ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 22 سبتمبر 2019 زيارة: 179

مسائل في زيارة قبره صلى الله عليه وسلم وما يتبع ذلك

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: إقناع المؤمنين بتبرك الصالحين (ص118-125)
تأليف: عثمان بن الشيخ عمر بن الشيخ داود
الأولى منها: أنه ليس لزيارته صلى الله عليه وسلم وقت معين

بل هي في الأوقات كلها مطلوبة، وإن كانت في بعضها أشد استحبابا مثل عقيب أداء الحج، وليس لها وقت هي فيه ممنوعة أو مكروهة، فللزائر الاتيان بها في أي وقت شاء، وإن عين لها وقتا من الأسبوع فله ذلك، فقد كان صلى الله عليه وسلم يأتي قباء كل سبت كما رواه البخاري ومسلم، وفي رواية يزور راكبا وماشيا -بدل يأتي- فإذا جاز تحديد وقت من كل أسبوع لزيارة قباء تكون كذلك زيارة ضريحه الشريف صلى الله عليه وسلم، فيجوز تعيين وقت لها من كل أسبوع أو غيره، إذ لا فرق بين زيارتيهما بل قبره صلى الله عليه وسلم أفضل من قباء وغيرها من المواضع كلها، فما جاز في زيارة قباء من التوقيت يجوز في زيارة قبره صلى الله عليه وسلم كما لا يخفى، ومن التزم زيارته في رأس كل سنة فقد اهتدى بهديه صلى الله عليه وسلم وتمسك بسنته، ولا يضر تعيين ذلك الوقت وتحديده، فللإنسان تخصيص العبادات المطلقة في بعض الأزمان، وله توزيعها على الأوقات إذا لم يمنع من ذلك مانع شرعي، ولا مانع هنا أصلا، بل ورد ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي تفسير ابن جرير الطبري عند تفسير قوله
تعالى في سورة الرعد سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ما لفظه: حدثني المثنى قال: ثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك عن ابراهيم بن محمد عن سهل بن أبي صالح عن محمد بن إبراهيم قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول، فيقول: السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، وأبو بكر وعمر وعثمان. وفي تفسير ابن كثير في تفسير هذه الآية أيضا ما لفظه: وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور قبور الشهداء في رأس كل حول، ويقول لهم: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان اه. وقال ابن كثير أيضا في كتابه «البداية والنهاية» ج 4 ص 45 بعد ذكره رواية البيهقي الآتية ما لفظه: قال الواقدي: كان النبي صلى الله عليه وسلم يزورهم أي الشهداء كل حول، فإذا بلغ نقرة الشعب يقول: السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، ثم كان أبو بكر يفعل ذلك كل حول، ثم عمر ثم عثمان اه. وروى البيهقي في «دلائل النبوة» ج 3 ص 306 بسنده عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي الشهداء، فإذا أتى فرضة الشعب يقول: السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، ثم كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه بعد النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، وكان عمر رضي الله عنه بعد أبي بكر يفعله، وكان عثمان رضي الله عنه بعد عمر يفعله اه.
وكالزيارة في هذا جميع الطاعات المطلقة التي لم تقيد بوقت، كقراءةالقرآن والتسبيح والتهليل والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكالصدقة والاعتكاف وغيرها من العبادات التي ليس لها أوقات معينة، فمن عين وقتا من الأوقات لقرآءة حزب من القرآن مثلا فله ذلك ولا حرج عليه في تحديده وتعيينه، ومثل ذلك زيارته صلى الله عليه وسلم وسائر الزيارات المشروعة، وهذا من الواضحات جدا، لكني ذكرته وبسطت القول فيه تنبيها على بطلان تقوّل القائلين: إن تعيين الأوقات وتحديدها للزيارات ممنوع وبدعة مذمومة، بل يتجاوزون الحد في ذلك ويزعمون أنه شرك وعبادة للأوقات المحدودة للزيارات، وزعموا أن تقييد فعل الطاعات المطلقة في أوقات معينة تشريع، والتشريع من الشركيات. وهذا من الترهات والسقطات التي لا تصدر عن لبيب عاقل فضلا عن فاضل عالم، لكني ذكرت هذا نصيحة لهؤلاء المتنطعين وإقناعا لهم، ودفاعا عن شريعتنا السمحاء التي نفى الحرج عنها منزلها جل جلاله بقوله: وما جعل
عليكم في الدين من حرج، ولولا ذلك ما كان ينبغي التعرض لهذه المسألة لأنها من البديهيات الجليات.

الثانية: النذر بزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم والوصية لعمارته

قال الإمام النووي رحمه الله في «المجموع»: قال ابن كجّ: إذا نذر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لزمه الوفاء وجها واحدا اه. وعبارة النووي في «الروضة» ج 3 ص 328 قال القاضي ابن كجّ: إذا نذر أن يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم فعندي أنه يلزمه الوفاء وجها واحدا، ولو نذر أن يزور قبر غيره فوجهان اه. وفي «شفاء السقام» للسبكي ص 92 فإن قلت: ما قولكم فيمن نذر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم هل ينعقد نذره ويلزمه ذلك أم
لا فإن مقتضى قولكم باستحباب الزيارة أن تلزم بالنذر؟ قلت: نعم، نقول بانعقاد نذره ولزوم الزيارة به، وبه صرح القاضي ابن كجّ من أصحابنا، ولم نر لغيره من الأصحاب خلافه. وقد قدمنا عن العبدي المالكي لزوم النذر بزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم اه.
وقال ابن حجر الهيتمي في «حاشية الإيضاح» ص 519 و «الجوهر المنظم» ص 78: ولو نذر زيارة قبره صلى الله عليه وسلم لزم الوفاء به لما علمت أنها من القرب المؤكدة، وكذا زيارة قبر غيره صلى الله عليه وسلم مما تسن زيارته لأنه قربة مقصودة فلزمت بالنذر اه.
وقال الزركشي في «الساجد في أحكام المساجد» ص 271 بعد نقله عبارة ابن كجّ: أقره الرافعي وغيره اه.
فثبت أن من نذر زيارة قبره صلى الله عليه وسلم لزمه الوفاء باتفاق الشيخين وغيرهما، بل لم يخالفهم في ذلك أحد من الأصحاب كما قاله الإمام السبكي، وأما الوصية لعمارة ضريحه الشريف فهي جائزة أيضا فقد قال النووي في «الروضة» ج 6 ص 98:يجوز للمسلم والذمي الوصية لعمارة المسجد الأقصى وغيره من المساجد، ولعمارة قبور الانبياء والعلماء والصالحين لما فيها من إحياء الزيارة والتبرك بها اه.
وقال النووي في «المنهاج»: وإذا أوصى لجهة عامة فالشرط أن لا تكون معصية كعمارة كنيسة. وقال الخطيب الشربيني في شرحه ج 3 ص 40: فإذا انتفت المعصية فلا فرق بين أن يكون قربة كالفقراء وبناء المساجد وعمارة قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وألحق الشيخ أبو محمد بها قبور العلماء والصالحين لما فيها من إحياء الزيارة والتبرك بها، أو مباحة لا تظهر فيها القربة كالوصية للأغنياء اه.
وابن كجّ هو الإمام أبو القاسم يوسف بن أحمد بن يوسف بن كجّ الدينوري الشافعي من أصحاب الوجوه، توفي سنة 405. قال ابن كثير في «البداية والنهاية» ج 11 ص 355: كان أحد أئمة المذهب الشافعي وله في المذهب وجوه غريبة. وقال في «شذرات الذهب»: انتهت إليه الرياسة ببلده في المذهب، وفي طبقات ابن شهبة أنه أحد الأئمة المشهورين، وحفاظ المذهب المصنفين، وأصحاب الوجوه المتقنين، ومن تصانيفه «التجريد» وهو مطول، وقد وقف
عليه الرافعي اه وفي «طبقات الشافعية» لابن السبكي: هو الإمام أحد أركان المذهب، وأطنبوا في وصفه بحيث يفضله بعضهم على الشيخ أبي حامد.
وفي «وفيات الأعيان» أنه جمع بين رئاسة العلم والدنيا، وله وجه في المذهب الشافعي، وصنف كتبا كثيرة انتفع بها الفقهاء. وكج بفتح الكاف وتشديد الجيم اه. وهو في اللغة اسم للجص الذي يُبَيّض به الحيطان.

الثالثة: النية والقصد إلى زيارة مسجده صلى الله عليه وسلم أيضا

قال الإمام النووي في «الإيضاح» ص 489: يستحب للزائر أن ينوي مع زيارته صلى الله عليه وسلم التقرب إلى الله تعالى بالمسافرة إلى مسجده صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه اهـ.
وقال الحافظ القسطلاني في كتابه «المواهب اللدنية» في باب زيارة قبره الشريف صلى الله عليه وسلم: ينبغي لمن نوى زيارة قبره صلى الله عليه وسلم أن ينوي مع ذلك زيارة مسجده الشريف والصلاة فيه، لأنه أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال الا إليها اه. وقال ابن حجر الهيتمي في كتابه «الجوهرالمنظم» ص 33: قال العلماء من الشافعية وغيرهم: يستحب للزائر أن ينوي مع زيارته صلى الله عليه وسلم التقرب بشد الرحل والسفر إلى مسجده صلى الله عليه وسلم والصلاة والاعتكاف فيه اه.

الرابعة: زيارة المشاهد والمزارات التي بالمدينة المنورة

قال الحافظ القسطلاني في «المواهب اللدنية»: وينبغي أيضا بعد زيارته صلى الله عليه وسلم أن يقصد المزارات التي بالمدينة الشريفة، والآثار المباركة، والمساجد التي صلى فيها صلى الله عليه وسلم التماسا لبركتها اهـ.
قال الشيخ ابن حجر الهيتمي في «الجوهر المنظم في زيارة قبر النبي المعظم» ص 74: يسن للزائر أن يأتي متطهرا قبور الشهداء بأحُد، ويبدأ بسيد الشهداء حمزة رضي الله عنه، والأفضل أن يكون ذلك يوم الخميس، لأن الموتى يعلمون أي يزيد علمهم للأدلة على دوام علمهم بزوارهم يوم الجمعة، ويوما قبله ويوما بعده كما نقله في «الإحياء» عن محمد بن واسع، ويستحب استحبابا متأكدا أن يأتي متطهرا مسجد قباء، ناويا التقرب بزيارته والصلاة فيه للحديث الصحيح: صلاة في مسجد قباء كعمرة، والأولى أن يكون ذلك يوم السبت، ويسن أن يأتي الآبار التي بالمدينة وهي مشهورة لأهلها، وذكرت منها في الحاشية 19، ويسن له أيضا أن يأتي المساجد التي بالمدينة وهي نحو ثلاثين موضعا انتهى ملخصا.

الخامسة: الاستئجار على إبلاغ السلام له صلى الله عليه وسلم والدعاء عند قبره الشريف

قال ابن حجر الهيتمي في «حاشية الإيضاح» ص 519: ويصح الاستئجار على الدعاء عند القبر الشريف، لأنه مما يقبل النيابة ولا يضر الجهل به، وكذا على إبلاغ السلام له صلى الله عليه وسلم، لا على نفس الوقوف عند القبر لأنه لا يقبل النيابة إذ فائدته لا تتعدى إلى المستأجر بخلاف الدعاء، والجعالة كالإجارة في جميع ذلك اهـ.

السادسة أخذ التراب من قبره صلى الله عليه وسلم وسائر قبور الصالحين للتبرك

اعلم أن كثيرا من الناس يأخذون التراب من قبور الصالحين للتبرك والتداوي، ومن العلماء الذين أدركناهم من يستحسن ذلك، ومنهم من يكرهه، ومنهم من يحرمه، كشيخنا العلامة الورع الزاهد، الشيخ حسين بن محمد المعروف بعطا، فقد كان يمنع أخذ التراب من قبور الصالحين، وقد أخبرني من أثق به وهو محمد بن حسين الزاهد أن الشيخ سئل عن ذلك، فأجاب بأنه ممنوع حرام، وأخبرني أيضا تلميذه الشيخ هلوله تَِفوْ يوم الجمعة 1/ 1/ 1423 هـ أنه سَأل بنفسه الشيخ حسينا عن هذه المسئلة، فأجابه بأن ذلك ممنوع، وقال الشيخ هلوله: وكنا حينئذ في زيارة الشيخ عثمان بن الشيخ حسن معلم، وكان طلب مني شخص من المحبين له أن آخذ له التراب من قبره، فلما سألت الشيخ وأجابني بمنعه امتنعت. وأخبرني أيضا تلميذه الشيخ محمد َ غيْدِ أنه سمع الشيخ حسينا يقول: إن أخذ التراب من القبور حرام.
وممن ذهب إلى جواز ذلك الإمام الطنبداوي، ففي «النور السافر» ص 229 – 230: أن العلامة الطنبداوي كان يضع تراب بعض قبور الأولياء في إناء فيه ماء ثم يشرب، وعبارته: حكى العلامة الحافظ جمال الدين محمد بن المعروف أفلح محدث الديار اليمنية قال: كنت أيام قراءتي على الطنبداوي أخرج معه في الأسبوع يوما نزور السبعة المشهورين المسمين بـ “الأعلية” جمع على غير قياس، لأنهم يريدون جمع عليّ، فكلما وصل إلى قبر واحد منهم قرأ ماشاء الله تعالى وأهدى ذلك إلى روح صاحب القبر، ثم يأمرني أن آتيه بإناء من ماء، فيضع من تراب القبر فيه ويشرب، ثم يأمرني أن أفعل مثله، ويقول لي: هو ترياق مجرب.
والطنبداوي هو الشيخ أحمد بن الطيب بن شمس الدين البكري الصديقي الشافعي، شهاب الدين شيخ الإسلام الحبر الإمام العارف بالله القانت الأواه، بلغ غاية من العلم ما ارتقى إليها أهل ذلك الزمن، كان مع أهل عصره بمنزلة الشمس مع النجوم، وكان شديد التصلب والصدع بالحق، لايخاف في الله لومة لائم، وانتهت إليه رئاسة الفتوى والتدريس بمدينة زبيد، وله فتاوي مشهورة عليها الاعتماد بزبيد، وشرح «التنبيه» في 4 مجلدات، وله على «العباب» حاشية، قال الشيخ صالح النماري: ومن عجيب ما سمعته منه أنه قال: طالعت جميع «الإيضاح شرح الحاوي» للقاضي الطيب الناشري في ليلة واحدة، وهو مجلدان ضخمان، قال: وعلقت من كل باب فائدة، وهذا خرق عادة. وقال الخولاني: سمعته يقول: كان الفوائد التي كتبتها تلك الليلة ثلاثة كراريس، وكان مولد الطنبداوي بعد السبعين وثمانما ئة تقريبا، وتوفي رحمه الله سنة ثمان وأربعين وتسعمائة 948 اهـ.

وممن أباح ذلك بل وَأكْل القليل منه البرهان بن جمعان وغيره، فقد قال الفقيه العلامة جمال الدين محمد بن عبد الرحمن بن حسن الأهدل في كتابه «عمدة المفتي والمستفتي» ج 1 ص 175: يحرم أكل تراب المقبرة المنبوشة الذي قد خالط صديد الموتى يقينا، أما عند الشك فالأصل الطهارة. قال البرهان بن جمعان وغيره: يجوز أكْ ُ ل القلي ِ ل من قبور الأولياء للتبرك، وقد جُرَّب للتبرك ونفع. قلت: ويُستأنس له بحديث تربة أرضنا بريق بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا. رواه مسلم من حديث عائشة مرفوعا، فإنه يفيد أن للتربة مدخلا في الشفاء في الجملة، وإذا انضم إلى ذلك أخذه من قبر ولي توفرت البركة اه.
قلت: ومما يدل على جواز ذلك أخذ تراب قبر سعد بن معاذ رضي الله عنه، ففي «سير أعلام النبلاء» ج 1 ص 289 و «السيرة النبوية» ص 522 كلاهما للحافظ الذهبي، و «حجة الله على العالمين» للنبهاني ج 2 ص 499: أخرج ابن سعد وأبو نعيم من طريق محمد بن المنكدر عن محمد بن شرحبيل بن حسنة قال: قبض إنسان بيده من تراب سعد بن معاذ، فذهب بها ثم نظر إليها بعد ذلك فإذا هي مسك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله سبحان
الله حتى عرف ذلك في وجهه، فقال: الحمد لله لو كان أحد ناجيا من ضمة القبر لنجا منها سعد، ضم ضمة ثم فرج الله عنه اه واللفظ للنبهاني. ففي هذا تقرير منه صلى الله عليه وسلم على ذلك وهو لا يقر على غير مباح.
ومما يستدل به على الجواز ما ذكره غير واحد من أن سيدتنا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت قبضة من تراب قبره صلى الله عليه وسلم لما مات ودفنوه، وممن ذكر ذلك ابن قدامة الحنبلي في «المغني» ج 2 ص 547 والحافظ ابن الجوزي في «الوفا بأحوال المصطفى» وعبارته: وعن علي كرم الله وجهه لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءت فاطمة رضي الله عنها، فأخذت قبضة من تراب القبر فوضعته على عينيها فبكت، وأنشأت تقول:

ما ذا على من شم تربة أحمدا … أن لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت عليّ مصائب لو أنها … صبت على الأيام عدن لياليا

وقد يعترض على استدلال حديثها بأن الذهبي تكلم فيه، فقد قال في «سير أعلام النبلاء» ج 2 ص 134: ومما ينسب إلى سيدتنا فاطمة ولا يصح: ماذا على من شم تربة أحمدا إلى البيتين اه وبفرض صلاحيته للاستدلال فلا يخفى أن الحالة حينئذ كانت حالة دهشة وحيرة واستغراق في مصيبة وفاته صلى الله عليه وسلم، حتى قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيها ما قال مع قوة يقينه وكمال إيمانه، وقد ذكرنا آنفا أن الهيتمي حمل ما وقع عن السيدة فاطمة على غلبة وَجْدٍ وحال، وأيضا فلا ندري قصدها من أخذها، أكان للتبرك فنستدل به على جواز الأخذ، أم كان لأمر آخر كالتسلي مثلا، كما يفعله بعضهم من أخذ ثياب من مات منهم أو عصاه أو نحو ذلك مما له اتصال بميتهم للتصبر عنه، وكالتذكار كما يأخذ بعضهم صورته ليتذكروا بها فقيدهم الراحل فلا ينسوه، أو غير ذلك.
ومما يستأنس للجواز ما كان يفعله بعض السلف رحمهم الله من أخذ التراب من بعض قبور الصالحين، ففي «حلية الأولياء» للحافظ أبي نعيم ج 2 ص 258 ما حاصله: أن عبد الله بن غالب قتل شهيدا، فلما دفن كان الناس يأخذون من تراب قبره، كأنه مسك يصرونه في ثيابهم. وقال مالك بن دينار: كان يوجد من قبر عبد الله بن غالب ريح المسك اهـ.
ومثله في «صفة الصفوة» للحافظ ابن الجوزي ج 3 ص 334.
وفي «لطائف المعارف» لابن رجب الحنبلي ص 86: لما دفن عبد الله بن الغالب كان يفوح من تراب قبره رائحة المسك، فرؤي في المنام، فسئل عن تلك الرائحة التي توجد من قبره، فقال: تلك رائحة التلاوة والظمأ اهـ.
وكذلك أخْذ الناس تربَة قبر الإمام البخاري رحمه الله، ذكر ذلك الحافظ العسقلاني في مقدمة «الفتح» ص 493. والإمام القسطلاني، وعبارته في «إرشاد الساري شرح صحيح البخاري» ج 1 ص 139: ولما صُلِي على الإمام البخاري ووضع في حفرته فاح من تراب قبره رائحة طيبة كالمسك، ودامت أياما، وجعل الناس يختلفون إلى قبره مدة يأخذون منه اهـ.
وذكر مثل ذلك ملا علي بن سلطان القاري في «المرقاة شرح المشكاة» ج 1 ص 15 – 16.
قلت: وبالجملة فالذي يميل إليه القلب وهو المتجه إن شاء الله جواز أخذ التراب للتبرك من قبور الصالحين إذا لم يكن َثمَّ مانع، مثل كونها ملك محجور عليه لا يعتبر رضاه، أو كونها من حرم مكة المشرفة، فإن ترابه لا يجوز إخراجه من الحرم أو نحو ذلك مما يقتضي الحرمة، وأما إذا كان تراب القبر ملكا للآخذ المتبرك فلا يظهر وجه يقتضي منعه من تصرفه بملكه، إذلم يرد دليل بنهي ذلك، والأصل إباحة التصرف بملكه، وكذلك إذا أذن له المالك الذي يعتبر شرعا إذنه، أو كانت المقبرة في موات لا يملكها أحد. ويدل على الجواز قياسا ما ذكره الذهبي وابن السبكي وابن العماد الحنبلي، فقد قالوا: كان الناس يأخذون تراب نعلي الإمام أبي إسحاق الشيرازي للتبرك وهو ينظر إليهم فلا ينهاهم عن ذلك. فإذا كان تراب نعلي الصالحين يتبرك به لمجاورته واتصاله بأقدامهم فكذلك يتبرك بالتراب الذي يضم أجساد الصالحين، فإنه إذا جاز التبرك بتراب الأقدام فقط فالتبرك بالتراب الذي تشرف بمجاورة الجسد كله أولى وأجدر. وقد ذكرنا أن ضريحه صلى الله عليه وسلم أفضل البقاع إجماعا، ومعلوم أن فضيلة تربته الطيبة وبركتها لم تكن إلا من جوارها لسيد الخلق وأفضلهم صلى الله عليه وسلم، فلا مانع حينئذ من تشرّف التربة المجاورة لورثته صلى الله عليه وسلم بهم وأن تكون فيها البركة.
وسنذكر إن شاء الله أن كثيرا من المفسرين والمحدثين والفقهاء وغيرهم ذكروا قبورا يُتَبَرَّكُ بها ويستسقى بها ويستجاب الدعاء عندها، فمن أخذ تربة مباركة لينال ما جعل الله فيها من البركة لم يأت بسوء ولا بأس بما فعله كما لايخفى.
ومما يؤيد ذلك ما رأيناه من بعض مشايخنا ومن العلماء العاملين الذين أدركناهم، فقد كان أكثرهم لا يمنعون أحدا عن أخذ التراب تبركا من قبور الصالحين. ويقوي الجواز أيضا القياس على تَمَسُّح القبور للتبرك، فقد صرح كثيرون بمشروعيته كما ذكرناه، فإذا جاز التَمَسُّح بالقبور للتبرك فكذلك يجوز أخذ التراب منها للتبرك أيضا، إذ لا فرق بينهما كما يظهر.
ومما يدل على الجواز أيضا أن العلماء الناقلين أخذ التراب من القبور ذكروا ذلك في معرض المدح لمن يُترجمون عنهم، ولا يخفى أن المدح لا يكون إلا بما يستحسنه المادح ممن يمدحه، فمدحوهم على بلوغهم رتبة التبرك بترابهم وأهليّتِهم لذلك، فلو لا أنهم يستحسنون ذلك لم يذكروه، وإن ذكروه لم يسكتوا عليه، بل نقدوا واعترضوا عليه. وقد صرح العلماء بأن من نقل شيأ وهو يستحسنه فهو قائل به، فعلى هذا يصح أن نقول: إن من القائلين بجواز أخذ التراب من قبور الصالحين الحفاظ أبو نعيم وابن الجوزي والقسطلاني وغيرهم ممن نقل على وجه الاستحسان أخذ تراب القبور. هذا ما ظهر والعلم عند الله تعالى.
وأما إفتاء شيخنا الشيخ حسين بالمنع فهو مجمل غير مفصل، فيحتمل أن يحمل بما إذا كان التراب ملكا للغير ولم يأذن في أخذه أو نحو ذلك مما يقتضي الحرمة بسبب آخر والله أعلم.

 

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد