ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 3 سبتمبر 2018 زيارة: 34

مذهب أهل السنة والجماعة صحة التوسل وجوازه بالنبي (صلى الله عليه وسلم) حياته وبعد وفاته

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: سعادة الدارين في الرد على الفرقتين الوهابية ومقلدة الظاهرية (1/ 414-420)
تأليف: إبراهيم بن عثمان السمنودي

وبيان ذلك أن يقال لهم في الجواب عن الشبهة الأولى إذا كان الأمر كما قلتم وقصدتم سد الذريعة فما الحامل لكم على تكفير الأمة عالمهم وجاهلهم خاصهم وعامهم مع ما في دعواكم المذكورة من إساءة الظن بالمسلمين وما الحامل لكم على منع التوسل مطلقا بل كان ينبغي لكم أن تمنعوا العامة من الألفاظ الموهبة لتأثير غير الله تعالى فقد بدون محاوزة هذا الحد بأن تعلموهم طريق الأدب في التوسل وتأمروهم بسلوكها من باب النصيحة للعامة.

مع أن تلك الألفاظ الموهمة يمكن حملها على المجاز من غير احتياج إلى تكفير المسلمين أو جعلهم كالمشركين وذلك المجاز مجاز عقلي شائع معروف عند أهل العلم ومستعمل في ألفاظ كثيرة على ألسنة جميع المسلمين ووارد في الكتاب المبين وسنة سيد المرسلين (صلى الله عليه وسلم) وعليهم أجمعين.

وعلى المجاز المذكور يحمل ما دل من الكلام على إضافة التأثير لأسباب نحو قول القائل هذا الطعام أشبعني وهذا الماء أرواني وهذا الدواء شفاني وهذا الطبيب نفعني فكل ذلك عند أهل السنة محمول على المجاز العقلي فإن الطعام لا يشبع حقيقة بل المشبع حقيقة هو الله تعالى وحده لا شريك له والطعام سبب عادي للشبع فإسناد الشبع له مجاز عقلي والطعام سبب عادي لا تأثير له وهكذا بقية الأمثلة فالموحد المسلم متى صدر منه إسناد لغير من هو له يجب حمله على المجاز العقلي والإسلام والتوحيد قرينة على ذلك المجاز کما نص على ذلك علماء المعاني في كتبهم التي ملأت الأرض وأجمعوا عليه ولا سبيل إلى تكفير أحد المؤمنين إذ المجاز العقلي مستعمل في الكتاب والسنة وكلام العرب كما علمت.

فمن ذلك قوله تعالى: {وإذا تليت عليهم آیاته زادتهم إيمانا}[1] فإسناد الزيادة إلى الآيات مجاز عقلي وهي سبب عادي للزيادة والذي يزيد في الإيمان حقيقة هو الله تعالى وحده لا شريك له. وقوله تعالى: {وما يجعل الولدان شيبا}[2] فإسناد الجعل إلى اليوم مجاز عقلي لأن اليوم محل لجعلهم شیبا فالجعل المذكور واقع في اليوم والجاعل حقيقة هو الله تعالى وحده. وقوله تعالى {ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا}[3] فإسناد الإضلال إلى الأصنام مجاز عقلي لأنها سبب في حصول الإضلال والهادي. والمضل حقيقة هو الله تعالى وحده لا شريك له يهدي من يشاء ويضل من يشاء. وقوله تعالى {وأخرجت الأرض أثقالها}[4] فإسناد الإخراج إلى الأرض مجاز عقلي لأنها محل للإخراج منها لا مخرجة والمخرج حقيقة هو الله تعالى وحده ولا يختص هذا المجاز بالخبر كما في هذه الآيات بل يكون في الإنشاء أيضا كقوله تعالى حكاية عن فرعون: (يا هامان ابن لي صرحا) [5] فإسناد البناء إلى هامان مجاز عقلي لأنه سبب آمر فهو يأمر بذلك ولا يبني بنفسه لعدم علمه بالبناء والذي بنى إنما هو الفعلة.

وفي الأحاديث النبوية من ذلك المجاز العقلي شيء كثير يعرفه من وقف عليه.

فمن ذلك الحديث المتقدم بينما هم كذلك استغاثوا بآدم فأغاثه آدم (عليه السلام) مجازية والمغيث حقيقة هو الله تعالى وحده كما مر. وفي كلام العرب من المجاز العقلي ما لا يحصى كقول بعضهم أنبت الربيع البقل فجعلوا الربيع هو المطر منبتا والمنبت حقيقة هو الله تعالى فإسناد الإنبات إلى الربيع مجاز عقلي لأنه سبب فيه. فإذا قال العامي من المسلمين انفعني أو أغثني أو أجرني أو أدرکني یا رسول الله مثلا أو قال نفعني النبي (صلى الله عليه وسلم) أو أغاثني أو نحو ذلك فإنما يريد الإسناد المجازي قطعا والقرينة على ذلك معنوية وهي حال ذلك القائل أي أنه مسلم موحد لا يعتقد التأثير إلا الله تعالى وحده فجعلهم ذلك وأمثاله من الشرك جهل محض وتلبيس على عوام المسلمين الموحدين.

وقد اتفق العلماء كما مر على أنه إذا صدر مثل هذا الإسناد من موحد فإنه يحمل على المجاز والتوحيد يكفي قرينة لذلك لأن الاعتقاد الصحيح هو اعتقاد أهل السنة والجماعة واعتقادهم أن الخالق للعباد وأفعالهم المستحق للعبادة هو الله تعالى وحده ولا تأثير لأحد سواه لا لحي ولا لميت فهذا الاعتقاد هو التوحيد المحض بخلاف من اعتقد غير هذا فإنه هو الذي يقع في الإشراك.

وأما منع الاستغاثة والتشفع والتوسل مطلقا فلا وجه له مع ثبوت ذلك في القرآن الشريف والأحاديث الصحيحة وصدوره من النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه وسلف الأمة وخلفها فهؤلاء المنكرون له المانعون منه تارة يجعلونه محرما وتارة يجعلونه کفرا وشركا وكل ذلك باطل لأنه يؤدي إلى اجتماع معظم الأمة على ضلالة والعياذ بالله تعالى.

ومن تتبع كلام الصحابة وعلماء الأمة سلفها وخلفها يجد التوسل والإسناد إلى الأسباب صادرا منهم بلا نكير بل ومن كل مؤمن في أوقات كثيرة واجتماع أكثر الأمة على محرم أو كفر معاذ الله لا يجوز لقوله (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الصحيح كما سيأتي لا تجتمع أمتي على ضلالة.

قال بعضهم: إن هذا الحديث متواتر وقال الله تعالى: {کنتم خير أمة أخرجت للناس}[6] فكيف تجتمع كلها أو أكثرها على ضلالة وهي خير أمة أخرجت للناس.

فكان اللائق بهؤلاء المنكرين إذا أرادوا سد الذريعة ومنع الناس من الألفاظ التي ليس فيها إيهام كأن يقول المتوسل: اللهم إني أسألك أو أتوجه أو أتوسل إليك بنبيك محمد (صلى الله عليه وسلم) وبالأنبياء قبله وبعبادك الصالحين أن تفعل بي كذا وكذا، لأنهم يمنعون من التوسل مطلقا ولا أن يتجاسروا على تكفير المسلمين الموحدين الذي لا يعتقدون التأثير إلا لله وحده. ولله در السيد محمود شکري أفندي الألوسي حفيد الملا محمود صاحب التفسير السابق ذكره حيث قال في شرحه على القصيدة الرفاعية عند قول صاحبها:

وبعالي عرفانه في المهمات                  إلى الله ربنا يتوسل

ما نصه: وما أشار إليه الناظم من التوسل إلى الله تعالى بعالي معارف وأسرار سيدي أحمد الرفاعي (رضي الله تعالى عنه) الإلهية مما اتفق المحققون على جوازه وأما الإفراط الذي ينقل عن الوهابية من عدم اتخاذ وسيلة إلى الله تعالى أصلا فلا يخفي بأن ذلك مخالف لنصوص الشريعة الغراء وما ذهب إليه السلف الصالح والتفريط وهو ما ذهب إليه بعض الجهلة من أن التوسل إلى الله تعالى جائز بكل شئ حتى بالجماد والحيوان البهم والكفار فهو نوع زيغ عن سبيل الحق وتفصيل الكلام ليس هذا محله. أهـ.

ويطربني أن أنشد هنا بين القطب محمد القسطلاني المتوفي سنة 686 مع تشطيرهما لشيخي الشيخ أحمد الحواني المذكور سابقا وذلك:

إذا طاب أصل المرء طابت فروعه           وإن لم يطب فالفرع کالأب والجد

فلا تلد الحيات إلا حية                                ومن عجب حادت الشوك بالورد

وقد يخبث الزرع الذي طاب أصله                    كما صار بعض الناس في صفة القرد

ففى العكس مثل الطرد بأن تخالف                  ليظهر سر الله في العكس والطرد

والحاصل أن مذهب أهل السنة والجماعة صحة التوسل وجوازه بالنبي (صلى الله عليه وسلم) حياته وبعد وفاته وكذا بغيره من الأنبياء والملائكة والمرسلين صلوات الله تعالى عليهم أجمعين وكذا بالأولياء والشهداء والصالحين أحياء وميتين كما دلت عليه النصوص السابقة ودرج عليه السلف والخلف من المسلمين قبل ظهور المبتعدين المنكرين لأنا معشر أهل السنة لا نعتقد تأثيرا ولا خلقا ولا إيجادا ولا إعداما ولا نفعا ولا ضرا إلا لله تعالى وحده لا شريك له ولا نعتقد تأثيرا ولا نفعا ولا شرا للنبي (صلى الله عليه وسلم) ولا لغيره من الأحياء والأموات ولا نعظمهم مثل ما كانت عليه المشركون أصلا فلا فرق في التوسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وغيره من الذوات الفاضلة المذكورة بين كونهم أحياء وأمواتا لأنهم لا يخلقون شيئا وليس لهم تأثير في شئ وإنما يتبرك بهم لكونهم أحباء الله تعالى.

وأما الخلق والإيجاد والإعدام والنفع والضر فإنه لله تعالى وحده وأما هؤلاء الجهلة الذين فرقوا بين الأحياء والأموات وقالون إن الحي يقدر علی بعض الأشياء دون الميت وإنه إذا نودي الحي وطلب منه ما يقدر عليه وهو الأشياء العادية فلا ضرر فيه بخلاف الميت فإنه لعدم قدرته على شئ أصلا لا يجوز نداؤه ولا طلب شئ منه.

فهم بذلك الكلام يتوهم منهم أنهم يعتقدون أن العبد يخلق أفعاله نفسه فينسبون التأثير للأحياء دون الأموات وقد تقرر قديما وحديثا أن هذا مذهب باطل ونحن أهل السنة نقول ونعتقد أن الحي لا يقدر على إيجاد شئ أصلا كما أن الميت كذلك لا يقدر والقادر حقيقة هو الله تعالى والعبد ليس له إلا الكسب الظاهري المعلوم باعتبار الحي والكسب الباطني باعتبار التبرك بذكر اسم النبي (صلى الله عليه وسلم) وغيره من الأخبار وتشفعهم وتسببهم في ذلك الشئ والخالق للعباد وأفعالهم هو الله تعالى وحده لا شريك له قال الله تعالى {الله خلق كل شيء}[7] {والله خلقك وما تعملون}[8].

وقد يكرم الله تعالى المتقين من عباده بخرق العادة لهم أو لأجهلم إن شاء لأنه الفاعل المختار كما دل على ذلك نصوص الشريعة والوجود والمشاهدة وسنبسط الكلام في ذلك قريبا إن شاء الله تعالى.

وفي شرح کبری الإمام السنوسي ما محصله: زعمت المعتزلة مجوس هذه الأمة بنص الحديث أن الذي ينفذ تعلقه ويؤثر في الفعل الاختياري إنما هو إرادة وقدرة العبد الضعيف الحقير الحادثتان قال وهذا قول شنيع بإثبات شريك الله سبحانه وتعالى في الأفعال ووصف له بنقصه العجز وغلبة العبد الضعيف عليه ويرد عليهم بقوله تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر}[9]  وقوله {والله خلقكم وما تعملون} إلى غير ذلك من الظواهر التي لا تنحصر وقد تقرر أن الظواهر أي الأدلة الدالة على شئ بحسب ظواهرها وليست نصا فيه إذا كثرت في الدلالة على شئ أفادت القطع به انتهى.

فهؤلاء الحمقى الفارقون بين الأحياء والأموات فيما ذكروا هم المعتقدون تأثير غير الله تعالى وهم الذين دخل الشرك في توحيدهم لكونهم اعتقدوا تأثيرة للأحياء دون الأموات فكيف يدعون مع هذا أنهم محافظون على التوحيد وينسبون غيرهم إلى الإشراك {سبحانك هذا بهتان عظيم}[10].

فالتوسل والتشفع والسؤال والاستغاثة والتوجه كلها بمعنى واحد كما عرف مما مر ونص عليه العلامة وغيره من الأئمة وليس لها في قلوب المؤمنين معنى إلا التبرك بذكر أحباء الله تعالى لما ثبت أن الله يرحم العباد بسببهم سواء كانوا أحياء أم أمواتا فالمؤثر والموجد حقيقة هو الله تعالى وذكر هولاء الأخيار سبب عادي في ذلك التأثير وذلك مثل الكسب العادي فإنه لا تأثير له.

قال سيدي عبد الغني النابلسي في شرح الطريقة المحمدية: وأعلم أن التوسل إلى الله تعالى بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وبأصحابه والتابعين عليهم رضوان الله تعالى أجمعين أمر جائز مشروع وهو نوع من الشفاعة وهي حق عند أهل السنة خلافا للمعتزلة كما سبق تقريره فإذا قضيت حاجة من توسل إلى الله تعالى بأحد المذكورين كان ذلك كرامة لمن كان به التوسل فهي كرامة بعد الموت خلافا لمن ينكر ذلك من جهلة المبتدعة كما قدمناه. أه بحروفه.

________________________

[1]. سورة الأنفال آية رقم ۱۲.

[2]. سورة المزمل آية رقم ۱۷.

[3]. سورة نوح آية رقم 24، 23.

[4]. سورة الزلزلة آية رقم 2.

[5]. سورة غافر آية رقم 36.

[6]. سورة آل عمران آية رقم 110.

[7]. سورة الزمر الأية رقم 62.

[8]. سورة الصافات الآية رقم 96.

[9]. سورة القمر آية رقم 49.

[10]. سورة النور آية رقم 16.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد