ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 10 ديسمبر 2018 زيارة: 92

محنة التوسل بصالحي الأموات

(غير مصنفة)
مقتبس من مجلة: المسلم عدد ذي الحجة 1376هـ (ص5-9)
تأليف: الشيخ محمد زكي إبراهيم

عرف الناس في المشرقين والمغربين بما كشفته لهم المسلم من عورات المتسلف الاستعماري التبشيري الاستشراقي أنه ما على الحفاة العراة الجياع وما على المغمورين المطمورين من خلق الله إلا أن يحرموا التوسل ويسبوا النبي (صلى الله عليه وسلم) حتى ينضموا تلقائيا إلى زمرة السماسرة التمسلفين أولئك الوثنيين الذين يسجدون لطائفة بالذات من الناس من دون الله ويظلون يسبحون بحمد أصحاب الدولار والدينار ويلعقون منهم النعال ويقفون على أبوابهم أذل من العبيد وأخسأ من الحشرات يتلقون فتات الموائد ونفاية المال فيثرون من فاقة ويشبعون من جوع واليوم يسأل الأخ السيد صادق أبو المجد المهدي الطنطاوي عن بعض المعاني في ألفاظ التوسل بعد أن شوشوها عليه وبزعم أننا قد نشرنا في هذا الباب من البحوث القديمة والجديدة ما يكفي ويشفي ثم ما يشبع وما يسكت وما يقنع إلا أننا نحصر إجابتنا الآن في أهم ما وجهه الأخ إلينا من الاستفسارات تذكرة أو تبصرة فنقول:

التعبير الشارد لغة:

إن التعبير اللفظي الشارد في التوسل إما أن يكون من جاهل فهو مؤول بحسب نيته وعلينا أن نعلمه يرفق وخطأ اللسان لا يأثم به القلب وإما أن يكون القائل فقيها بما يقول فهو عنده مفسر بما علم من أحكام اللغة وقواعدها فإنهم يقولون مثلا: بني البغدادي بور سعيد والواقع أن البغدادي لم يعمل عمل البنائين بالفعل لكنه أمر وأشرف على البناء فقط، فهكذا قولهم: (يا سيدي فلان اعمل لي) يعني يا رب سيدي فلان اعمل لي، فهو ضرب من المجاز المألوف في اللغة وحذف المضاف سنة قرآنية بلاغية (واسأل القرية) أي أهل القرية وفي الإضافة بين اسم الرب واسم الولي معنى التوسل بما للولي عند الله من الحب والكرامة مع ما يشعر به المتوسل من التقصير والتأثم الذي فيه معنى الإنابة، فكأن قائل هذه العبارة قد توسل بتوسلين معا.

الأول: بفضل الله على الولي الصالح.

والثاني: باعترافه هو بالذنب والقصور عن التطاول إلى حد الطلب من الله وهو المتخلف الأثيم وكلاهما توسل صحيح لا غبار عليه، فهل انكشف الآن مدى التهويل والتضليل المثار حول مثل هذه العبارة العابرة؟.

التعبير الشارد إيضاح:

هذا من جانب اللغة، أما من جانب السنة: فقد ثبت أن رجلا أتى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال له: أبغي مرافقتك في الجنة، فقال (صلى الله عليه وسلم) أعني على نفسك بالسجود (أو كما قال) وفي هذا الحديث الثابت عدة إجابات على عدة اعتراضات.

فقد طلب الرجل من رسول الله ما لا يقدر عليه إلا الله وهو مرافقته في الجنة فلم ينكر عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو أعلم الناس بالشرك والتوحيد وبما هو لله وما هو للناس بل أجابه (صلى الله عليه وسلم) من فهمه ومن أسلوبه وقال: أعني على نفسك بالسجود وهي عبارة لا يفهم منها أن النبي (صلى الله عليه وسلم) وحاشا لله قد أعطى نفسه ما ليس له أو ادعى لها ما هو لله بل إنما اكتفى النبي بما فيه من معنى التوسل به (صلى الله عليه وسلم) وهو يسر الدين وفيه الاحتكام إلى نية المتحدث من جهة وإلى حسن ظن السامع من جهة أخرى وإلى سعة اللغة من جهة ثالثة وإلى سماحة العلم من جهة رابعة ولكن التعصب يعي ويصم ويخبل.

وقد ثبت أن النبي (صلى الله عليه وسلم) سأل جارية: أين الله ؟ فقالت: في السماء فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) لوليها: اعتقها فإنها مؤمنة أي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) أخذ باتجاه النية لا بظاهر اللفظ فالله تعالى ليس في السماء وتعالى الله أن يكون له مكان.

التعبير من الوجهة العامة:

أما من الجانب العام فقد حدث الحافظ الجماعيلي في مخطوطته عن الشعر أن رجلا جاء يشكو إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) زوجته فقال له:

يا سيد الناس (وديان العرب)                إليك أشكو ذربة من الذرب

فلم ينكر عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) وصفه إياه بقوله (ديان العرب) إذ الديان هو الله وحده بل حمله (صلى الله عليه وسلم) على ما يحمل الرجل في قلبه من الإيمان البكر مع سعة اللغة وكان راضيا عنه حتى أنه (صلى الله عليه وسلم) كان يردد آخر شطر من أبيات قصيدة الرجل وهو قوله يصف النساء (وهن شر غالب لمن غلب).

وهناك جانب لا ينسى في هذه الناحية فقد ثبت كذلك أن  النبي (صلى الله عليه وسلم) علمنا إذا حمجت دابة أحدنا بفلاة أو نحوها من طريق منقطع أو مزرعة مثلا أن ننادى قائلين (يا عبا الله احبسوا) فإن لله عبادا تحبس عليه دابته وقد صح عن إمام السنة سيدنا أحمد بن حنبل أن جرب ذلك فنفعه وبه أوصى.

وفي هذا الأثر أيضا عدة إجابات على عدة اعتراضات فقائل (يا عباد الله احبسوا) نادى غير الله وطلب من غير الله ممن ليس ببشر يرى شخصه أو يدرك أثره ولا يمكن أن يقال إن الحديث دعا إلى الشرك ولا أن فاعل ذلك من أمثال الإمام أحمد قد بلغوا من الجهل والحمق أن يمارسوا الشرك أو يحبذوه للناس.

وما أشبه قولك (يا عباد الله احبسوا) بقولك (يا ولي الله اعمل لي) وبقولك (مدد يا سيدي فلان) فالأمر من الجانب العلمي المنصف عادي طبيعي بل هو أشبه بالسنة الثابتة وأدنى إلى اليسر والسماحة بلا تهويل ولا تضليل ولا مغالطة.

وأن كنا نفضل دائما البعد عن مثارات الفتنة والاحتمال للتفرغ إلى كبريات المهام والاجتماع في الصف الواحد على المتفق عليه.

التوسل بالحي والميت:

ومحاولة التفرقة بين الحي والميت في التوسل ضرب خبيث من الوثنية وتوقح لئم من التحكم في أحكام دين الله الثابتة في جواز التوسل بالميت والحي ولا مطعن لمنصف على حديث مالك الدار في مجيء بلال بن الحارث الصحابي إلى قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) أيام المجاعة في عهد عمر وندائه قائلا: (يا رسول الله استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا) وهو نص في توسل الصحابة به بعد موته (صلى الله عليه وسلم).

أقول لا مطعن لمصدور محنق عليه، فقد أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح كما قرره الحافظ في الفتح وأخرجه البخاري في تاريخه وأخرجه ابن أبي خيثمة وآخرون والاحتيال على التشكيك فيه مرض نفسي وتعصب ذميم لا صلة له بعلم أهل العلم العدول ولكنه كما قررنا داء عصبي وبيل ليس إلا.

وحديث ابن حنيف وفيه التوسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) بعد وفاته وقد فعله للصحابي الذي كانت له حاجة عند عثمان بن عفان بعد موت النبي وأبي بكر وعمر لا مطعن لمنصف أيضا عليه فقد  صححه الطبراني وأقره الهيثمي على صحته وكذلك المنذري وأخرجه البخاري في التاريخ والترمذي في الدعوات وابن ماجة في السنن والنسائي وأبو نعيم وغيرهم، وما في هؤلاء مشرك ولا جاهل.

أما الاعتراض بحديث الاستسقاء بالعباس بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) فليس معناه أبدا أنهم تركوا التوسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) لموته بل إن عمر إنما أراد أن يجتمع للناس وسيلتان في توسل واحد بعم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فما كان للعباس من جاه فإلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مرجعه ثم إنه لا مانع من أن يكون العباس نفسه قد استسقى للمسلمين متوسلا بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يصلنا الخبر إذ ما ورد لا يعني أنه لم يقل شيئا سواه، وقد قرر الحافظ نحو هذا في فتح الباري وغيره.

الأئمة يتوسلون بالموتى:

وقد ذكر الضياء المقدسي سماعا من شيخه الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي أنه كان يتمسح بقبر الإمام أحمد للاستشفاء من دمل أعيي الأطباء شفاؤه.

وذكر الخطيب بسند صحيح في تاريخه توسل الإمام الشافعي بقبر أبي حنيفة وفي مناسك الإمام أحمد رواية أبي بكر المروزي التوسل إلى الله بالنبي (صلى الله عليه وسلم).

وللحنابلة توسل طويل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) يقال عند زيارة قبره (صلى الله عليه وسلم) ذكره أبو الوفاء بن عقيل في التذكرة ونقله مؤلفو الفروع.

وقد قرر الإمام العلامة الشريف الجرجاني في حاشيته على المطالع وجه الحاجة إلى التوسل بالموتى في الاستفاضة الروحية وقرر نحو ذلك العلامة الإمام السعد التفتازاني في شرح المقاصد بتوسع ومثل ذلك فعله الإمام الفخر الرازي في المطالب العالية وغيرها في تصانيفه وتابعهم عدد لا يحصى من أهل العلم.

وهؤلاء هم سادة السادة في علم أصول الدين الذي تجري على قوانينه أحكام الإسلام ومن قبلهم ذكرنا نحو هذا عن صفوة المحدثين وكلهم لا يتهم بغفلة ولا يدعى إلى جهل ولا يوصم بكفر ولا شرك، فهم الذين بينوا للناس علم الأصول وقوانين الشرك والتوحيد، وعلى ما رسموه تمضي العبادات والعقائد.

فلم يبق لمسلم عادل إلا التسليم بما سلمت به الأمة بالإجماع قبل أن يذر قرن الفتنة في القرن السابع ثم سلم به بعد الفتنة الجمهور الأغلب من مسلمي الدنيا ولا يزالون !!؟.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد