ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 9 يناير 2019 زيارة: 23

قصة الأعرابي وقصة الفلاح

(غير مصنفة)
مقتبس من مجلة: المسلم عدد صفر 1377هـ (ص12-15)
تأليف: السيد أبي الفضل عبد الله الصديق الغماري

يقولون: أما الميت من الأنبياء والصالحين فلم يشرع لنا أن نقول: ادع لنا ولا اسأل لنا ربك وهذه دعوى باطلة بل شرع لنا ذلك بالنسبة إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً﴾ [النساء: 64] فهذه الآية عامة تشمل حالة الحياة وحالة الوفاة وتخصيصها بأحدهما يحتاج إلى دليل وهو مفقود هنا، فإن قيل من أين أتى العموم للآية حتى يكون تخصيصها بحالة الحياة دعوى تحتاج إلى دليل.

قلنا من وقوع الفعل في سياق الشرط، والقاعدة المقررة في الأصول أن الفعل إذا وقع في سياق الشرط كان عاما، لأن الفعل في معنى النكرة لتضمنه مصدرا منكرا والنكرة الواقعة في سياق النفي أو الشرط تكون للعموم وضعا.

وقد ذكر ابن كثير وغيره في تفسير هذه الآية حكاية الأعرابي المشهورة وقد أخرجها البيهقي في الشعب وابن الجوزي في مثير الغرام الساكن وابن عساكر في التاريخ عن محمد بن حرب الهلالي قال: دخلت المدينة فأتيت قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) فزرته وجلست بحذائه فجاء أعرابي فزاره ثم قال: يا خير الرسل إن الله أنزل عليك كتابا صادقا قال فيه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً﴾ [النساء: 64] وإني جئتك مستغفرا ربك من ذنوبي مستشفعا فيها بك، وفي رواية : وقد جئتك مستغفرا من ذنبي مستشفعا بك إلى ربي، ثم بكى وأنشد يقول:

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه … فطاب من طيبهن القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر أنت سـاكنه … فيه العفاف وفيه الجود والكرم

ثم استغفر وانصرف، فرقدت فرأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) في نومي وهو يقول : الحق الرجل وبشره أن الله قد غفر له بشفاعتي، فاستيقظت فخرجت أطلبه فلم أجده.

قال الحافظ بن عبد الهادي المقدسي هذه الحكاية بعضهم يريوها عن العتبي بلا إسناد، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزعفراني عن الأعرابي، وقد ذكرها البيهقي في كتاب شعب الإيمان بإسناد مظلم عن محمد بن روح ابن يزيد البصري، حدثني أبو حرب الهلالي قال: حج أعرابي فلما جاء إلى باب مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أناخ راحلته فعقلها، ثم دخل المسجد حتى أتى القبر ثم ذكر نحو ما تقدم.

قلت فغاية ما ذكره يقتضي أن تكون الحكاية ضعيفة، إذ لم يذكر في رواتها من هو كذاب أو متهم بالكذب لا سيما وقد ذكرها الحافظ ابن كثير ولم يتعقبها وكذلك أخرجها البيهقي كما تقدم، وذكرها أيضا الحافظ السخاوي في القول البديع، على أننا لم نذكرها استدلالا واحتجاجا وإنما ذكرناها استئناسا وإيضاحا لما قدمناه من أن الآية تفيد العموم حيث أن الأعرابي وهو عربي فهم منها ذلك مع إخبار النبي (صلى الله عليه وسلم) في الرؤيا بأن الله غفر له بشفاعته فيه.

ثم وجدت لهذه القصة شاهدا، قال ابن السمعاني في الدلائل أخبرنا أبو بكر هبة الله بن الفرج : أنا أبو القاسم يوسف بن محمد بن يوسف الخطيب أنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عمر بن تميم المؤدب حدثنا علي بن إبراهيم بن علان أنا علي بن محمد بن علي حدثنا أحمد الهيثم الطائي حدثني أبي عن أبيه عن سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قدم أعرابي بعد ما دفنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فرمى بنفسه على قبره (صلى الله عليه وسلم) وحثا من ترابه على رأسه وقال يا رسول الله قلت فسمعنا قولك ووعيت عن الله فوعينا عنك وكان فيما أنزل الله عليك ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً﴾ [النساء:64] وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي، فنودي من القبر: أنه قد غفر لك.

نقله الحافظ السيوطي في تنوير الحلك وقد أشار ابن عبد الهادي في الصارم المنكى إلى هذا الأثر وقال وضع إسناده بعض الكذابين ولم يبين ذلك بدليل، وابن عبد الهادي مع حفظه متعنت في التعصب لرأيه.

فإن قيل: طلب الدعاء والشفاعة من الحي معقول لأن الحي يدعو ويشفع كما كان الصحابة في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) يسألونه الدعاء فيدعو لهم ويطلبون الاستغفار فيستغفر لهم وأما الميت فكيف يعقل منه الدعاء والاستغفار حتى يقال بجواز طلبهما منه، بل هو مشغول بما هناك عما هنا لا يدري ماذا يجري في هذه الدار من منافع ومضار، فعدم جواز طلب الدعاء منه ونحوه من الميت لعدم أهليته لذلك، ولهذا وجب تخصيص الآية السابقة بحالة الحياة للقطع بأن النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى لم يبق له تعلق بهذه الدار ولا بما فيها ؟

فالجواب: أن الأمر ليس على ما توهمه هذا القائل وادعاؤه القطع بانقطاع النبي (صلى الله عليه وسلم) عن أمته بعد وفاته ممنوع، فقد ثبت بالتواتر والإجماع أن الأنبياء أحياء في قبورهم، وثبت أن نبينا (صلى الله عليه وسلم) يستغفر لسيئات أعمالنا، كما في حديث عرض الأعمال وهو حديث صحيح، ووقعت حادثة تشهد بصحة ذلك ذكرها المقريزي في كتاب إغاثة الأمة بكشف الغمة فقال ما نصه : وقع في آخر هذا الغلاء أعجوبة في غاية الغرابة لم يسمع بمثلها، وهي أن رجلا من أهل الفلح بجبة عسال ـ إحدى قرى دمشق ـ خرج بثور له ليرد الماء فأورد الثور حتى إذا اكتفى نطق بلسان فصيح أسمع من بالمورد وقال : الحمد لله والشكر له إن الله تعالى وعد هذه الأمة سبع سنين مجدبة فشفع لهم النبي (صلى الله عليه وسلم) وأن الرسول أمره أن يبلغ ذلك، وأنه قال يا رسول الله فما علامة صدقي عندهم ؟ قال أن تموت بعد تبليغ الرسالة، وأنه بعد فراغ كلامه صعد إلى مكان مرتفع وسقط منه ومات، فتسامع به أهل القرية وجاءوا من كل حدب ينسلون فأخذوا شعره وعظامه للتبرك فكانوا إذا بخروا به موعوكا برئ وعمل بذلك محضر مثبوت على قاضي البلد وحمل إلى السلطان بمصر فوقف عليه الأمراء واشتهر بين الناس خيره وشاع ذكره وذكرها أيضا في كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك فهذه معجزة عظيمة شاهدة بأن النبي (صلى الله عليه وسلم) يعلم أحوال أمته ويشفع لهم.

وإذا كان كذلك جاز لنا أن نطلب منه الاستغفار ونحوه أخذا بعموم الآية كما قدمنا وادعاء تخصيصها لم يقم عليه دليل، بل ثبت لمطلق موتى المؤمنين أنهم يشعرون بمن يسلم عليهم ويردون عليه السلام ويستأنسون به ما دام جالسا عندهم إذا كانوا يعرفونه في الدنيا فكيف يمتنع الدعاء منهم في هذه الحالة بل هو ممكن جائز ليس في العقل ما يحيله ولا في الشرع ما يمنع منه.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد