ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 3 ديسمبر 2018 زيارة: 40

مذهب السلف والخلف في آيات وأحاديث الصفات

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: الميزان العادل لتمييز الحق من الباطل (ص128-133)
تأليف: عبد القادر عيسى دياب

وأهل السنة والجماعة (السلف منهم والخلف). [السلف هم: أهل العلم من عهده (صلى الله عليه وسلم) إلى نهاية القرن الثالث الهجري والخلف هم: أهل العلم بعد نهاية القرن الثالث هجري] قد اعتبروا النصوص التي اشتملت على مظاهر التجسيم أو التشبيه، من النصوص المتشابهة، وهي ما أشكل تفسيره و عجز العقل عن إدراك حقيقته لقوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آیات محکمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب) وقالوا: حيث إنها من المتشابه فلا يدرك حقيقتها إلا الله وقد اتفق السلف والخلف على أن النصوص التي ظاهرها التشبيه أو التجسم يجب صرفها عن الظواهر المجسمة أو المشبهة لأن ظواهرها مستحيلة في حقه تعالى، ومخالفة للآيات المحكمات، وفي ذلك يقول الإمام السبكي: أجمع السلف والخلف على تأويل الآيات المتشابهة تأويلا إجماليا (بصرف اللفظ عن ظاهره المحال على الله تعالى) لقيام الأدلة القاطعة على أنه تعالى ليس كمثله شيء. إتحاف الكائنات للسبكي ص۲۵ [1].

ما من ناحية تفسير هذه النصوص التي ظاهرها التشبيه أو التجسيم فرغم اتفاق السلف والخلف على وجوب صرفها عن ظواهرها المشبهة واتفاقهم على: أن الله متصف بهذه الصفات ولكن بشيء يليق به بعيدا عن التكييف والتشبيه والتمثيل، إلا أنهم سلکوا تجاه تفسيرها مسلکين هما:

1- مسلك جمهور السلف (من صحابة وتابعين وأئمة مجتهدین)

مسلك عدم تفسيرها، وإنما كانوا يمرونها بدون تفسير أو تأويل، مع إيمانهم بأن الله متصف بهذه الصفات، ولكنه منزه في صفاته عن الشبيه والمثال، وفي ذلك قال مالك لمن سأله عن الاستواء: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.

وقال الشافعي: نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن ووردت بها السنة وننفي التشبيه عن الله كما نفاه عن نفسه فقال: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير). رواه ابن أبي حاتم بسنده إلى يونس بن عبد الأعلى قال سمعت الشافعي يقول: وذكره[2].

وقال الترمذي عند حديث: إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه. وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه: يؤمن به ولا يتوهم، ولا يقال كيف؟ هكذا روي عن مالك وسفيان بن عينية وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث أمروها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة. جامع الترمذي ج3 ص24 وقلنا هذا مسلك جمهور أهل السلف ولم نقل جميعهم لأنه جاء عن بعض علمائهم تأويل هذه الظواهر من النصوص وإليك تأويلهم:

أ- أول ابن عباس ومجاهد وقتادة قوله تعالى: (والسماء بنیناها بأيد …) أي[3] بقوة، أولوا الأيدي بالقوة.

ب – أول ابن عباس والربيع بن أنس ومقاتل والضحاك وسفيان الثوري قوله تعالى: (فإنك بأعيننا) وقوله: (تجري بأعيننا) أولوا الأعين بالحراسة والحفظ وغيرها[4].

ج- أول أحمد بن حنبل قوله تعالى: (وجاء ربك) فقال: إنه جاء ثوابه. رواه البيهقي عنه بسند قال عنه: وهذا إسناد لاغبار عليه. البداية والنهاية لابن كثير ج10، ص327.

2- مسلك جمهور الخلف (من علماء ما بعد نهاية القرن الثالث الهجري)

مسلك تأويل هذه الظواهر وتفسيرها عند ضرورة البيان التفصيلي أو الرد على الملاحدة والمنحرفين بشرط أن يكون هذا التأويل أو التفسير:

أ- يتناسب مع كمال الله تعالى وجلاله.

ب – موافقة للآيات المحكمات والأدلة القاطعة مثل قوله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير). وضمن حدود الشريعة وكلياتها العامة .

ج- ضمن قواعد اللغة العربية وفي حدود مدلولات ألفاظها وتراكيبها وأساليبها.

د- موافقا لما أثبته العقل السليم والمنطق الصحيح لله تعالى من صفات الكمال المطلق.

وقد سبقهم إلى هذا التأويل علماء من السلف الصالح أمثال ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك وسفيان الثوري والربيع بن أنس وأحمد بن حنبل؟ قد قال النووي بعد أن ذكر (حديث النزول): وفي هذا الحديث وشبهه من أحاديث الصفات و آیاتها مذهبان، أحدهما: تأويله على ما يليق بصفات الله تعالى وتنزيهه عن الانتقال وسائر صفات المحدث (المخلوق) وهذا هو الأشهر عن المتكلمين.

وثانيهما: الإمساك عن تأويلها مع اعتقاد تنزيهه تعالى عن صفات المحدث المخلوق، لقوله تعالى: (ليس كمثله شيء) وهذا مذهب السلف وجماعة من المتكلمين. وحاصله أن يقال: لانعلم المراد بهذا، ولكن نؤمن به مع اعتقاد: أن ظاهره غير مراد، وله معنى يليق بالله تعالى[5]. أه.

وقال ابن الجوزي: [6] “اعلم أن الناس في أخبار الصفات على ثلاث مراتب: أحدها امرارها على ما جاءت من غير تفسير ولا تأويل إلا أن تقع ضرورة كقوله تعالى: (وجاء ربك) أي جاء أمره وهذا مذهب السلف”.

ملاحظة:

قارن بين ما ذكره النووي وابن الجوزي عن مذهب السلف في آيات وأحاديث الصفات، وما ذكره الترمذي عن مالك وسفيان بن عينية وعبد الله ابن المبارك أنهم أمسكوا عن تأويلها وقالوا: بلا كيف، ولانعلم المراد بها حقيقة، وان ظاهرها غير مراد. وما ذكره البيهقي عن أحمد بن حنبل من تأويله (وجاء ربك) وما نقله القرطبي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وغيرهم: أنهم أولوا: آیات (الأيدي والأعين) كما ذكرنا سابقا.

قارن بين هذا كله وبين ما قال الوهابي عبد الرحمن عبد الخالق في كتابه (الأصول العلمية للدعوة السلفية) وفي ص 11-12 منه: والمنحرفون المؤولون عمدوا إلى هذه الآيات (آیات الصفات) فحجبوا نورها عن المسلمين، فإما أن يقولوا: هي آيات متشابهة لا نخوض في معناها ونؤمن بها كما جاءت… وإما إن هؤلاء المؤولين يعمدون إلى آيات الصفات فيحرفونها زاعمين أنه تأويل. فيقولون بمجيء الله يوم القيامة بمجيء أمره واستواءه على عرشه باستيلائه عليه… ويده بقدرته ووجهه سبحانه وتعالى بذاته .. إلى أن يقول: والمهم هنا الإشارة إلى هؤلاء الطوائف من المسلمين، الذين زعموا الهداية لأنفسهم وهذا كذبهم على الله وافتراؤهم عليه. أه.

قارن بين الطرفين لترى بأم عينك، وتتحقق بنفسك، عدم صحة دعوى الوهابية أنهم سلفيون، وأنهم يريدون هداية الناس، وتخليصهم من البدع قارن وبدقة تر: أن هذا الوهابي وأمثاله يتهمون الذين لايخوضون في تفسير آيات الصفات لئلا يقعوا في تشبيه الخالق بالمخلوق وهم جماهير الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين يتهمونهم بالكذب والافتراء على الله وعدم الهداية كما يتهمون من يؤولون هذه النصوص تأويلا يليق بكمال الله وجلاله وفيهم صحابة ابن عباس (وتابعون) قتادة ومجاهد (وأئمة مهتدون أحمد بن حنبل (وعلماء محققون أبو الحسن الأشعري أو أبو منصور الماتريدي، والغزالي والبيهقي والعز بن عبد السلام والنووي وابن حجر وغيرهم الكثير، ويتهمونهم أيضا بعدم الهداية والكذب والافتراء على الله تعالى. فهل تجد بعد هذه المقارنة محلا للصدق في دعواهم أنهم سلفية؟ وهل تصدق بعدها أنهم يريدون هداية الناس وتخليصهم من البدع الجواب: قطعا لا محل للصدق عندهم، وقطعا همهم تشكيك الناس في دينهم وإبعادهم عما كان عليه السلف والخلف من أهل السنة والجماعة، وإفساد عقيدتهم وتحويلها إلى عقيدة بحمة. أبعد الله شرهم عن الناس وأصلحهم الله كي يزول ضررهم الدين. وقال ابن كثير عند تفسيره قوله تعالى: (ثم استوى على العرش) فللناس في هذا المقام (نصوص الصفات) مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك الأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد واسحق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولاتشبيه ولا تعطيل والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله تعالى، فإن الله تعالى لا يشبه شيئا من خلقه، (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) بل الأمر كما قال الأئمة منهم: نعم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال: من شبه الله بخلقه كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى[7] وانظر ما ورد عن الأئمة:

أ- ورد عن أم سلمة أنها قالت: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به من الإيمان والجحود به کفر. انظر تفسير القرطبي ج1 ص154.

ب – وسئل أحمد عن الاستواء فقال: استوى كما اخبر لا كما يخطر للبشر[8].

ج. ولما سئل الشافعي عن الاستواء قال: آمنت بلا تشبیه، وصدقت بلا تمثيل، واتهمت نفسي عن الإدراك وامسكت عن الخوض فيه كل الإمساك) [9].

د- وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن، ووردت بها السنة وننفي التشبيه عن الله، كما نفاه عن نفسه فقال: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) [10].

وبذلك يتضح أن السلف والخلف من أهل السنة والجماعة متفقون على صرف هذه النصوص المشبهة عن ظواهرها مع أن إيمانهم بأن الله تعالى متصف بهذه الصفات ولكن دون تكييف ولا تجسيم أو تشبيه سندهم المتين قوله تعالى : (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) وقوله: (ولم يكن له كفوا أحد) ثم اختلفوا في تفسيرها وتأويلها فجمهور السلف امتنعوا عن التفسير والتأويل وأمروها كما جاءت وبعضهم أولها وجمهور الخلف أولوا البيان وللرد على المشبهة وتأويل بعض السلف وجمهور الخلف ضمن حدود الدين و اللغة ووفق الآيات المحكمات.

وإن كنت أرجح ما عليه جمهور السلف من صحابه و تابعين وأئمة مجتهدین وأجعله عقيدتي الدائمة إلا أنني أجيز التأويل عند الضرورة بشرط أن يكون التأويل ضمن الشروط السابقة للتأويل.

وأحمد الله على توفيقه وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلی وآله وصحبه أجمعين والرحمة والرضوان على التابعين والأئمة المجتهدين وأهل السنة والجماعة أجمعين وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين.

_______________________________

[1]. نقلا عن كتاب شرح جوهرة التوحيد للباجوري تنسيق الكيلاني وتتان ص 152.

[2]. نقلا عن شرح جوهرة التوحيد للباجوري تنسيق الكيلاني وتتان ص 165-166.

[3]. تفسير ابن كثير ج4 ص237.

[4]. تفسير القرطبي ج9 ص30.

[5]. شرح صحيح مسلم للنووي ج6، ص29.

[6]. راجع كتاب دفع شبهة التشبيه لابن الجوزي ص78.

[7]. تفسير ابن كثير ج2 ص 220.

[8]. رواه عنهما ابن أبي حاتم نقلا عن شرح جوهرة التوحيد للباجوري، تنسيق الكيلاني وتتان ص165-166.

[9]. رواه عنهما ابن أبي حاتم نقلا عن شرح جوهرة التوحيد للباجوري، تنسيق الكيلاني وتتان ص165-166.

[10]. رواه عنهما ابن أبي حاتم نقلا عن شرح جوهرة التوحيد للباجوري، تنسيق الكيلاني وتتان ص165-166.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد