ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 10 مارس 2018 زيارة: 128

مسألة الترك

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: فتن التكفيريين 183-187
تأليف:  الدكتور بسام الصباغ

إن جمهرة من المتشددين من الوهابيين أو السلفيين يستدلون بالترك من النبي (صلى الله عليه وسلم) والسلف الصالح لأي شيء يقتضي تحريمه أو كراهته ويقولون لك: هذا لم يفعله النبي (صلى الله عليه وسلم) وكل أمر لم يفعله النبي (صلى الله عليه وسلم) يجب تركه أو تحريمه أو كراهته وإن لم يأت حديث أو أثر بالنهي عن ذلك الشيء المتروك ونسجل بعض الملاحظات:

أولا: الأدلة التي احتج بها أئمة المسلمين جميعا هي الكتاب والسنة ولا خلاف بينهم في ذلك وإنما اختلفوا في الإجماع والقياس والراجح عند الجمهور الاحتجاج بهما، واعتبروها أنها المصادر الأصلية ووجدوا مصادر فرعية متفرعة عنها، وهي أدلة مختلف فيها بين الأئمة الأربعة مثل الحديث المرسل وقول الصحابي وشرع من قبلنا والاستصحاب والاستحسان وعمل أهل المدينة وسد الذرائع والعرف والمصلحة المرسلة.

ثانيا: والحكم الشرعي وهو خطاب الله المتعلق بفعل المكلفين أنواعه خمسة:

1- الواجب والفرض: وهو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه مثل الصلاة والزكاة وصوم رمضان.

2- والحرام: وهو ما يثاب فاعله ويثاب تاركه مثل الربا والزنا والعقوق.

3- المندوب: وهو يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه مثل نوافق الصلاة …

4- المكروه: وهو ما يثاب فاعله ولا يعاقب فاعله مثل صلاة النافلة بعد الصبح والعصر …

5- المباح أو الحلال: وهو ما ليس في فعله ولا تركه ثواب ولا عقاب مثل أكل الطيبات والتجارة …

ج- والنبي (صلى الله عليه وسلم) ترك أشياء كثيرة غير التحريم لأسباب عديدة منها:

1- أن يكون تركه عادة: فقد قدم إليه (صلى الله عليه وسلم) ضب مشوي فمد يده الشريفة ليأكل منه فقيل: إنه ضب، فأمسك عنه، فسئل: أحرام هو ؟ فقال: لا، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه ! … والحديث في الصحيحين …. فتركه النبي (صلى الله عليه وسلم) لذلك لا يدل على تحريمه واستقذاره أيضا لا يدل على تحريمه.

2- أن يكون تركه نسيانا، فقد سها (صلى الله عليه وسلم) في الصلاة فترك منها شيئا فسئل: هل حدث في الصلاة شيء؟ فقال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني[1].

3- أن تركه مخافة أن يفرض على أمته كتركه صلاة التراويح حين اجتمع الصحابة ليصلوها معه.

4- أن يكون تركه مخافة أن يفرض على أمته كتركه صلاة التراويح حين اجتمع الصحابة ليصلوها معه.

4- أن يكون تركه لعدم تفكيره فيه أو حاجته إليه، ولم يخطر على باله، فقد كان (صلى الله عليه وسلم) يخطب الجمعه إلى جذع نخلة ولم يفكر في عمل كرسي يقوم عليه ساعة الخطبة فلما اقترح عليه عمل منبر يخطب عليه وافق وأقره لأنه أبلغ في الإسماع وهكذا في كثير من الأعمال وافق الرسول (صلى الله عليه وسلم) على اقتراحات الصحابة للحاجة والمصلحة.

5- أن تركه يكون لدخوله في عموم آيات وأحاديث كتركه صلاة الضحى وكثيرا من المندوبات لأنها مشمولة بقوله تعالى: (وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) [الحج: 77]، وأمثال ذلك كثيرة…

6- قد يكون الترك خشية تغير قلوب الصحابة أو بعضهم فقد قال (صلى الله عليه وسلم) لعائشة: لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت ثم لبنيته على أساس إبراهيم عليه السلام، فإن قرشا استقصرت بناءه وهو في الصحيحين[2].

7- قد يكون الترك لعدم الحاجة لفعل ذلك الشيء في زمانه ثم تطور الزمان فاحتاج الناس لأشياء لم تكن في زمن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كتطور المركوب وغير ذلك.

وقد تكون أصلا لم تكن في زمن النبي (صلى الله عليه وسلم) ولم تدخل في المحرمات والمنهيات …

فالنبي لم يكل من كل فواكه الدنيا وخضارها، فإذا لم تصل للنبي (صلى الله عليه وسلم) فهل نحرمها على أنفسنا بحجة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يفعل ذلك ؟.

ثالثا: فترك الشيء لا يدل على تحريمه ولا يكون محظورا إلا بدليل يدل على حظره فالنفل في العبادات والأذكار وفي كل الأوقات والتي لم ترد في السنة فلا يعني أنها محرمة، فقد ذكر ابن حزم احتياج المالكية والحنفية على كراهية صلاة ركعتين قبل المغرب بقول إبراهيم النخعي[3] أن أبابكر وعمر وعثمان كانوا لا يصلونها ورد عليهم بقوله: لو صح لما كانت فيه حجة، لأنه ليس فيه أنهم (رضي الله عنهم) نهوا عنهما.

وقال أيضا: وذكروا عن ابن عمر أنه قال: ما رأيت أحدا يصليهما ورد عليه بقوله: وأيضا فليس في هذا الوضع نهي عنهما ونحن لا ننكر ترك التطوع ما لم ينه عنه[4].

وقال أيضا في الكلام على ركعتين بعد العصر: “وأما حديث علي، فلا حجة فيه أصلا لأنه ليس فيه إلا إخباره بما علم من أنه لم ير رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صلاهما وليس في هذا نهي عنهما ولا كراهته لهما، فما صام عليه السلام قط شهرا كاملا غير رمضان وليس هذا بموجب كراهيته صوم شهر كامل تطوعا”[5].

رابعا: والذي يدل على التحريم دليل قطعي كالنهي نحو (ولا تقربوا الزنى …) [الإسراء: 32] (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) [البقرة: 188] أو لفظ التحريم نحو (حرمت عليكم الميتة) [المائدة: 3] أو ذم الفعل أو التوعد عليه بالعقاب نحو “من غش فليس منا”[6].

وما سوى ذلك فلا يقتضي التحريم، قال إبراهيم النخعي وهو تابعي: كانوا يكرهون أشياء لا يحرمونها وكذلك كان مالك[7] والشافعي وأحمد كانوا يتوقون إطلاق لفظ الحرام على ما لم يتيقن تحريمه لنوع شبهة فيه، أو اختلاف أو نحو ذلك بل كان أحدهم يقول أكره كذا لا يزيد على ذلك. ويقول الشافعي تارة: أخشى أن يكون حراما، ولا يجزم بالتحريم يخاف أحدهم إذا جزم بالتحريم أن يشمله قوله تعالى (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلل وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب …) [النحل: 116].

خامسا: قال تعالى: (وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله …) [الحشر: 7] ولم يقل وما تركه فانتهوا عنه، فالترك لا يفيد التحريم وقال (صلى الله عليه وسلم): “ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم”[8]  ولم يقل: وما تركته فاجتنبوه، وعلماء الأصول عرفوا السنة بأنها قول النبي (صلى الله عليه وسلم) وفعله وتقريره ولم يقولوا: وتركه لأن ليس بدليل والحكم هو خطاب الله المتعلق بفعل المكلف، وذكر الأصوليون: أن الذي يدل عليه قرآن أو سنة أو إجماع أو قياس والترك ليس واحدا منها والترك يحتمل أنواعا غير التحريم والقاعدة الأصولية ما دخله الاحتمال سقط به الاستدلال، فالترك لا يقتضي التحريم.

________________________________

[1]. رواه البخاري في صحيحه كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان برقم 386. ومسلم في صحيحه كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له برقم 889، 891، 892، 893.

[2]. رواه البخاري في صحيحه كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها برقم 1482. ومسلم في صحيحه كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبناءها برقم 2367.

[3]. إبراهيم النخعي (47-96 هـ) هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي أبو عمران الكوفي الفقيه التابعي روى عن علقمة ومسروق وغيرهما وعنه الأعمش وغيره، وكان مفتي أهل الكوفة فقيها صالحا كثير الإرسال ينظر تهذيب التهذيب 1/93 وتقريب التهذيب: لابن حجر ص95.

[4]. المحلى: ابن حزم 2/254.

[5]. المحلى: ابن حزم 2/271.

[6]. رواه مسلم في صححيه بلفظ (من غشنا فليس منا) في كتاب الإيمان، باب قول النبي: من غشنا فليس منه برقم 146. والترمذي في سننه كتاب البيوع عن رسول الله، باب ما جاء في كراهية الغش في البيوع برقم 1236. وابن ماجه في سننه بلفظ مسلم، كتاب التجارات، باب النهي عن الغش برقم 2216، 2310، والإمام أحمد في مسنده برقم 4867، 9027.

[7]. وهو أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك أبي عامر الأصبحي، إمام دار الهجرة النبوية، جده أبو عامر صحابي جليل، شهد المغازي مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عالما جليلا لا يفتي في مسألة حتى يسأل من هو أعلم منه. انظر الطبقات الكبرى: ابن سعد 9/250.

[8]. رواه مسلم في صحيحه كتاب الفضائل باب توقيره وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه أو لا برقم 4348. ورواه البخاري في صحيحه بلفظ مغاير في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله برقم 6744. والإمام أحمد في مسنده برقم 7188-7797-9404-9646.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد