ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 5 يناير 2018 زيارة: 210

عودة الشرك إلى الأمة من جديد

(غير مصنفة)
تأليف: بدر الوراد

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين .

ورضي الله عن أصحابه المتقين …. وبعد:- قد انتشر بين الناس فكر باطل – حسب ما أراه – أن الأمة قد وقع الشرك فيها، وأن الشرك قد انتشر في حقبة من الأحقاب ، وفي فترة من الزمن ، بحيث أن غالب الأمة قد أشركت وتخللها الشرك بطريقة أو بأخرى إلا النفر القليل الذين يعدون بالأصابع ممن ظل على الإسلام وتعاليمه السمحة ، فجددوا في الأمة توحيد الله تعالى ، وخلّصوا الأمة من أوحال الشرك بالله تعالى ومن كيد الشيطان الرجيم.

والمقصود بالشرك هنا ، هو الشرك الأكبر المخرج من الملة والذي لا يغفر الله به يوم القيامة لقوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) سورة النساء.

أما الرياء وهو شرك أصغر وصاحبه غير مرتد ولا يخرج من الإسلام، وفي يوم القيامة يكون تحت مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، والشرك الأصغر يقع في الأمة ، ولذا خشي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أمته من الرياء في أحاديث نذكر منها ما يلي:-

في مسند الإمام أحمد عن محمود بن لبيد أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء ، يقول الله عزَّ وجلَّ لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤن في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء».

وحديث آخر في مسند الإمام أحمد ( 5/105 ) والمستدرك للحاكم (4/330 ) عن شداد بن أوس «أنه بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: شيئاً سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقوله فذكرته فأبكاني، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: أتخوّف على أمتي الشرك والشهوة الخفية، قال: قلت: يا رسول الله أتشرك أمتك من بعدك؟ قال: نعم، أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً ولكن يراؤون بأعمالهم، والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائماً فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه».

ولهذا فإن الشرك الخفي هو الرياء ، وهذا النوع هو شرك خفي خفيف أخف من دبيب النملة يقع فيه المؤمن إن لم يتداركه الله برحمته، فإن المؤمن لابد أن يجعل عمله خالصا لوجه لله تعالى لا يريد به رياءً ولا سمعةً حتى يقبل عمله عند الله جل وعلا.

وأما الذي ننفيه عن هذه الأمة هو الشرك الأكبر المخرج عن الملة والذي لا يغفر الله لمن أشرك به، مثل من عبد شيئا دون الله تعالى أو معه، أو جعل هناك ندا وأندادا لله تعالى، أو يعظم شيئا من دون الله جل وعلا ، أو يساوي شيئا بالله تبارك وتقدس، يعني بالمختصر المفيد أن يجعل لله ندا ومثيلا ونظيرا ، في العبادة والخشية والتعظيم والتقديس ..إلخ.

فهذا النوع منفي عن هذه الأمة بالأحاديث الصحيحة والصحيح لغيره وغيرها من تلك الأحاديث في الكتب الستة وغيرها من كتب الحديث… ومنها ما يلي:- جاء في صحيحي البخاري ومسلم وسنن الكبرى للبيهقي وغيرهم عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرِ الجهني قال: قال رسول الله – (صلى الله عليه وسلم): «… إِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي. وَلكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا، وَتَقْتَتِلُوا، فَتَهْلِكُوا، كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ». قَالَ عُقْبَةُ: فَكَانَتْ آخِرَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ عَلَى الْمِنْبَرِ… اللفظ لمسلم.

وفي مسند الإمام أحمد وفيه عن جابر بن عبد الله عن النبيّ (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: «إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ ، وَلٰكِنْ في التَّحْرِيش بَيْنَهُمْ» .

ولفظ آخر وفيه «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطانُ أنْ يَعْبُدَهُ المسلمونَ، وَلٰكِنْ في التَّحْرِيش بَيْنَهُمْ» .

وفي سنن الكبرى للبيهقي وفيه عن سليمان بن عمرو عن أبيه ، قال:

شهدت رسول الله في حَجَّة الوداع يقول: «يا أيها النَّاسُ ثلاث مَرّاتٍ أَيّ يومٍ هذا؟ قالوا: يوم النحر يوم الحجِّ الأكبر. قال: فإنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا ألا يجني جان على ولده ولا مولودٌ على والِدِهِ ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلدكم هذا أبداً ولكن ستكون له طاعةٌ في بعض ما تحتقرون من أعمالكم فيرضى ألا وإن كلّ ربى من ربى الجاهلية يوضَع لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون … الحديث ». ( 2/444)

وفي مجمع الزوائد (10/26) وفيه وعن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت ، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حدثنا: «أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ» قلت: فذكر الحديث.

وقال الحافظ الهيثمي: رواه الطبراني وإسناده حسن.

في مسند الإمام أحمد ( 5/105 ) والمستدرك للحاكم (4/330 ) عن شداد بن أوس «أنه بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: شيئاً سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقوله فذكرته فأبكاني، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: أتخوّف على أمتي الشرك والشهوة الخفية، قال: قلت: يا رسول الله أتشرك أمتك من بعدك؟ قال: نعم، أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً ولكن يراؤون بأعمالهم، والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائماً فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه».

ولفظ آخر وهو فقد روى الإمام أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك (4/330 ) من رواية عن عبد الواحد بن زيد عن عبادة بن نسي قال: دَخَلْتُ عَلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ فِي مُصَلاَّهُ وَهُوَ يَبْكِي، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ مَا الَّذِي أَبْكَاكَ؟

قَالَ: حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ . قُلْتُ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ إذْ رَأَيْتُ بِوَجْهِهِ أَمْراً سَاءَنِي، فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الَّذِي أَرَى بِوَجْهِكَ. قَالَ: «أَمْراً أَتَخَوَّفُهُ عَلَى أُمَّتِي: الشِّرْكُ، وَشَهْوَةٌ خَفِيَّةٌ».

قُلْتُ: وَتُشْرِكُ أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: «يَا شَدَّادُ إنَّهُمْ لاَ يَعْبُدُونَ شَمْساً وَلاَ وَثَناً وَلاَ حَجَراً وَلكِنْ يُرَاؤُونَ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ».

قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّيَاءُ شِرْكٌ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: فَمَا الشَّهْوَةُ الخَفِيَّةُ؟ قَالَ: «يُصْبِحُ أَحَدُهُمْ صَائِماً فَتَعْرِضُ لَهُ شَهْوَةٌ مِنْ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا فَيُفْطِرُ». قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

وفي مسند الإمام أحمد أيضا أن عبادة بن الصامت وأبو الدرداء قالا لشداد بن أوس عندما قال أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخشى على أمته الشهوة الخفية والشرك فقالا له:” فقال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: اللهم غفراً أولم يكن رسول الله قد حدَّثنا أن الشيطان قد يئس أن يُعبد في جزيرة العرب؟! … الحديث” (4/126)

فكل ما سبق يؤكد أن هذه الأمة لا تقع في الشرك الأكبر المخرج من الملة والتي لا يغفر الله لفاعله ومعتقده يوم القيامة ، أما الشرك الأصغر فأمره مختلف تماما.

ولكن جاء في الحديث الشريف قول النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تقومُ الساعة حتى تَضطَربَ ألياتُ نساءِ دَوسٍ على ذي الخلَصة». وذو الخلصة: طاغية دوسٍ التي كانوا يَعبدون في الجاهلية. كما جاء في صحيح البخاري.

وجاء في سنن الترمذي وفيه عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ ،: قَالَ رَسُولُ الله: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بالمُشْرِكِينَ وَحَتَّى يَعْبُدُوا الأوْثَان وإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي ثَلاَثُونَ كَذَّابُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي».

قال أبو عِيسَى: هَذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .

فهل تلك الأحاديث تتعارض مع ما قلناه وقررناه ؟؟؟

فتلك الأحاديث تتكلم عن آخر الزمان قبل قيام الساعة، عندما يموت مؤمن وكل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ، ولا يبقى سوى شرار الخلق الذين يعيدون عبادة الأصنام كما كانت تفعل أهل الجاهلية، فترجع الجاهلية من جديد، وقد جاءت أحاديث تشير إلى ذلك تماما كما في صحيح مسلم وفيه عن سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهما) مرفوعا: يخرج الدجال في أمتي … إلى أن قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : ثُمَّ يُرْسِلُ اللّهُ رِيحاً بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّأْمِ. فَلاَ يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلاَّ قَبَضَتْهُ. حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبَدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ، حَتَّى تَقْبِضَهُ».

ثم يقول (عليه الصلاة والسلام): «فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلاَمِ السِّبَاعِ. لاَ يَعْرِفُونَ مَعْرُوفاً وَلاَ يُنْكِرُونَ مُنْكَراً. فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: أَلاَ تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الأَوْثَانِ. ..الحديث».

والمؤمنون الصالحون باقون من علماء ومجتهدين وأولياء وغيرهم حتى تخرج الريح في ذلك الزمان فتقبض أرواحهم ويدلك على ذلك حديث عن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: «لا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلى أَبْوَابِ دِمَشْقَ وَمَا حَوْلَهُ، وعَلى أَبْوَابِ بَيْتِ المَقْدِسِ ومَا حَوْلَهُ، لا يَضُرُّهُمْ خُذْلاَنُ مَنْ خَذَلَهُمْ، ظَاهِرِينَ عَلى الحَقِّ إلى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ». رواه أبو يعلى ورجاله ثقات. ( رقم 6422).

من أجل ذلك تخرج الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين فلا يبقى سوى شرار الخلق هذا ما رواه الحاكم من رواية عبد الرحمن بن شماسة أن عبد الله بن عمرو قال” لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق هم شر من أهل الجاهلية.

فقال عقبة بن عامر: عبد الله أعلم ما يقول، وأما أنا فسمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك.

فقال عبد الله” أجل، ويبعث الله ريحا ريحها ريح المسك ومسها مس الحرير فلا تترك أحدا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس فعليهم تقوم الساعة” .

والذي يؤكد على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب الفتن باب تغيير الزمان وفيه عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أنَّ رسولَ اللَّه (صلى الله عليه وسلم) قال: «لا تقومُ الساعة حتى تَضطَربَ ألياتُ نساءِ دَوسٍ على ذي الخلَصة». وذو الخلصة: طاغية دوسٍ التي كانوا يَعبدون في الجاهلية.

فمن أجل ذلك ترجع الجاهلية من جديد وعبادة الأوثان بعد أن يفنى جميع من في قلبه ولو مثقال جبة من إيمان فلا يبقَ سوى شرار الناس فيخرج لهم الشيطان كما جاء به الحديث في صحيح مسلم كتاب الفتن باب خروج الدجال مكثه في الأرض:” فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: أَلاَ تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الأَوْثَانِ.” .

أما في أيامنا هذه فلا يوجد من يؤمن بالله ورسوله سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من يعبد أو يعظم أو يحب شيئا من دون الله أو مع الله تعالى أو يساويه به جل وعلا… حتى زمن الردة في عهد سيدنا أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) لم يكن ارتداد العرب بشرك، وهو الشرك الأكبر بل كان ارتدادهم عبارة عن كفر بالدين وإنكار شيئا معلوما من الدين بالضرورة، مثل من يدعي النبوة ، ومنهم من جحد الزكاة ، وكلا الأمرين كفر وصاحبه خارج عن الإسلام مرتدا، ولكن لم يبنوا التماثيل وعبدوها من دون الله تعالى.

وذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه” فتح الباري” ( 14/583 ) نشر دار الفكر ما نصه: ” … إذا بعث الله الريح الطيبة فقبضت روح كل مؤمن لم يبق إلا شرار الناس، وقد أخرج مسلم من حديث ابن مسعود رفعه” لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس” وذلك إنما يقع بعد طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وسائر الآيات العظام، وقد ثبت أن الآيات العظام مثل السلك إذا انقطع تناثر الخرز بسرعة، وهو عند أحمد وفي مرسل أبي العالية” الآيات كلها في ستة أشهر” وعن أبي هريرة في” ثمانية أشهر” وقد أورد مسلم عقب حديث أبي هريرة من حديث عائشة ما يشير إلى بيان الزمان الذي يقع فيه ذلك ولفظه” لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى”

وفيه” يبعث الله ريحا طيبة فتوفى كل من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم”

 وعنده في حديث عبد الله بن عمرو رفعه” يخرج الدجال في أمتي” الحديث

وفيه” فيبعث الله عيسى بن مريم فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال حبة من خير أو إيمان إلا قبضته”

 وفيه” فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا، فيتمثل لهم الشيطان فيأمرهم بعبادة الأوثان، ثم ينفخ في الصور” فظهر بذلك أن المراد بأمر الله في حديث” لا تزال طائفة” وقوع الآيات العظام التي يعقبها قيام الساعة ولا يتخلف عنها إلا شيئا يسيرا، ويؤيده حديث عمران بن حصين رفعه” لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم الدجال” أخرجه أبو داود والحاكم، ويؤخذ منه صحة ما تأولته، فإن الذين يقاتلون الدجال يكونون بعد قتله مع عيسى، ثم يرسل عليهم الريح الطيبة فلا يبقى بعدهم إلا الشرار كما تقدم …” اهـ المراد منه.

إذن تقوم الساعة على شرار الخلق وهم أشر من أهل الجاهلية، وهم الذين يعيدون عبادة الأوثان والشرك الأكبر في هذه الأمة، أما الموحدون الظاهرون على الحق سيموتون جميعا في ذلك الوقت عند خروج العلامات الكبرى ليوم القيامة، إذن فالحديث ليس له علاقة لا من قريب ولا من بعيد عن هذه الأمة التي ستشرك بالله عز وجل وتعيد دين الجاهلية في أيامنا هذه أو بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة .

لعل قائل يقول: لا نقصد عبادة الأوثان وبناء هيكل الأصنام كاللات والعزى وهبل وغيرهم ، بل هناك أمور وقع فيها المسلمون في الشرك الأكبر مثل الحلف بغير الله تعالى ، والذبح لغير الله عز وجل وكذلك النذور ، واستخدام التولة والتمائم فهذه الأمور من الشركيات فهذا ما نعنيه.

الجواب عليه الآتي:

الذبح لغير الله تعالى، والمقصود منه أن يذبح الذابح ولا يذكر اسم الله تعالى على الذبيحة، وهذا الفعل حرام ، وفاعله أرتكب الحرام ولكنه لم يشرك بالله عز وجل الإشراك الأكبر، إلا في حالة واحدة إذا قصد في ذبحه تعظيم شيئا كتعظيم الله عز وجل ، في هذه الحالة يكون قد أشرك الشرك الأكبر.

فمن ذبح الذبيحة وقال باسم الكعبة أو باسم الصليب أو أي شيء آخر فذبيحته تعتبر كالميتة لا تؤكل منها شيئا ، والذابح وقع في الحرام ، وإليك كلام الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ( 13/141 ) في كتاب الأضاحي باب تحريم الذبح لغير الله تعالى ولعن فاعله، يقول ما نصه:

” … وأما الذبح لغير الله فالمراد به أن يذبح باسم غير الله تعالى كمن ذبح للصنم أو للصليب أو لموسى أو لعيسى صلى الله عليهما أو للكعبة ونحو ذلك فكل هذا حرام، ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلماً أو نصرانيا أو يهوديا، نص عليه الشافعي واتفق عليه أصحابنا، فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله تعالى والعبادة له كان ذلك كفراً، فإن كان الذابح مسلماً قبل ذلك صار بالذبح مرتداً” اهـ

وكلام الإمام النووي واضح كل الوضوح ولا يحتاج الأمر إلى شرح في مسألة الشرك بالذبح لغير الله تعالى.

وتجد بعض الناس من يقول: ذبحت لضيفي فلان، أو ذبحت لفلان، وهل يعني بذلك أنه ذبح الذبيحة عبادة له؟!! أو تعظيما له من دون الله تعالى؟!! كلا، إنما أراد إكرام الضيف من واجب القرى فلذلك كان تعبير الناس بهذا الشكل: ذبحت لفلان.

وبالنسبة للحلف بغير الله تعالى نقول:

الحلف بغير الله تعالى حرام لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما روى البخاري ومسلم عن عبد اللّه بن عمرَ رضيَ اللّه عنهما «أنَّ رسولَ اللّه (صلى الله عليه وسلم) أدرك عمرَ بن الخطاب ـ وهو يسيرُ في ركب، يَحلفُ بأبيه ـ فقال: ألا إن اللّه ينهاكم أنْ تَحلِفوا بآبائكم، من كان حالفاً فلْيحلِف باللّه، أو ليصمت».

والحالف بغير الله فعل المنهي عنه، ولا يكون الحلف شركا أكبرا إلا إذا قصد التعظيم كتعظيم الله تبارك وتعالى، وهذا لا يفعله أجهل جاهل في المسلمين.

وقد ثبت أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حلف بغير اسم الله تعالى قال للأعرابي الذي سأله عن الإسلام : «أَفْلحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ، وَدَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ». أخرجه مسلم في صحيحه وكذا في سنن أبي داود والدارمي والبيهقي في السنن الكبرى وابن خزيمة في صحيحه واللفظ لأبي داود ،وهذا النوع جارٍ حسب العادة في أسلوب العرب لا يقصدون منه الحلف من ناحية تعظيم المحلوف به كتعظيم الله تبارك وتعالى.

وأما اللفظ الذي في صحيح مسلم وهو.

حدّثني يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ جَميعا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْن عُبَيْد اللّهِ، عَنِ النَّبِيَّ بِهذَا الْحَدِيثِ. نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ «أَفْلَحَ، وَأَبِيِه، إِنْ صَدَقَ» أَوْ «دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَأَبِيِهِ، إِنْ صَدَقَ». ( 1/41 ).

وقيل أن هذا الخلف كان منه (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل أن يحرّم ، ونفهم من ذلك أن العرب كانت تحلف بآبائها لا يريدون منه العظيم كتعظيم الله أو كتعظيم آلهتهم التي يعبدونها كما حلف أبو جهل بوالد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند مرض موت أبي طالب وكانت قريش مجتمعة عند داره عندما طلب منهم النبي (عليه الصلاة والسلام) أن يقولوا كلمة يملكوا بها العرب والعجم، فقال أبو جهل: إي وأبيك وعشر منها … فاتضح أن ذلك من أسلوب العرب.

أما الحلف بشيء له حرمة مثل الكعبة والمشعر الحرام والأنبياء ، فالعلماء اختلفوا فيه فمنهم من يقول أنه حرام ، ومنهم من يقول أنه مكروه ، ولا يكون شركا إلا إذا قصد التعظيم المحلوف به كتعظيم الله تبارك وتعالى. وهذا منفي عن هذه الأمة. وقد تكلم حول هذا الأمر شيخنا الحبيب زين بن سميط الباعلوي الشافعي في كتابه” الأجوبة الغالية” بشرح وافٍ.

ولابن تيمية كلام حول الحلف في مجموع الفتاوى ذكر أن الإمام أحمد بن حنبل (رحمه الله) أجاز الحلف بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكما يفعل إخواننا المصريون يكثرون الحلف بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا مشهور عنهم.

وبالنسبة للتولة والتمائم، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :” إن الرقى والتمائم والتولة شركٌ” رواه أحمد والحاكم ( 4/217 ) وهو صحيح.

يقول العلامة المحدث الشيخ المناوي (رحمه الله) في كتابه فيض القدير ( 2/342 ) ما نصه: ” إن الرقي : أي التي يفهم معناها إلا التعوذ بالقرآن ونحوه فإنه محمود ممدوح، والتمائم: جمع تميمة وأصلها خرزات تعلقها العرب على رأس الولد لدفع العين وتوسعوا فيها فسموا بها كل عوذة.

والتولة: بكسر التاء وفتح الواو كعنبة ما يحبب المرأة إلى الرجل من السحر[ والتولة] شرك أي من الشرك سماها شركًا لأن المتعارف منها في عهده ما كان معهودًا في الجاهلية وكان مشتملا على ما يتضمن الشرك أو لأن اتخاذها يدل على اعتقاد تأثيرها ويفضي إلى الشرك.

ذكره القاضي وقال الطيبي (رحمه الله) المراد بالشرك اعتقاد أن ذلك سبب قوي له تأثير وذلك ينافي التوكل والانخراط في زمرة الذين لا يسترقون ولا يتطيّرون وعلى ربهم يتوكلون، لأن العرب كانت تعتقد تأثيرها وتقصد بها دفع المقادير المكتوبة عليهم فطلبوا دفع الأذى من غير الله تعالى وهكذا كان اعتقاد الجاهلية فلا يدخل في ذلك من كان بأسماء الله وكلامه ولا مَنْ عَلّقها تبركًا بذكر الله عالمًا أنه لا كاشف إلا الله فلا بأس به” اهـ… وما بين المعكوفتين [ ] زيادة مني للتوضيح.

أظن أن شرحَ الحافظ الإمام المناوي شرح كافٍ ليس عليه من مزيد.

فمن يعتقد أن التمائم والدواء مثل الأسبرين أو البنادول أو الدكتور المعالج وغيره ينفع بذاته من دون الله تعالى فقد أشرك شركا أكبرا، وما أظن أي جاهل في المسلمين يعتقد ذلك ، فالدواء والتمائم وغيرها ما هي إلا أسباب والمسبب والفاعل هو الله تعالى ، فنحن نأخذ بالأسباب ونكل الأمور الأخرى إلى الله تعالى ، فإذا شاء الله تعالى عافانا بسبب هذا الدواء وتلك التمائم وغيرها، وليس أن تلك الأشياء تفعل من ذاتها ، فالكل تحت مشيئة الله وقَدَرِهِ جل وعلا .

كتبه بدر الوراد

‏21/‏صفر/‏1432

25/يناير/2011

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد