة لأنه حصل بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) وإنما يسمى موقوفا.
فالجواب: أن علماء الحديث يطلقون الحديث على المرفوع والموقوف، وقد نص على ذلك غير واحد منهم كابن حجر العسقلاني[17] وابن الصلاح[18]، وفي كتاب فتاوى الرملي[19] الموجود بهامش الفتاوى الكبرى ما نصه: «سئل عن تعريف الأثر فأجاب: إن تعريف الأثر عند المحدثين هو الحديث سواء أكان مرفوعا أو موقوفا وإن قصره بعض الفقهاء على الموقوف» ا. هـ. فدعوى الألباني وبعض تلامذته وحملهم قول الطبراني: «والحديث صحيح» على ما حصل للأعمى مع رسول الله دون ما حصل للرجل مع عثمان بن حنيف دعوى باطلة مخالفة لقواعد الاصطلاح.
ذكر المناوي[20] في حديث: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة»، قال ابن عبد السلام: ينبغي كونه مقصورا على النبي (صلى الله عليه وسلم) وأن لا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء لأنهم ليسوا في درجته وأن يكون مما خص به، قال السبكي: يحسن التوسل والاستعانة والتشفع بالنبي إلى ربه، ولم ينكر ذلك أحد من السلف ولا الخلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك وعدل عن الصراط المستقيم وابتدع ما لم يقله عالم قبله وصار بين أهل الإسلام ممثلة. اهـ.
ومما يدل على جواز التوسل أيضا ما رواه البخاري[21] ومسلم[22] عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: «انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى أواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا ما، فنأى بي طلب الشجر يوما فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما[23] فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي، فاستيقظا فشربا غبوقهما؛ اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه”، الحديث إلى ءاخره. فإذا كان التوسل بالعمل الصالح جائزا فكيف لا يصح بالذوات الفاضلة كذوات الأنبياء، فهذا يكفي دليلا لو لم يكن دليل سواه للتوسل بالأنبياء والأولياء.
وذكر المرداوي الحنبلي أيضا في كتاب الإنصاف[24] تحت عنوان فوائد ما نصه: «ومنها (أي ومن الفوائد) يجوز التوسل بالرجل الصالح على الصحيح من المذهب وقيل يستحب». فماذا يقول هؤلاء عن المذهب الحنبلي الذي قرر أن التوسل بالنبي بعد موته سنة على رأي، وجائز فقط على رأي فهل يكفرون الحنابلة؟ وما معنى اعتزاز هؤلاء بأحمد مع أن أحمد في واد وهم في واد ءاخر؟ وقد قال الإمام أحمد للمروالروذي[25]: «يتوسل – أي الداعي عند القحط وقلة المطر أو انقطاعه – بالنبي (صلى الله عليه وسلم) في دعائه».
وفي كتاب إتحاف السادة المتقين[26] بشرح إحياء علوم الدين ما نصه: «وكان صفوان بن سليم المدني أبو عبد الله، وقيل أبو الحرث القرشي الزهري الفقيه العابد وأبوه سليم مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال أحمد: هو يستسقى بحديثه وينزل القطر من السماء بذكره، وقال مرة: هو ثقة من خيار عباد الله الصالحين، قال الواقدي وغيره مات سنة مائة واثنتين وثلاثين عن اثنتين وسبعين سنة. ا. هـ. أي أنه توفي قبل أن يولد الإمام أحمد. فهذا أحمد لم يقل يستسقى بدعائه كما يقول ابن تيمية إن التوسل بدعاء الشخص لا بذاته ولا بذكره، بل جعل أحمد ذكره سببة لنزول المطر، فمن أين تحريف ابن تيمية للتوسل بالذوات الفاضلة؟
وفي فتاوى شمس الدين الرملي[27] ما نصه: «سئل عما يقع من العامة من قولهم عند الشدائد: يا شيخ فلان، يا رسول الله، ونحو ذلك من الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين فهل ذلك جائز أم لا؟ وهل للرسل والأنبياء والأولياء والصالحين والمشايخ إغاثة بعد موتهم؟ وماذا يرجح ذلك؟
فأجاب: بأن الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين جائزة، وللرسل والأنبياء والأولياء والصالحين إغاثة بعد موتهم، لأن معجزة الأنبياء وكرامات الأولياء لا تنقطع بموتهم، أما الأنبياء فلأنهم أحياء في قبورهم يصلون ويحجون كما وردت به الأخبار وتكون الإغاثة منهم معجزة لهم، وأما الأولياء فهي كرامة لهم فإن أهل الحق على أنه يقع من الأولياء بقصد وبغير قصد أمور خارقة للعادة يجريها الله تعالى بسببهم». ا. هـ.
قال نور الدين علي القاري في شرح المشكاة ما نصه: قال شيخ مشايخنا علامة العلماء المتبحرين شمس الدين بن الجزري في مقدمة شرحه للمصابيح المسمى بتصحيح المصابيح: إني زرت قبره بنيسابور (يعني مسلم بن الحجاج القشيري) وقرأت بعض صحيحه على سبيل التيمن والتبرك عند قبره ورأيت ءاثار البركة ورجاء الإجابة في تربته. ا. هـ.
______________________________________

[1] . تاريخ بغداد (1/ 122 – 125).

[2] . وفيات الأعيان (6/ 394).

[3] . بليدة حصينة من نواحي نيسابور، معجم البلدان (1/ 177).

[4] . الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 92 – 93).

[5] . دلائل النبوة (5/ 498).

[6] . مستدرك الحاكم، کتاب التاريخ (2/ 615).

[7] . انظر شفاء السقام ص 163.

[8] . عزاه له الهيثمي في مجمع الزوائد (8/ 253) وقال: وفيه من لم أعرفهم.

[9] . المعجم الصغير (ص/ 355).

[10] . الأدب المفرد (ص/ 324).

[11] . مسند احمد (3/ 481 – 482).

[12] . الحارث بن حسان البكري ويسمى الحارث بن يزيد البكري كما في الإصابة للحافظ ابن حجر العسقلاني.

[13] . انظر الجزء الأول من الكتاب (ص/ 259 – 260).

[14] . المعجم الكبير (9/ 17 – 18).

[15] . المعجم الصغير (ص 201 – 202).

[16] . المعجم الكبير للطبراني (9/ 17 – 18)، والمعجم الصغير له أيضا، (ص/ 201 – 202). قال الطبراني: والحديث صحيح.

[17] . انظر تدريب الراوي (1/ 42).

[18] . مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث (ص/ 23).

[19] . حاشية الفتاوى الكبرى لابن حجر الهيتمي (4/ 371).

[20] . فيض القدير (2/ 134).

[21] . صحيح البخاري: كتاب البيوع: باب إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه فرضي.

[22] . صحيح مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب قصة أصحاب الغار الثلاثة، والتوسل بصالح الأعمال.

[23] . الغبوق: الطعام الذي يكون في النصف الأخير من النهار كالذي يؤكل العصر.

[24] . الإنصاف (6/ 456).

[25] . الإنصاف (2/ 456).

[26] . إتحاف السادة المتقين (10/ 130).

[27] . حاشية الفتاوى الكبرى لابن حجر الهيتمي (4/ 382).

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد