ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 24 مايو 2019 زيارة: 463

فتاوى الأئمة النجدية في طوائف الأمة الحالية

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: النزعة التكفيرية في فكر الوهابية (ص151-162)
تأليف: الدكتور اليماني الفخراني

في المبحث السابق اتضح بما لا يدع مجالا للشك، وبما يكشف زيف شبه الوهابية من دعواهم رفضهم التكفير، انهم قد اعتبروا ابن عبد الوهاب قد جاء على فترة من الرسل، وأنه مبعوث العناية الإلهية، أنقذ الله به الناس من الضلالة، وفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، وبالتالي ليس كثيرا أن يطلب من أتباعه أن يحبوه أكثر من أموالهم وأولادهم وأنفسهم، وأيضا يطلب من أتباعه إلغاء اختيارهم إذا اختار لهم، وأن يسلموا بحكمه تسليما، ولا يسألوه في فتاويه، كيف أفتيت بهذا ولماذا أفتيت بكذا.

وفي هذا المبحث – بمشيئة الله تعالى – سيقوم الباحث ببيان فتاويهم في تكفير طوائف الأمة المسلمة، في زمان ابن عبد الوهاب وبعده، وكيف أن هذا الحكم التكفيري لم يتغير من وقت ابن عبد الوهاب، وحتى يوم الناس هذا، كما يتضمن هذا المبحث مظاهر هذا التكفير ومعالمه، وشبههم الواهية التي يكفرون بها المسلمين.

وفي هذا المبحث أيضا تتجلى العناية الإلهية، حين يعترف الوهابية وهم في معرض إدانة خصومهم بالتكفير، بيان حقيقة مخالفيهم من إخلاص التوحيد، وتقاء العبادة وصفائها من الشرك الذي يرمونهم به زورا وبهتانا، وهكذا شاءت عناية الله أن يسخر الوهابية للنطق بالحق في شأن خصومهم وهم لا يشعرون.

ففي معرض اعتراف الوهابية بأن خصومهم يؤمنون بأن النافع والضار هو الله فقط وبالتالي تسقط كل شبههم الواهية في تكفير المسلمين، ولكن أكثر الوهابية لا يعقلون ولا يفهمون ولا يفكرون، ولا ينفكون عن غيهم وجهلهم- ترى فتواهم التي يقولون فيها: ثم مع هذا عرفت أمرا آخر، وهو: أن أكثر الناس – مع معرفة هذا الدين – يسمعون العلماء، في سدير، والوشم، وغيرهما، إذا قالوا: نحن موحدون الله، نعرف ما ينفع ولا يضر إلا الله، وأن الصالحين لا ينفعون ولا يضرون، عرفت أنهم لا يعرفون من التوحيد، إلا توحيد الكفار، توحيد الربوبية، وعرفت: عظم نعمة الله عليك، خصوصا إذا تحققت أن الذي يواجه الله ولا عرف التوحيد، أو عرفه ولم يعمل به، أنه خالد في النار، ولو كان من أعبد الناس”[1].

ومع اعتراف الوهابية باعتقاد خصومهم من المسلمين بأن النافع والضار هو الله تعالى، وأنهم لا يعبدون إلا الله وحده لا شريك له، وأن أولياء الله لا ينفعون ولا يضرون، يفتون – بعد كل هذا – بأنهم لا يعرفون من التوحيد، إلا توحيد الكفار، وهو ما يسمونه توحيد الربوبية، ولا يتورعون عن الحكم عليهم بالخلود في النار، سبحانك هذا بهتان عظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ماذا يريدون منهم بعد ذلك إلا رقابهم، أو الانضمام إلى جيشهم؟

ومع اعتراف الوهابية بما سبق، يعترفون اعترافا آخر ينصف خصومهم، من حيث لا يشعرون، ولا يقل في أهميته عن الاعتراف الأول، ويتمثل هذا الاعتراف، بتدين مخالفيهم من المسلمين وورعهم وتقواهم، فلم يشفع لهم تدينهم وكثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم للقرآن الكريم، واعتبروا كل هذا هباء منثورا، وكالسراب البقيعة الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، تأمل فتواهم: “ولا يغرنك مع ذلك كثرة صلاة هؤلاء وصيامهم وقراءتهم، فإنهم ممن ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاء وذلك أنها لم تبن على أساس التوحيد الخالص، فكانت هباء منثورا، والأدلة من الكتاب والسنة على شركهم وإحباط عملهم كثيرة”[2].

وهذه الكلمات هي خير شاهد على تزييف الوهابية الوقائع والتاريخ، فهي تظهر بجلاء مدى تشويه الوهابية لخصومهم، وفي الوقت نفسه تبين لمن أحسن الظن بهم  من غيرهم كذبهم وتدليسهم، فكثير من هؤلاء يقولون أنتم لا تعرفون حال الناس في هذا الوقت الذي ظهرت فيه الوهابية، وهكذا يتلقون كلامهم بحسن ظن، وتسليم مطلق، فها هم يعترفون بتدين وورع وتقوى خصومهم، ثم يؤلهون أنفسهم حين يحكمون على ضمائر المسلمين، وعلى أعمالهم بعدم القبول، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الإقرار بتوحيد الربوبية لم يفرق يوما بين المسلمين والمشركين

وبعد هذين الاعترافين من الوهابية، بأن خصومهم، يؤمنون بأن النافع والضار هو الله، وأن السادة الأولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا بعد كل هذا يفتون بخلودهم في النار، وبأن توحيدهم هو توحيد كفار قريش، وهو ما يسمونه توحيد الربوبية، وليتهم اكتفوا بهذا، لا والله، ولكنهم أبوا إلا أن يفضلوا كفار قريش على سائر المسلمين من غير الوهابية، حيث أن كفار قريش – بزعمهم – آمنوا بتوحيد الربوبية وأخلصوا فيه، أما غير الوهابية فقد أشركوا في توحيد الربوبية الذي قد أخلص في الاعتقاد به کفار قريش، ولا أدل على ذلك من قول مفتيهم الشيخ محمد بن إبراهيم ابن محمود: “وأما مشركو هذا الزمان، فإنهم وإن نطقوا بها، وصلوا وزكوا، لا يفهمون منها ما فهمته العرب من أن معناها خلع الأنداد، وإفراد الله سبحانه بالعبادة وحده لا شريك له، بل يخالفون معناها، فيصرفون التأله لغير الله تعالى، ويعتقدون ذلك قربة إلى الله تعالى، فيصرفون خالص حق الله، الذي دلت عليه هذه الكلمة لغيره تعالى، بل أكبهم الجهل إلى الشرك في الربوبية، فلا تنفعهم لا إله إلا الله مع ذلك وإن قالوها لأن الشرك محبط للعمل”[3].

ثم انظر بين من يكذبون الله ورسوله، في قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: 10] وقوله (صلى الله عليه وسلم) المسلم أخو المسلم”، وعقدهم رابطة إخوة بين المسلمين من غير الوهابية والمشركين من كفار العرب فيقولون: “وما شعروا أن إخوانهم من كفار العرب يشاركونهم في هذا الإقرار، ويعرفون أن الله هو الخالق القادر على الاختراع، ويعبدونه بأنواع من العبادات، فليهن أبو جهل وأبو لهب ومن تبعهما بحكم عباد القبور، وليهن أيضا إخوانهم عباد ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، إذ جعل هؤلاء دينهم هو الإسلام المرور، ولو كان معناها ما زعمه هؤلاء الجهال، لم يكن بين الرسول (صلى الله عليه وسلم) وبينهم نزاع، بل كانوا يبادرون إلى إجابته، ويلبون دعوته، إذ يقول لهم: قولوا لا إله إلا الله، بمعنى: أنه لا قادر على الاختراع إلا الله، فكانوا يقولون: سمعنا وأطعنا “[4].

والحق أن ما ذكره هذا المفتي الوهابي – وغيره- في تفضيل كفار قريش على سائر المسلمين من غير الوهابية، لم يكن من بنات أفكاره، ولم يكن من صميم تفكيره، ولم يكن من خلجات صدره، وإنما كان وحيا من وحي ابن عبد الوهاب، فهو كبيرهم الذي علمهم هذه الفتاوى، التي تفضل كفار قريش على أهل زمانه.

فبعد تمييز ابن عبد الوهاب بين نوعي التوحيد، هذا التمييز الذي يعتبر العمدة عنده، وهو المنطلق الذي يعتمد عليه في تكفير الأشاعرة، وكل من خالفه ولو كان من الحنابلة، والعجب زعمه بأن كفار قريش يعرفون توحيد العبودية، ولا يعرفه من يدعي الإسلام، ويقصد بهم كل من خالفه في دعوته، وفي ذلك يقول: “إذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك، فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني”[5].

ولا أدري من أين يستقي الشيخ معلوماته عن خصومه؟ فمن أدراه أن الاعتقاد القلبي عند خصومه وهو يعني بهم الأشاعرة في المقام الأول ليس جزءا من الإيمان حتى يتهم خصومه بأن جهال الكفار يعرفون التوحيد عن خصومه.

ثم يخص ابن عبد الوهاب علماء المسلمين من غير الوهابية فيقول عنهم: والحاذق منهم يظن أن معناها: لا يخلق ولا يرزق إلا الله ولا يدبر الأمر إلا الله، فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى (لا إله إلا الله) [6].

ثم يشرع الشيخ ابن عبد الوهاب في بيان أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زمانه، بالكثير من المفاهيم المغلوطة، والتأويلات الشاذة، لإثبات أوجه تفضيل كفار قريش على مسلمي عصره الذين يسميهم بالمشركين.

كفار قريش لا يشركون بالله إلا في الرخاء

ويبدو أن الحقد قد بلغ مداه عند ابن عبد الوهاب على المسلمين، حين يزعم تفضيل مشركي قريش على المسلمين الذين يكفرهم، بحجة أن شرك كفار قريش لا يقع منهم إلا في الرخاء، أما في الشدة فإنهم يخلصون العبادة والصوم والحج وكل الطاعات إلى آخر ما ذكره الشيخ من تمجيد لكفار قريش ضن به على مسلمي زمانه.

أما من كفرهم الشيخ من أهل عصره، فلا يعرفون الله تعالى في الشدة ولا في الرخاء، وأزعم أن هذا طعن في حاجة البشرية إلى نبوة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، فلو صح قول ابن عبد الوهاب يإخلاص كفار قريش في توحيدهم لما كانوا في حاجة إلى نبي، وإنما كان يكفي أي مصلح من الحنفاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، تأمل قوله: “أحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء، وأما في الشدة فيخلصون الله الدعاء، كما قال تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا) [سورة الإسراء: 67]، وقوله: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ) [سورة الأنعام: 40 – 41]، وقوله: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا) [الزمر: 8]، وقوله: (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) [الزمر: 8]، وقوله: (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [لقمان: 32].

فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه، وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يدعون الله ويدعون غيره في الرخاء، وأما في الضراء والشدة فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له وينسون سادتهم، تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين، ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهما راسخا؟ والله المستعان[7].

أقول: إذا تركنا ما ذكره المفسرون من سبب أو مناسبة لنزول هذه الآيات الكريمات، فهذا تدليس وسوء فهم كبير، فالمقصود هو بيان أن الإنسان مجبول على فطرة التوحيد، ثم تأتي عوامل أخرى قد تنحرف بالإنسان عن الفطرة السوية، مثل تقليد الأبوين وغيرهما.

ثم يظل الكافر بكفره بستر تلك الفطرة التوحيدية التي خلقه الله عليها، وأقر بها الإنسان في عالم الذر، ثم يستمر الكافر يجحد آيات الله تعالى ويصر مستكبرا بهاء وبمن جاء بها من الأنبياء والرسل، وهكذا يظل مستكبرا طالما هو في صحة وعافية فإذا سحبت منه مصادر قوته وغروره وأوشك على الهلاك، رجع إلى فطرته التي تنكر لها وقت قوته، فهذا وقت الشدة والنهاية ولا يمكن أن يظل يكابر ويضحك على نفسه، هنا فقط يرجع إلى فطرته لتقول له: لا مخلص لك إلا الله.

فكيف يدعي ابن عبد الوهاب أننا معشر المسلمين لا نعرف الله في الرخاء ولا في الشدة، وهو يعترف بأن علماءنا الأجلاء المعاصرين له، يردون عليه بآيات من كتاب الله، يسميها شبهات، كما هو جلي في صدر كتابه “کشف الشبهات” فمن يستشهد الفكره بآيات من القرآن الكريم وبأحاديث من السنة، كيف يتهم بنسيان الله في الشدة والرخاء، وكيف تعترف بأنه يستشهد بالمتشابه دون المحكم، فأي مشرك عالم يستشهد لفكره بالقرآن والسنة، ومعه جمهور المسلمين؟

كفار قريش لا يشركون إلا بالمقربين عند الله

وفي هذا الأمر يدعي ابن عبد الوهاب حسن اختيار المشركين وسطاءهم، وسوء اختيار من يسميهم بالمشرکين لوسطائهم، وهذا استمرار لتشويه صورة الموحدين، وفي هذا يقول: “الأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناسا مقربين عند الله: إما أنبياء وإما أولياء، وإما ملائكة، أو يدعون أشجارا أو أحجارا مطيعة لله ليست عاصية، وأهل زماننا يدعون مع الله أناسا من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنى والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك، والذي يعتقد في الصالح أو الذي لا يعصى مثل الخشب والحجر أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده ويشهد به[8].

وأخطر ما في الكلام السابق هو تقسيم التوحيد، فقد جرى كثير من المصنفين ولا سيما المنتمين إلى المدرسة السلفية[9]  قديما وحديثا إلي تقسيم التوحيد قسمين مهمين لا يغني أحدهما عن الآخر بحال من الأحوال، القسم الأول: توحيد الألوهية والثاني: توحيد الربوبية.

وتوحيد الألوهية يقصد به الإيمان بأنه سبحانه – عز شأنه – هو المنفرد بالعبودية الكاملة، وعدم عبادة شيء غيره أو معه، وبذلك يتحرر الخلق من رق العبودية، للعوالم السماوية أو الأرضية، ولا يتم الإيمان إلا بضم نوعي التوحيد إلى بعضهما، فها هم مشركو العرب اعترفوا بتوحيد الرب سبحانه باعتباره الخالق الرازق، المنفرد تعالى بالخلق والتقدير والتدبير والتشريع الديني، هو النافع الضار الخافض الواقع المعز المذل.. ولكنهم لما لم يفردوه وحده بالعبادة؛ بل عبدوا الأصنام من باب التقرب إليه تعالى زلفى أو ليكونوا شفعاء لهم عند الله، لم يعتبرهم القرآن الكريم من المسلمين، بل سماهم مشرکين، فلم ينفعهم الإيمان برب واحد غير منفرد بالعبادة.

وهنا نلاحظ مدى التداخل بين التعريفين، فحيث قصر توحيد الألوهية على إفراده تعالى بالعبادة، نجده يدخل فيه من خصائص الربوبية الانفراد بالنفع والضر، وهذا يؤكد التداخل التام بين نوعي التوحيد توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية.

وهذا التقسيم غير المعقول لم يرد عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وما كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول لأحد دخل في الإسلام: إن هناك توحيدين، لا يكفي أن تؤمن بأحدهما فقط وهو توحيد الربوبية، بل لا تكون مسلما حتى توحد توحيدا ثانيا هو توحيد الألوهية، ولا أشار إلى ذلك بنص واحد أو بكلمة واحدة، ولا سمع ذلك عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم، ولا عن السلف الذين ينسب إليهم هذا التقسيم، فإن الإله الحق هو الرب الحق هو المعبود بحق، والإله الباطل هو الرب الباطل غير المستحق للعبادة.

وعلى كل حال ورغم متابعة الوهابية لابن تيمية في تقسيمه للتوحيد، فإنهم قد تطرفوا مثله وساووا بين الأشاعرة والمشركين كما فعل ابن تيمية بقوله عن الأشاعرة: “… وأخرجوا من التوحيد ما هو منه، كتوحيد الإلهية، وإثبات حقائق أسماء الله وصفاته، ولم يعرفوا من التوحيد إلا توحيد الربوبية، وهو الإقرار بأن الله خالق كل شيء وربه، وهذا التوحيد كان يقر به المشركون[10].

أي أن الأزهر وجمهور المسلمين توحيدهم ناقص وهو نفس توحيد المشركين، ولا أدري أين الأمانة في عرض رأي الأشاعرة وأين الإنصاف، ويعد ذلك يزعمون عدم تكفير ابن تيمية للأمة، وأكبر دليل على زيف دعوى ابن تيمية، بأن كفار قريش كانوا يقرون بتوحيد الربوبية قوله تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا) [الأنعام: 164] وقوله تعالى: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) [يوسف: 39].

ولذلك لا نعجب عندما يأتي تلميذ نجيب لابن تيمية بعده بعدة قرون ويدعي لنفسه بأنه المعلم الحقيقي للتوحيد لمن سبقه ولمن يأتي بعده وهو ابن عبد الوهاب بقوله: “لقد طلبت العلم، واعتقد من عرفني أن لي معرفة، وأنا ذلك الوقت لا أعرف معنى “لا إله إلا الله، ولا أعرف دين الإسلام قبل هذا الخير الذي من الله به، وكذلك مشايخي، ما منهم رجل عرف ذلك، فمن زعم من علماء العارض أنه عرف معنى “لا إله إلا الله”، أو عرف معنى الإسلام قبل هذا الوقت، أو زعم عن مشايخه أن أحدا عرف ذلك، فقد كذب وافترى، ولبس على الناس، ومدح نفسه بما ليس فيه “[11].

__________________________________

[1] . فتاوى الأئمة النجدية 2/ 63.

[2] . فتاوى الأئمة النجدية 2/ 291.

[3] . فتاوى الأئمة النجدية 2/ 64.

[4] . فتاوى الأئمة النجدية 1/ 162.

[5] . كشف الشبهات 16 / 17.

[6] . كشف الشبهات 17.

[7] . كشف الشبهات، ص 31.

[8] . كشف الشبهات، ص 32.

[9] . لقد ذهبت المدرسة السلفية إلى تقسيمات للتوحيد لم يوديها نص قرآني ولا أثر عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ولا عن أحد من أصحابه رضوان الله عليهم وذهبت كعادتها في نسبة كل ما يعتقدونه إلى خير القرون، فقد نسبوا هذا التقسيم إلى السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين وهم يعتقدون أن هذا التقسيم هو تقسيم نظري شرعي دليله الإستقراء، وسار عليه السلف والخلف ثم اختلفوا فبعضهم قسم التوحيد قسمين، الأول: توحيد المعرفة والإثبات، والثاني: توحيد القصد والطلب، وأكثرهم قسمه ثلاثة: الأول: توحيد الربوبية، والثاني: توحيد الأسماء والصفات، والثالث: توحيد الألوهية، وكل هذه الأقسام عندهم متلازمة في الشرع لا يكون المرء موحدا حتى يأتي بها جميعا وتتحقق فيه. انظر: ابن منده (ت: 395) التوحيد (1/ 116.61) الجامعة الإسلامية، الطبعة الأولى، 1413 هـ. وقد يروون عن أبي يوسف (رحمه الله أثرا) فيه هذا التقسيم. انظر: التوحيد (3/ 306-304)، والمقريزي (ت: 854): تجريد التوحيد الجامعة الإسلامية، الطبعة الثالثة 1409 هـ. (ص: 7 و 8 و 9)، ومحمد بن عبد الوهاب: الدرر السنية (2 / 68-69) ط. الخامسة 2، بل كل مؤلفات ابن عبد الوهاب، انظر: ابن القيم: مدارج السالكين (3/ 449) دار الفکر، بيروت، الأخيرة 1408 هـ ت: حامد الفقي وانظر: ابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص: 78) وما بعدها، المكتب الإسلامي. القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد للشيخ عبد الرزاق عباد، دار ابن عفان، الطبعة الأولى، 1417هـ، وانظر أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي د. فهمي جدعان، ص193. وانظر بناء علم التوحيد عند الأستاذ الإمام محمد عبده – محمد صالح ص78، دار قباء 1998م.

[10] . منهاج السنة لابن تيمية 3/ 289، مؤسسة قرطبة، ط 1، 1406 هـ، تحقيق د/ محمد رشاد سالم.

[11] . انظر الدرر السنية 10 / 51، ونفس الكلام في الرسالة 28 من رسائله الشخصية.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد