ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 12 أكتوبر 2018 زيارة: 34

فائدة في بيان جواز نداء النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد وفاته

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: عمدة الكلام في إثبات التوسل والتبرك بخير الأنام (31-36).
تأليف: عماد الدين جميل حليم الحسيني

تقدم أن البخاري ذكر في كتابه الأدب المفرد جواز نداء النبي بعد موته بـ “یا محمد” وذلك خلاف معتقد الوهابية فإنه عندهم شرك، وأورده أيضا ابن السني في كتابه عمل “اليوم والليلة”[1]، ونص البخاري في كتابه المذكور:

باب ما يقول الرجل إذا خدرت رجله: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن سعد قال: خدرت رجل ابن عمر فقال له رجل: أذكر أحب الناس إليك ؟ فقال: يا محمد[2] اهـ. وأورده ابن تيمية في كتابه المشهور الكلم الطيب[3] ونص عبارته:«فصل في الرجل إذا خدرت رجله»[4]: عن الهيثم بن حنش قال: كنا عند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فخدرت رجله فقال له رجل: أذكر أحب الناس إليك، فقال: يا محمد فكأنما نشط من عقال» اهـ.

وذكره الحافظ شیخ القراء ابن الجزري في كتابيه: الحصن الحصين وعدة الحصن الحصين، وذكره الشوكاني أيضا في كتابه «تحفة الذاکرین»[5] وهو غير مطعون به عندهم، ورواه أيضا ابن الجعد[6].

وهذا الذي حصل من عبد الله بن عمر استغاثة برسول الله بلفظ “یا محمد”، وذلك عند الوهابية كفر أي الاستغاثة به (صلى الله عليه وسلم) بعد موته، فماذا تفعل الوهابية أيرجعون عن رأيهم من تكفير من ينادي “يا محمد” أم لايتبرءون من ابن تيمية في هذه القضية وهو الملقب عندهم شيخ الإسلام، فيا لها من فضيحة عليهم وهو إمامهم الذي أخذ منه ابن عبد الوهاب بعض أفكاره التي خالف بها المسلمين، وهم في هذه المسئلة على موجب عقيدتهم يكونون كفروا ابن تيمية لأنه استحسن ما هو شرك عندهم.

ولو قال أحدهم: ابن تيمية رواه من طريق راو مختلف فيه، يقال لهم: مجرد إيراده لهذا في هذا الكتاب دليل على أنه استحسنه إن فرض أنه يراه صحيحا وإن فرض أنه يراه غير ذلك، لأن الذي يورد الباطل في كتابه ولا يحذر منه فهو داع إلى ذلك الشيء، ومحاولة الألباني لتضعيف هذا الأثر لا عبرة بها، لأن الألباني محروم من الحفظ الذي هو شرط التصحيح والتضعيف عند أهل الحديث وقد اعترف في بعض المجالس بأنه ليس محدث حفظ بل قال: أنا محدث کتاب، وذلك بعد أن سأله محام سوري: يا أستاذ أنت محدث، فقال: نعم، فقال له: أتسرد لي عشرة أحاديث بأسانيدها، فأجابه الألباني: لا، أنا محدث کتاب، فأجابه المحامي: إذن أنا أستطيع أن أفعل ذلك. فخجله، فليعلم هو ومقلدوه أن تصحيحهم وتضعيفهم لغو في قانون أهل الحديث ولا اعتبار له، فليتوبوا إلى الله، فإن كان الرياء ساقهم إلى ذلك فالرياء من الكبائر.

تنبيه: قال بعض نفاة التوسل: قد كفانا أبو حنيفة رضي الله عنه المؤنة في إبطال التوسل حيث قال: أكره أن يقال: أسألك بحق فلان.

فالجواب: أن أهل المذهب الحنفي قالوا في تعليل ذلك إن مراد الإمام أن هذا اللفظ يوهم أن على الله حقا لغيره لازما له كما ذكر ذلك ابن عابدين في رد المحتار[7]، فيقال إنه کره هذا اللفظ فقط، ولم يقل إني أكره التوسل بالأنبياء والأولياء إلى الله حتى يحتج بأبي حنيفة في منع التوسل على الإطلاق إن كان بهذا اللفظ وإن كان بغيره كأسألك بجاه فلان أو بحرمة فلان، فلو كان مراد أبي حنيفة تحريم التوسل على الإطلاق بجميع صوره لكان أهل مذهبه يفهمون ذلك وتجنبوا التوسل على الإطلاق، بل هم يتوسلون كغيرهم لا يختلف في ذلك علماؤهم وعوامهم. ويقال على فرض ثبوت ذلك عن أبي حنيفة ليس فيه حجة على منع قول المتوسل: أسألك يا الله بحق رسول الله، أو نحو ذلك الثبوت هذا اللفظ في حديث ابن ماجه وأحمد وغيرهما[8]: «من قال إذا خرج إلى المسجد: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا…» الحدیث، فإن الحديث حسنه الحافظ ابن حجر في أماليه[9] كما تقدم، وكذا الحافظ الدمياطي[10]، والحافظ أبو الحسن المقدسي شيخ الحافظ المنذري[11]، والحافظ العراقي[12]

وأما ما يروى عن أبي يوسف أنه قال: «لا يدعى الله بغيره».

فالجواب: أنه لا حجة في ذلك لأنه مصادم للنص الثابت کحدیث الثلاثة الذين أووا إلى الغار، فنزلت صخرة من الجبل فسدت فم الغار، فدعا كل من الثلاثة بصالح عمله، فانفرجت الصخرة عنهم فخرجوا من الغار، وقد تقدم؛ رواه البخاري في صحيحه وغيره[13].

مسئلة: إن احتج مانعو التوسل بالأموات بقولهم: إنهم لا يسمعون وكذلك الحي الغائب، فلا معنى للتوسل بهم بأن يقال: يا رسول الله أغثني، أو: أتوجه بك إلى الله ليقضي لي حاجتي، لأنه لا يسمع، وأما الحي الحاضر فيسمع.

فيجاب بأنه لا مانع شرعا ولا عقلا من أن يسمع النبي أو الولي كلام من يتوسل به وهو في القبر، أما النبي فلأنه حي أحياه الله بعد موته كما ثبت من حديث أنس عن رسول الله أنه قال: «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون» صححه البيهقي في جزء حياة الأنبياء[14]، وأورده الحافظ ابن حجر على أنه ثابت في فتح الباري[15] وذلك لما التزمه أن ما يذكره من الأحاديث شرحا أو تتمة لحديث في متن البخاري فهو صحيح أو حسن، ذكر ذلك في مقدمة الفتح[16]. ولأنه ثبت حدیث: «ما من رجل مسلم يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه، إلا عرفه ورد عليه السلام». صححه الحافظ عبد الحق الإشبيلي[17].

وأما الغائب الحي فإنه يدل على صحة سماعه خطاب من يناديه من بعيد قصة عمر (رضي الله عنه) في ندائه جيشه الذي بأرض العجم بقوله: یا سارية الجبل الجبل فسمعه سارية بن زنيم، وكان سارية قائد الجيش فانحاز بجيشه إلى الجبل فانتصروا، صححها الحافظ الدمياطي في جزء ألفه لهذه القصة، ووافقه الحافظ السيوطي على ذلك وحسنها الحافظ ابن حجر في الإصابة[18]، وأوردها الحافظ الزبيدي في شرح القاموس[19] وقد أفرد القطب الحلبي لطرقه جزءا ووثق رجال هذا الطريق[20].

ومن الدليل على صحة سماع الغائب النداء من بعيد ما رواه الفاكهي أن ابن عباس قال: «قام إبراهيم على الحجر فقال: يا أيها الناس كتب عليكم الحج فأسمع من في أصلاب الآباء وأرحام النساء فأجابه من ءامن ومن كان سبق في علم الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك»، صححه الحافظ ابن حجر[21]. وهذا الذي ثبت عن ابن عباس مما لا يقال بالرأي إلا بالتوقيف وهو مما عرف وانتشر عند المفسرين المعنى قول الله تعالى: (وأذن في الناس بالحج) [سورة الحج: 27]، فما أبعد عن الحق من يقول من هؤلاء نفاة التوسل عن الأنبياء والأولياء بعد موتهم إنهم کالجماد وقد بلغ بعضهم في الوقاحة إلى أن قال: النبي لا ينفع بعد موته، ومنهم من يقول لقاصد زيارة الرسول ما تفعل بالعظم الرمیم، حمانا الله تعالى من صنيع هؤلاء الذين ضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، يزعمون أنهم بهذا يكونون أقوى من غيرهم في توحيد الله، وكفاهم خزيا اعتقادهم في الرسول أنه عظم رميم لم يبق له إحساس ولا شعور.

وفي الألفاظ الواردة في السلام على أهل القبور دلالة على سماع أهل القبور السلام الزائرين، وذلك في نحو قول الزائر: «السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم لنا ونحن بالأثر»[22]، أخرجه الترمذي وحسنه، وما ورد في صحيح مسلم بلفظ: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين»[23] إلى ءاخره، فلولا صحة سماع الميت لم يكن لهذا الخطاب معنى ولا حجة في استدلال نفاة التوسل بقول الله تعالى: (وما أنت بمسمع من في القبور) [سورة فاطر: 22] فإنه مؤول لا يحمل على الظاهر توفيقا بينه وبين ما ورد من الأحاديث التي ذكرناها، والمراد به تشبيه الكفار بمن في القبور في عدم انتفاعهم بكلامه وهم أحياء.

ومما يؤيد صحة سماع الموتی ما رواه البخاري[24] أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قام على القليب – قليب بدر – وفيه قتلى المشركين، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء ءابائهم: «يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان»، قال: فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا». قال: فقال عمر: یا رسول الله ما كلم من أجساد لا أرواح بها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم». وروى البخاري أيضا عن أنس عن النبي (صلى الله عليه وسلم) [25]: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم». فيقال للنفاة: النبي هو أفهم منكم ومن سائر الخلق بمعاني كتاب الله، فبعد هذا فقد انتسف تمويه ابن تيمية بقوله: لا يجوز التوسل إلا بالحي الحاضر.

وروى الترمذي[26] في سننه أن رجلا ضرب خباءه[27] ليلا على قبر فسمع من القبر قراءة تبارك الذي بيده الملك إلى ءاخرها، فلما أصبح ذكر ذلك لرسول الله فقال: «هي المانعة هي المنجية». حسنه السيوطي[28].

فإذا كان من على وجه الأرض عند القبر يسمع قراءة صاحب القبر، فأي مانع من أن يسمع صاحب القبر کلام من على وجه الأرض ولو كان في مسافة بعيدة من صاحب القبر بالنسبة لعباد الله الذين منحهم الله الكرامات.

_______________________________

[1]. أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (ص/ 72 – 73).

[2]. معناه ساعدنا بإذن الله. أو معناه أحبك قلبي متعلق بك. الملائكة يبلغونه وبعض يسمعهم ولو كانوا بأقصى الشرق.

[3]. الكلم الطيب (ص/ 73).

[4]. الخدر مرض مثل الشلل ليس تنميلا.

[5]. تحفة الذاکرین (ص/ 267).

[6]. مسند ابن الجعد (ص/ 369).

[7]. رد المحتار على الدر المختار (5/ 274).

[8]. أخرجه ابن ماجه في سننه: کتاب المساجد والجماعات: باب المشي إلى الصلاة عن أبي سعيد الخدري، وأحمد في مسنده (3/ 21) عنه، والطبراني في الدعاء (2/ 990)، والبيهقي في الدعوات (1/ 47).

[9]. نتائج الأفكار (1/ 272).

[10]. المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح (ص/ 471 – 472).

[11]. الترغيب والترهيب (2/ 273).

[12]. المغني عن حمل الأسفار (1/ 289).

[13]. تقدم تخريجه.

[14]. حياة الأنبياء بعد وفاتهم رقم/ 15.

[15]. فتح الباري (6/ 487).

[16]. مقدمة فتح الباري (ص/ 4).

[17]. إتحاف السادة المتقين (10/ 365)، فيض القدير (5/ 487)، العاقبة (ص/118).

[18]. الإصابة في تمييز الصحابة (2/ 2)، وانظر أسد الغابة (2/ 244).

[19]. تاج العروس في شرح القاموس فصل السين من باب الواو والياء.

[20]. کشف الخفا (2/ 515).

[21]. فتح الباري (3/ 406).

[22]. جامع الترمذي: کتاب الجنائز، باب ما يقول الرجل إذا دخل المقابر.

[23]. صحیح مسلم: کتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها.

[24]. صحيح البخاري: کتاب المغازي: باب قتل أبي جهل.

[25]. صحيح البخاري: کتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر.

[26]. جامع الترمذي: كتاب فضائل القرءان: باب ما جاء في فضل سورة الملك.

[27]. (المصباح) ما يعمل من وبر أو صوف وقد يكون من شعر والجمع أخبية ويكون على عمودين أو ثلاثة وما فوق ذلك فهو بيت.

[28]. الجامع الصغير (2/ 56) بنحوه.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد