ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 23 نوفمبر 2017 زيارة: 21

مسألة البناء على القبور والقباب

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب الإفهام والإفحام قضايا الوسيلة والقبور ص67- 75
تأليف: محمد زكي إبراهيم

الفتنة التيميائية في القرن السابع الهجري مزقت بها وحدة أهل القبلة في كل مكان، ووجدت من يستغلها باسم التوحيد والسنة لتثبيت سياسة خاصة وقيام دولة معينة.

كما وجدت (بحسن النية أحيانا وبسوئها في أكثر الأحيان) من لا يزال يرى أن هذا وحده هو الإسلام، وما عداه شرك أو كفر تستحل به الدماء والأموال والأعراض الإسلامية المحرمة ببساطة بلهاء يسيل لعاب الجهل من فمها لزجا مقززا.

وكم من أحمق متعالم ينفخ في نار الفرقة ويمزق الجماعة الإسلامية، بلا احتياط ولا حذر، ولا نظر إلى أدلة الآخرين وينسى أنه بهذا يخالف أصول الإسلام ومبادئه من جهة ثم هو يمنح ولاءه القلبي المذهبي لغير وطنه من جهة أخرى تنفيذا لسياسة أجنبية مترامية الأبعاد فهو أقرب إلى خيانة الوطن والدين إن لم يكن قد فعل علم أم لم يعلم.

ولذا نعيد تقديم هذا البحث المجمل الذي كنا نشرناه بـ “المسلم” من سنوات تأكيدا لهذه الرسالة وتبرئة للذمة وخروجا من التبعة وتفقيها لأهل الإنصاف وطلاب وجه الله، واستجابة لمن ألحفوا علينا في ذلك من الإخوان والأحباب.

أولا: مسألة البناء على القبور

تلقيت سؤالا مطولا من جماعة من المسلمين في إحدى القرى، توشك أن تشتعل بينهم نيران الفتنة بظهور جماعة بينهم ترميهم بالشرك والكفر والتبدع لأنهم لا يرون بأسا بالبناء على القبور ولا يمتنعون من الصلاة في المساجد ذات الأضرحة!!

وقد طلب هؤلاء الإخوان بإلحاح أن أعود إلى الكتابة في هذا الموضوع حسما للنزاع وإظهارا لوجه الحق في الموضوع.

والذي أراه مستعينا بالله هو أن القائلين بتحريم البناء على القبور وهدم القباب وتخريب الآثار الإسلامية إنما يحتجون بمثل حديث جابر عند مسلم: “نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجصص القبر وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه”[1]، وحديث أبي الهياج عن علي (رضي الله عنه) عند مسلم: “ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته”[2] ثم بكلام ابن القيم وشيخه ابن تيمية ومن حذا حذوهما في فهم مضمون هذه الأحاديث.

وفهم ابن تيمية وابن القيم ومن والاهم ليس هو فرض عين على كل مسلم، وليس هو وحده الصحيح بل دين الله ملك لأهل القبلة جميعا يفهم كل قادر منهم نصوصه بحسب اجتهاده وقد بقيت الأمة قرونا سبعة تفهم في هذا المعنى غير فهم ابن تيمية وابن القيم ولهذا لم تقم هذه الفتنة من قبل، وكان فهم السلف قبل ابن تيمية ملخصا (كما أعرف) فيما يأتي، وهو الحق والعدل والحكمة والإنصاف والسماحة. أي هو الإسلام.

أولا: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد بهذا النهي أن يقضي على الشرك الذي كان موجودا بعبادة الأحجار وتأليه الموتى، كما فعل (صلى الله عليه وآله وسلم) في النهي عن زيارة القبور، لعن الزائرات لها وقتئذ حتى إذا اطمأن إلأى الاستقرار الإيمان وثبوت التوحيد أذن بزيارتها للرجال والنساء لانتفاء علة النهي.

كذلك كان شأن أمره بتسوية القبور وعدم البناء عليها والحكم يدور مع علته ومتى ما انتفت العلة لم يبق محل لقيام الحكم، وذلك ما فهمه السلف، وقد ثبت بعد النهي أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وضع حجرا على قبر أحد الصحابة وقال: “أعلم أو أتعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي”[3].

ولهذا لم تهدم الأبينة التي بنيت في السبعمائة عام الأولى من تاريخ الإسلام سواء أكانت على قبور الصحابة أم على قبور التابعين أو الخلفاء أو الأمراء أو الملوك أو الأولياء الصالحين، في جميع أقطار الإسلام وبهذا الفهم الأصولي أجاز الشيخ محمد عبده إقامة التماثيل.

ثانيا: من تحدث في هذا الأمر من الأئمة الأربعة فقد نظر إلى المعنى السابق وأخذ بعضهم في الوقت نفسه بالأحوط فقال بكراهة هذه الأبنية (مجرد الكراهة) لمجرد التورع، ثم لسبب زائد، وذلك في حالات منها:

1- كون البناء في الأرض المسبلة، لئلا يضيق على الناس.

2- ألا يكون في البناء على القبر فائدة للمسلمين فيكون عبثا.

3- أن يقصد بالبناية على القبر الزينة والخيلاء.

وفي هذه الأحوال الثلاثة يكون البناء مكروها فقط، وهو المستفاد من أصول كتب المذاهب الأربعة ومن نصوص أقوال الشافعي ومالك، وما عزي إلى أبي حنيفة وأحمد، بل هو ما جاء في فقه السادة الإمامية وغيرهم فليراجع في مظانه وهي كثيرة ميسرة[4].

ثالثا: ذكر القرآن في معرض التقدير والتوجيه من قصة أهل الكهف: (قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا) قال المفسرون: وقد اتخذ أهل الإيمان المسجد عليهم بالفعل[5]، ولو كان هذا ما حرم الله ما جاء في القرآن بهذه الصيغة ولا هذه الصورة التي تفيد المنقبة والرضا والمشروعية[6].

رابعا: يقرر علماء الحديث أن ترك العمل بالحديث قرونا، يصبح علة قادحة فيه، وأقل آثار القدح ألا يفهم على ظاهره، فالحديثان المذكوران – وما في معناهما – معلولان بالترك، لانصراف فهمهما إلى ما هو أصدق وأوفق وأرفق أو ما يزيل – على الأقل – الحرج مما عمت به البلوى، إن صحت هذه التسمية كلما جاز تطبيق هذه القواعد كما هو ثابت في علم الأصول.

خامسا: يقرر المغفور له العلامة الشيخ الكوثري أن حديث أبي الهياج في إسناده اختلاف، مع عنعنة حبيب بن أبي ثابت، وكذلك حديث جابر فيه عنعنة أبي الزبير، ثم إن في مستدرك الحاكم أن العمل ليس على هذه الأحاديث لحتمية صرفها عن ظاهرها، أو حتمية القول بنسخها علميا، وأن قبور أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب تخالفها خلفا عن سلف.

سادسا: يستخلص من هذا:

1- أن البناء على القبر منع في صدر الإسلام خوف الشرك وبانتفاء هذه العلة انتفى المعلول، فيجوز البناء.

2- يكره البناء على القبور في الحالات الثلاث:

1- حالة الأرض المسبلة لئلا يضيق على الناس.

2- حالة المراء بالبناء.

3- حالة عدم انتفاع المسلمين بما يبنى.

فإذا كانت الأرض مملوكة، أو لم يقصد بالبناء الرياء أو عاد على المسلمين نفع من البناء على القبر (ولو لحفظه أو احترامه) كالمساجد والزوايا والمدارس والمشافي والملاجيء وغيرها امتنعت الكراهة لتحقق المصلحة.

سابعا: إن الأحاديث الواردة تركت قرونا فلم يعمل بظاهرها، فهذه علة فنية فيها، ثم فيها الطعن بالعنعنات والاختلاف كما سبق، فهي غير صالحة للحجية في هذا الباب، اللهم إلا إذا فهمت فهما يتماشى مع منطق الإسلام السمح والنظر إلى الأمور من كل زواياها، مع وزن المصالح العامة وهو ما فهمناه هنا، ونحن به ملزمون شرعا، حتى نستيقن الخطأ فيه، وليس كذلك إن شاء الله.

ثانيا: مسألة القباب:

دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيت عائشة (رضي الله عنها) بوصية منه (صلى الله عليه وآله وسلم)[7]، وهو بيت مسقوف، ثم دفن معه أبو بكر ثم عمر ولم ينزع الصحابة السقف ولا عللوا بقاءه بخصوصية أو حكم مميز لانتفاء الخصوصية والامتياز بدفن أبي بكر وعمر معه والقبة نوع من السقوف القوية التي لا تتأثر من قريب بعوامل الجو من نحو العواصف والأمطار واختلاف درجات الحرارة وغير ذلك حتى لقد كانت تبنى الخنادق اتقاء الغارات الجوية على صورة القباب لمقاومتها للظروف المختلفة وطول احتمالها.

ثم إنه لم يرد النهي عن القباب بالنص مع العلم بوجودها ومعرفتها هنا وهناك في عهد النبوة ولم يرد اسمها منصوصا في حديث يرفض أو يعتمد فتخصيصها بالتحريم مع إغفال ذكرها في الحديث وهي معروفة مشهودة نوع من التحكيم وعصبية من الهوى المتبع وعقدة نفسية مؤذية.

2- بنى الأمويون القبة على الصخرة المباركة بالشام والدنيا غاصة ببقية الصحابة والتابعين والفقهاء والعلماء من أهل الورع القدوة ولم يصل إلينا خبر واحد عن رجل واحد أنكر بناء القبة على الصخرة فلو كانت القباب ممنوعة لما حدث ذلك، ولما رضي السلف الصالح بإقامة هذا البناء.

3- على قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبة جددت غير مرة ولم يؤثر عن أحد من السلف الصالح أنه أنكر بناء هذه القبة أو رأى بدعيتها أو شركيتها فيما عدا أئمة الدعوة الوهابية في عصرهم المتأخر للأسباب العصبية والسياسية المعروفة[8].

4- بما أن القبة نوع من السقف له مميزات الاحتمال والاستمرار وليس لها في الأصل أي معنى من القدسية والتعظيم المدعى فقد أصبحت تبنى في كل بقاع الأرض على صالات التمثيل وقاعات التجمع ودور اللهو العام وأصبحت تبنى لمجرد الزينة كما هي في أبنية مصر وغيرها ولا يوشك أن يبنى الآن بناء عام إلا كانت القبة جزءا فيه. لمجرد التجميل أو الانتفاع بقوتها وبأوضاعها الهندسية، كما في أبنية البرلمانات العالمية والصالات بالقباب ولا تقديس لها ولم يعبدها أحد.

وقد رأينا قبة “محمد بن إسماعيل” خلف المسجد النبوي وقد أعيد بناءها في الأيام الأخيرة وقبة مسجد المطار بجدة وغيره ولم يصبح بذلك بأس عند الوهابية وهم أصحاب فكرة هدم القباب!! ففكرة التقديس التي يعتمد عليها المانعون لا وجود لها على الاطلاق إلا في أذهانهم وتحت ضغط تعصبهم الذي جعلها عقدة نفسية مزمة موروثة تتجدد معها الأزمات الذاتية القاتلة غلا وحقدا على من يخالفهم من الناس.

_________________

[1]. رواه مسلم (970)، وأحمد (3/295).

[2]. رواه مسلم (969)، وأبو داود (3/215)، والترمذي (3/366). ومما سيذكره شيخنا (رحمه الله) يتبين لك أن هذا الحديث متروك الظاهر بالاتفاق لأن الأئمة متفقون على استحباب رفع القبر قدر شبر، بل عند الحنفية قول بوجوب ذلك.

ثم إن ظاهر الحديث مخالف لما ثبت من تعليمه (صلى الله عليه وآله وسلم) لقبر أخيه من الرضاع عثمان بن مظعون بصخرة عظيمة ومخالف لصفة قبره (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنه مرتفع على الأرض فوجب أن يؤول الحديث بما يتفق مع بقية الأدلة ولذلك قال النووي في شرح المهذب: “أجاب عنه أصحابنا، قالوا: لم يرد تسويته بالأرض وإنما أراد تسطيحه جمعا بين الأحاديث”. ويرى بعض العلماء أنه أراد بالأمر قبور المشركين التي كانوا يقدسونها في الجاهلية بدليل ذكر التماثيل معها، وقد وقع في السيرة النبوية أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أرسل بعض أصحابه إلى مناة وغيرها من أصنام العرب وتماثيلهم التي يعبدونها فهدموها. والله سبحانه أعلى وأعلم.

[3]. رواه أبو داود في سننه (3/212) واللفظ له، والبيهقي في سننه الكبرى (3/412) وقد حسن الحافظ إسناده في تلخيص الحبير (2/133). “أتعلم” أي أتعرف وفي بعض النسخ: “أعلم”. ورواه ابن ماجه (1/498) مختصرا، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أعلم قبر عثمان بن مظعون بصخرة.

ويستفاد من هذا الحديث أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وضع على قبر عثمان بن مظعون صخرة عظيمة (لم يستطع الحابي حملها) ويعرف مدى عظم هذه الصخرة مما ذكره البخاري في صحيحه تعليقا (1/457) ووصله في التاريخ الصغير (1/42): قال خارجة بن زيد: رأيتني ونحن شبان في زمن عثمان بن عفان (رضي الله عنه) وإن أشدنا وثبة الذي يثب قبر عثمان بن مظعون حتى يجاوزه فكم يبلغ عظم صخرة بالكاد يستطيع شاب قوي أن يثبها ؟!

وروى ابن أبي شيبة في المصنف (3/23) عن عبد الله بن أبي بكر قال: رأيت قبر عثمان بن مظعون مرتفعا. وفيما ذكرنا كفاية لمن كان من أهل العناية.

[4]. ستأتي أقوال الفقهاء في حكم البناء على القبور قريبا.

[5]. ظاهر الآية الكريمة أن الذين غلبوا على أمرهم هم المؤمنون على الصحيح الراجح، لأن المسجد إنما يبنيه المؤمنون، وأما الكافرون فقالوا: ابنوا عليهم بنيانا ووجه الدليل من هذه الآية الكريمة أن الله تعالى أقر اتخاذهم المسجد على أهل الكهف، وقد أشعر السياق بمدح ذلك وأنه منقبة لهم، ولو كان الأمر غير ذلك لبينه الله، فدل ذلك على جواز بناء المساجد على القبور.

ونشير هنا إلى قصة بناء الصحابي الجليل أبي جندل مسجدا على قبر الصحابي الجليل أبي بصير بحضور جمع من الصحابة وفي حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والقصة كاملة في أسد الغابة (5/35)، والسنن الكبرى للبيهقي (9/227) والاستيعاب لابن عبد البر (4/21) وغيرهم.

[6]. قال شيخنا (رحمه الله): “لعن الله التعصب فقد جعل بعضهم يلوي عنق معنى الآية ليجعل الذين بنوا المسجد على أهل الكهف مشركين طغاة”.

[7]. المقصود بقوله: “بوصية منه” هو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): “ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض” وسيأتي تخريجه ص76.

[8]. قد يقول صاحب جدال وسفسطة: إن القبة بنيت في عصر متأخر، قلنا: فقد دفن (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيت مسقوف والقبة سقف ثم إن الله تعالى قد ضمن لهذه الأمة أن لا تجتمع على ضلالة كما أخبر المعصوم (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم ير في الأمة خارجا أو مخالفا أو منازعا في أمر بناء القبة ولا عبرة أبدا ببعض وهابية عصرنا كصاحب رسالة “حول القبة المبنية على قبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)” والذي قدمه لكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ويدعو فيه صراحة لإزالة القبة ولم يأت بدليل دعواه وكذلك لا عبرة بما ردده صاحب “أحكام الجنائز وبدعها” و”تحذير الساجد” و”حجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)” عن إخراج القبر الشريف من المسجد واعتباره إبقاء قبره الشريف في مسجده من ضمن بدع المدينة المنورة ولا حول ولا قوة إلا بالله.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد