ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 10 يوليو 2018 زيارة: 103

ما نراه من الحركات التكفيرية في البلاد الإسلامي ما هو إلا ثمار فهمهم الخاطئ للتوحيد

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: الرؤية الوهابية للتوحيد “عرض ونقد” ص11-15
تأليف: عثمان مصطفى النابلسي

ذهب الوهابية إلى تقسيم التوحيد إلى قسمين؛ ربوبية وألوهية، وفي بعض الأحيان يفردون توحيد الأسماء والصفات عن الربوبية، فتكون أقسام التوحيد ثلاثة، وزعموا أن المشركين كانوا مؤمنين بربوبية الله تعالى إيماناً تاماً، وأنهم يعتقدون اعتقاداً جازماً بتفرد الله تعالى بالتدبير والنفع والضر، إلا أنهم مشركون فقط في اتخاذ الوسائل من المخلوقات والطلب منها، وزعموا أيضاً أن الرسل لم يخاصموا أقوامهم في الربوبية، وأن المشركين في الربوبية شذاذ قليلون من البشرية لا يكادون يذكرون، ولذا لم تقع الخصومة بين الأنبياء وأقوامهم فيها، هذا ملخص قولهم.

وبناءً على ذلك فإنهم يعتبرون كتب العقائد التي تبحث في تمييز ما يجب وما يستحيل وما يجوز في حق الله تعالى ذاتا وصفات وأفعالا، إنما هو بحث في أمر أقر به المشركون ولم يدخلهم في الإسلام، ومن دعا إلى الإيمان بصفات الله تعالى وربوبيته، وإفراده بالتدبير والتصرف، والنفع والضر، فهو لا يدعو إلى التوحيد الذي جاءت به الرسل، وإنما يدعو إلى توحيد كان موجوداً عند المشركين!

إضافة إلى فهمهم الخاطئ لمعنى العبادة، الذي أداهم لإدراج مظاهر الخشوع والتذلل لمخلوق ما، ضمن مفهوم العبادة الاصطلاحية، دون تفريق بين من اعتقد في المخلوق الإلهية أو صفة من صفات الربوبية أم لا، ودون النظر إلى القصد من ذلك التذلل، فكفروا المسلمين وجعلوهم كعباد الأوثان سواء بسواء، وزادوا على ذلك قتل الأبرياء واستحلال الدماء!!

قال الشيخ عبد العزيز الراجحي في “الهداية الربانية” (1/31-32) :

“وهذا التوحيد – أي الألوهية – هو الذي وقعت فيه الخصومة بين الأنبياء والرسل، في قديم الدهر وحديثه، الأنبياء والرسل إنما نازعهم وخاصمهم مخاصمة منهم في هذا التوحيد، بخلاف توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات فهما توحيدان فطريان قد أقر بهما جميع الخلق إلا من شذ، إلا بعض الطوائف التي شذت وانتكست فطرتها، وعميت بصيرتها.

وإلا فجميع الخلائق يقرون بتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، والنزاع والخصومة بين الأنبياء والرسل في هذا التوحيد، وهو توحيد الألوهية والعبادة”.

فيرى الوهابية أن البشرية جمعاء قد وحدت في الربوبية والأسماء والصفات، إلا قلة نادرة جداً، ولذلك لم تقع الخصومة بين الأنبياء وأقوامهم إلا في توحيد الإلهية، ولم يدع الأنبياء والرسل إلى الربوبية، لأنها كانت متحققة عند المشركين، لكنهم دعوا إلى توحيد الألوهية ولم يخاصموا أقوامهم إلا فيه.

وما نراه من حركات تكفيرية في الصومال وإفريقيا والعراق وبلاد الشام والمغرب العربي وسائر البلدان ما هو إلا ثمار الفهم الخاطئ للتوحيد.

ولا بد من التنبيه إلى أن خلافنا مع الوهابية يكمن في فهم أقسام التوحيدلا في مجرد التقسيم فإن كثيرا من العلماء المخالفين للمدرسة الوهابية ومنظريها قسموا التوحيد إلى الإلهية والربوبية وأضاف بعضهم الأسماء والصفات، مستخدمين نفس الألفاظ التي يستخدمها الوهابية، وفي أحيان أخرى ألفاظا قريبة منها، لكن فهمهم لتلك الأقسام كان مخالفا لفهم الوهابية، فمثلا قال الإمام المتكلم البكي الكومي في تحرير المطالب في شرح عقيدة ابن الحاجب (ص۷۰): «والتوحيد على أربعة أقسام: توحيد الألوهية، وتوحيد الأفعال، وتوحيد الصفات، وتوحيد الذات». .

وقال الإمام اللقاني في شرحه الوجيز على منظومته الشهيرة بجوهرة التوحيد (1/83): «والمراد بالتوحيد هنا الشرعي، وهو: إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتا و صفات وأفعالا».

وقال الإمام الباجوري في شرحه على جوهرة التوحيد في تعريف التوحيد (ص83): «إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته والتصديق بها ذاتا وصفات وأفعالا».

وقال الإمام السنوسي في شرح عقيدته الصغری (ص 329): «والمعني – أي معنی کلمة التوحيد- على هذا: لا مستحق للعبودية له، موجود أو في الوجود، إلا الفرد الذي هو خالق العالم جل وعلا.

وإن شئت قلت: هو المستغني عن كل ما سواه المفتقر إليه كل ما عداه».

وبين الإمام الدسوقي أن المعنى الثاني لازم للأول.

وقال في آخر شرحه لكلمة التوحيد (ص92، بشرح الملالي): «لا رب غيره ولا معبود بالحق سواه».

وقال في المنهج السديد (ص 184): “وأشار بقوله «المعبود» بعد ذكر الأول والآخر، إلى وجه استحقاقه تعالى العبادة وحده، وذلك أن وصفه جل وعلا بالأولية والآخرية يعطي وجوب الوجود له تعالى، وثبوت الغنى المطلق له عن كل ما سواه، وأن كل ما سواه واجب الحدوث مفتقر إليه تبارك وتعالى ابتداء ودوما، ولا شك أن من ثبت له الغنى المطلق عن كل ما سواه، وثبت لكل ما سواه الفقر إليه على كل حال، وجب أن يكون هو الذي يعبد وحده”.

وقال (ص469): «وقوله: يا إلهي معناه: يا مالكي ومعبودي بحق».

وقال الإمام الدسوقي في حاشيته على أم البراهين (ص309): “التقدير: لا إله يستحق العبادة إلا الله، واعترض بأنه إنما يفيد نفي استحقاق غيره للعبادة ولا يفيد نفي إمكان إلهية غيره سبحانه، ويجاب بنحو ما مر بأن يقال: إن استحقاق العبادة والألوهية في نفس الأمر متلازمان…”.

وقال الإمام المقترح في الأسرار العقلية (ص 92): «قال تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين)، تحقيقا للعبودية والربوبية، ولا يخفى ظهور ذلك على متأمل دراك».

وقال الإمام أبو السعود العمادي في تفسيره (5/21): «و إيراده – أي: قل هو ربي – قبل قوله: «لا إله إلا هو» أي لا مستحق للعبادة سواه، تنبيه على أن استحقاق العبادة منوط بالربوبية».

وقال الإمام المتكلم المفسر البيضاوي (1/533): «(وله ما في السماوات وما في الأرض): تقرير لقيوميته، واحتجاج به على تفرده في الألوهية».

وقال (3/27): «(وتبارك الله رب العالمين): تعالى بالوحدانية في الألوهية، وتعظم بالتفرد في الربوبية».

وقال الإمام فخر الدين الرازي في مفاتيح الغيب (27/84) : «(ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو): أخبار مترادفة، أي: هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية، والربوبية، وخلق كل شيء».

وقال الإمام سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد (4/39): «حقيقة التوحيد: اعتقاد عدم الشريك في الألوهية وخواصها».

وقال أيضا في شرح المقاصد (5/207): «والإسلام: إسلام المرء نفسه بكليتها الله تعالى بالعبودية له من غير شرك» .

وجاء في المواقف للإمام العضد وشرحه للإمام الجرجاني (1/31): «علم الكلام المتكفل بإثبات الصانع وتوحيده في الألوهية، وتنزيهه عن مشابهة الأجسام» .

وقد عاني العالم الإسلامي في الماضي من الفهم الخاطئ للتوحيد من قبل الوهابية أشد المعاناة، حيث قام الوهابية بتكفير معظم المسلمين، في مختلف البقاع، وقاموا بقتال من استطاعوا منهم، واستباحة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وكان ذلك في فترة تكالب الدول الاستعمارية على الخلافة العثمانية العلية، مما زاد في أعبائها وكان له الأثر في تقويضها، أما آثار هذا الفهم السقيم للتوحيد وأقسامه في الحاضر، فيتجلى في حملات التكفير والتبديع التي يقومون بها تجاه أكبر المراكز العلمية في العالم الإسلامي، وتجاه أكابر العلماء الذين لا يسايرونهم في آرائهم، مما أدى إلى تمزيق وحدة الأمة الإسلامية وتقطيع أوصالها، وظهور الفتن والمنازعات بين أهل الحي الواحد والمسجد الواحد والبيت الواحد، حتى وصل الأمر في بعض الحالات إلى استخدام القوة والقتال[1].

_______________________________

[1]. كان ذلك مدعوما بفتاوى كبار مشايخهم، فانظر مثلا ما قاله الشيخ الغنيمان – رئيس قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامة في المدينة المنورة – في شرحه كتاب التوحيد من صحيح البخاري، حيث قال:

“وقد انتسب إلى الأشعري أكثر العالم الإسلامي اليوم من أتباع المذاهب الأربعة، وهم يعتمدون على تأويل نصوص الصفات تأويلا يصل أحيانا إلى التحريف وأحيانا يكون تأويلا بعيدا جدا، وقد امتلأت الدنيا بكتب هذا المذهب، وادعى أصحابها أنهم أهل السنة، ونسبوا من آمن بالنصوص على ظاهرها إلى التشبيه والتجسيم. هذا ولابد لعلماء الإسلام – ورثة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) – من مقاومة هذه التيارات الجارفة على حسب ما تقتضيه الحال، من مناظرات أو بالتأليف وبيان الحق بالبراهين العقلية والنقلية، وقد يصل الأمر أحيانا إلى شهر السلاح». شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (1/ 25-29).

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد