ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 3 نوفمبر 2018 زيارة: 34

مشروعية زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وسلم)

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: سعادة الدارين في الرد على الفرقتين الوهابية ومقلدة الظاهرية (1/ 109-121)
تأليف: الشيخ إبراهيم بن عثمان السمنودي
تنبيه مهم:

قال العلامة القاري في شرح الفقه الأكبر وفي المحيط: من أنكر الأخبار المتواترة في الشريعة كفر مثل حرمة لبس الحرير على الرجال، ومن أنكر أصل الوتر والأضحية كفر. انتهى. ولا يخفى أنه قيده بقوله في الشريعة لأنه لو أنكر متواترا في غير الشريعة، كإنکار جود حاتم وشجاعة علي (رضي الله تعالى عنه) وغيرهما لا يكفر. انتهى أي بل يكذب.

ثم اعلم أنه أراد بالتواتر ها هنا التواتر المعنوي لا اللفظی، لعدم ثبوت تحريم لبس الحرير، وأصل الوتر والأضحية بالتواتر المصطلح عليه، فإن الأخبار المروية عنه (صلى الله عليه وسلم) على ثلاثة مراتب كما بينته في شرح النخبة، ونخبته ها هنا أنه إما متواتر وهو ما رواه جماعة عن جماعة لا يتصور واطئهم على الكذب، فمن أنكره كفر.

أو مشهور وهو ما رواه واحد عن واحد، ثم جمع عن جمع لا يتصور توافقهم على الكذب، فمن أنكره كفر عند الكل إلا عیسی بن آبان فإن عنده يضلل ولا يكفر وهو الصحيح. أو خبر الواحد، وهو أن يرويه واحد عن واحد فلا يكفر جاحده، غير أنه يأثم بترك القبول إذا كان صحيحا أو حسنا.

وفي الخلاصة: من رد حديثا قال بعض مشايخنا: يكفر.. وقال المتأخرون: إن كان متواترا كفر.

أقول: هذا هو الصحيح إذا كان رد حديث الآحاد من الأخبار على الاستخفاف والإنكار. انتهى ما ذكره العلامة القاري. وفي معروضات المفتي أبي السعود سؤال طالب علم ذکر عنده حديث نبوي، فقال: أكل أحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم) صدق؟.

فأجاب بأنه: يكفر أولا بسبب الاستفهام الإنكاری، وثانيا بالحاقة الشين بالنبي (صلى الله عليه وسلم).  (در) مختار إذا تكلم بكلمة الكفر ولم يدر أنها كفر قال بعضهم: لا يكون كفرا ويعذر بالجهل.

وقال بعضهم: يصير كافرا بذلك.

وأما إجماع المسلمين فقد نقل جماعة من الأئمة حملة الشرع الشريف الذين عليهم المدار والمعول في النقل منهم النووي، والقاضي عياض، وابن الهمام الإجماع على مشروعية زيارة قبره (صلى الله عليه وسلم) الشاملة للسفر لها على ما سنقرره، وإنما الخلاف بينهم في أنها واجبة أو مندوبة.

فذهب أكثر العلماء من السلف والخلف إلى ندبها دون وجوبها، وقال بعض أئمة المالكية أنها واجبة وأوله غيره منهم بأن المعنى أنها من السنن الواجبة أي المتأكدة.

وجزم بعض الظاهرية بالوجوب، وقد يستدل له ولظاهر القول قبله بما مر من قوله (صلى الله عليه وسلم): “من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني” يجعل من حج البيت قيدا لبيان الأولى أو الأهم أو الأغلب، حتى لا يكون له مفهوم، لأن ترك الزيارة ممن حج وقد قرب من المدينة الشريفة أقبح من ترکها ممن لم يحج،. وحينئذ فيكون معنى الخبر الشريف “من لم يزرني فقد جفاني”.

ويؤدي ذلك سقوطه من روايات آخر وإن كانت ضعيفة، وهذه الرواية قد مر أن سندها جيد يحتج به ولا شك أن جفاءه (صلى الله عليه وسلم) حرام فعدم زيارته المتضمن لحفائه حرام أيضا.

وقد يجاب من جهة الجمهور القائلين بالندب بأن الحديث المذكور في سنده عند من صححه مقال كما علم مما سبق وبتسليم صحته فالجفاء من الأمور النسبية فقد يقال في ترك المندوب أنه جفاء، إذ هو ترك البر والصلة، ويطلق أيضا على غلظ الطبع والبعد عن الشئ.

قال الزرقاني: أو أن المراد فعل مثل فعل الجافي لا أنه جفاء أي أذى حقيقي، إذ لا يجوز أذاه (صلى الله عليه وسلم) ولا بالمباح فضلا عن المكروه. أهـ.

وعلى كل حال فمن خالف في مشروعية الزيارة الشاملة للسفر لها كما يأتي فقد خرق الإجماع، وخارقه فاسق باتفاق وفي كفره الخلاف كما هو التحقيق عند الأصوليين.

فالزيارة ومقدماتها من السفر إليها ولو بقصدها فقط دون أن ينضم إليها شئ مما مر من أهم القربات وأنجح المساعي، ومن ثم قال السادة الحنفية أنها تقرب من درجة الواجبات.

ويدل لما تقرر ما ورد من الأحاديث الصحيحة الكثيرة المتقدم بعضها التي لا يشك فيها إلا من انطمس نور بصيرته. وفي المدخل للإمام ابن الحاج المتوفي بالقاهرة سنة 737 ما نصه: قال القاضي أبو الفضل عیاض (رحمه الله تعالى) في كتاب الشفاء له: وزيارة قبره (صلى الله عليه وسلم) سنة من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها.

وقد نقل ابن هبيرة في كتاب اتفاق الأئمة قال: اتفق مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد بن حنبل (رحمهم الله تعالى) على أن زيارة النبي (صلى الله عليه وسلم) مستحبة.

ونقل عبد الحق في تهذيب الطالب عن أبي عمران الفارسي أن زيارة النبي (صلى الله عليه وسلم) واجبة. قال عبد الحق يرید وجوب السنن المؤكدة.

عبدري (رحمه الله تعالى) في شرحه لرسالة ابن أبي زيد (رحمه الله تعالى) ما هذا لفظه: وأما المنذر للمشي إلى المسجد الحرام والمشي إلى مكة فله أصل في الشرع وهو الحج والعمرة.

وإلى المدينة لزيارة النبي (صلى الله عليه وسلم) أفضل من الكعبة ومن بيت المقدس وليس عنده حج ولا عمرة، وهذا الذي قاله مسلم صحيح لا يرتاب فيه إلا مشرك أو معاند لله ولرسوله (صلى الله عليه وسلم)”.

والحاصل من أقوالهم: أن زيارة قبره (عليه الصلاة والسلام) قربة مطلوبة لنفسها لا تعلق لها بغيرها، فتنفرد بالقصد وشد الرحال إليها، ومن خرج قاصدا إليها دون غيرها فهو من أجل الطاعات وأعلاها هنيئا له ثم هنيئا له اللهم لا تحرمنا من ذلك منك يا كريم. انتهى بتقديم وتأخير.

وقال القاضي ابن کج من أصحابنا: إذا نذر أن يزور قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) فعندي أنه يلزمه الوفاء به وجها واحدا. قال السبكي في شفائه ولم نرى لغيره من الأصحاب خلافه. انتهى.

وقال السيد مرتضى: قالوا وزيارة قبره الشريف (صلى الله عليه وسلم) من كمالات الحج بل عند الصوفية فرض وعندهم الهجرة إلى قبره ميتا كهى إليه حيا. أه.

وقال العلامة زين الدين المراغي كما في المواهب: وينبغي لكل مسلم اعتقاد كون زيارته (صلى الله عليه وسلم) قربه لأحاديث الواردة في ذلك، إذ لا تقصر عن درجة الحسن، وإن كان في أفرادها مثال، ولقوله تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك)[1].

لأن تعظيمه (صلى الله عليه وسلم) لا ينقطع بموته، ولا يقال أن استغفار الرسول لهم إنما هو في حياته، وليست الزيارة كذلك، لأن الآية دلت على تعليق وجدان الله توابا رحيما بثلاثة أمور: المجيء، واستغفارهم، واستغفار الرسول لهم.

وقد حصل استغفار الرسول لجميع المؤمنين، لأنه (صلى الله عليه وسلم) قد استغفر للجميع قال الله تعالى: (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات)[2] ومعلوم بالضرورة أنه يمتثل أمر الله تعالى، فإذا وجد مجيئهم واستغفارهم فقد تكملت الأمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله تعالى ورحمته.

وقد أجمع المسلمون على استحباب زيارة القبور كما حكاه النووي وأوجبها الظاهرية، فزيارته (صلى الله عليه وسلم) مطلوبة بالعموم والخصوص للأحاديث الناصة عليها والاستنباط من الآية المذكورة. انتهى بأدني زيادة الزرقاني.

وقال العلامة المحقق في “الجوهر المنظم”: وكما أجمع العلماء على مشروعية الزيارة والسفر إليها كذلك أجمع المسلمون من العلماء وغيرهم على فعل ذلك.

فإن الناس لم يزالوا من عهد الصحابة (رضي الله تعالى عنهم) وإلى اليوم يتوجهون من سائر الآفاق إلى زيارته (صلى الله عليه وسلم) قبل الحج وبعده، ويقطعون فيه أي في السفر إلى زيارته (عليه الصلاة والسلام) مسافات بعيدة شاقة وينفقون فيه الأموال ويبذلون المهج معتقدين أن ذلك من أعظم القربات.

ومن زعم أن هذا الجمع العظيم الكثير على تكرر الأزمنة مخطئون، فهو المخطيء المحروم، كيف وقد صح عن أبي مسعود (رضي الله تعالى عنه) مرفوعا أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله تعالى حسن”. انتهى بأدنى زيادة.

ثم قال: وزعم أنهم إنما يقصدون طاعات أخر لا مجرد السفر للزيارة مكابرة وعناد للعلم من أكثرهم بأنهم لا يخطر لهم غير محض الزيارة، بل لا يخطر ذلك إلا لمن أحاط يشبه المخالفين المبطلين وقليل ما هم. على أن غرض هؤلاء الأعزم إنما هو الزيارة، وما عداها مغمور في جنبها حتى لو لم تكن لم يسافروا.

وقول العلماء ينبغي أن ينوي مع زيارته التقرب إلى مسجده (صلى الله عليه وسلم) والصلاة فيه نص فيما قلناه، إذ لم يجعلوا ذلك شرطا وإنما جعلوه الأكمل، ليكون السفر إلى قربتين، فيكثر الأجر بزيادة القرب حتى لو زاد من قصد القربات زادت الأجور. وفي قولهم المذکور فائدة مرت، وهي التنبيه على أن قصد تلك القرب لا يقدح في الإخلاص في نية الزيارة، وأن نقل العلامة ابن عابدين في حواشي الدرر عن بعض الحنفية أن الشخص لا يقصد معها غيرها. انتهى بزيادة.

وأما القياس فقد جاء أيضا في السنة الصحيحة المتفق عليها الأمر بزيارة القبور غير رديف للنهي عنها الذي كان في صدر الإسلام لحدوث العهد بالجاهلية ففي حديث “زوروا القبور ولا تقولوا هجرا” رواه الطبراني في معجمه الصغير.

قال الحافظ الأصبهاني في كتابه “آداب زيارة القبور”: ورد الأمر بزيارة القبور من حديث علي (كرم الله تعالى وجهه)، وابن عباس، وابن مسعود، وأنس، وبريدة، وعائشة، وأبي سعيد، وواسع بن حبان، وأم سلمة، وأبي بن كعب، وأبي ذر وهريرة (رضي الله تعالى عنهم)، فقير النبي نبينا (صلى الله عليه وسلم) منها أولى وأحرى وأحق وأعلى بل لا نسبة بينه وبين غيره.

ولا حجة للمفترين فيما تمسكوا به كما سيوافيك بسطه إن شاء الله تعالى. وأي عمى وأي غباوة أعظم من كونهم يقولون بمشروعية زيارة القبور الا قبره (عليه الصلاة والسلام)، فنسأل الله تعالى الحماية من كلامهم ومعتقدهم بجاه خير الأنام (عليه أفضل الصلاة والسلام).

وأيضا فقد ثبت في الصحيح أنه (صلى الله عليه وسلم) زار قبور أهل البقيع وشهداء أحد فقبره الشريف أولى لما له من الحق ووجوب التعظيم، وليست زيارته (صلى الله عليه وسلم) إلا لتعظيمه والتبرك به والاستمداد منه.

کزيارة بقية الأنبياء والشهداء والصالحين كما سنقله، ولينال الزائر عظیم الرحمة والبركة بصلاته وسلامة عليه (صلى الله عليه وسلم) عند قبره الشريف، وليحظى بفضيلة خطابه ورده السلام بنفسه الشريفة بحضرة الملائكة الحافين به (صلى الله عليه وسلم).

فقد روى إسماعيل القاضي، وابن بشکوال، والبيهقی، والدارمی، وابن المبارك، وأبو الشيخ، وابن النجار في تاريخ المدينة والقرطبي في التذكرة عن كعب الأحبار (رضي الله تعالى عنه) أنه قال: ما من يوم وليلة إلا ويترل عند الجر سبعون ألفا من الملائكة يحفون بقبر النبي (صلى الله عليه وسلم) يضربون بأجنحتهم: – أي للطيران حوله أو فوقه- يلتمسون بركته وقربه ونوره ويصلون عليه إلى الليل، ثم يترل سبعون ألفا يفعلون كذلك إلى الفجر.

وهكذا حتى تقوم الساعة، ويقوم (صلى الله عليه وسلم) من قبره الشريف في سبعين ألفا من الملائكة يزفونه. وفي رواية يوقرونه. ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور بلفظ: وعن كعب: أنه دخل على عائشة (رضي الله تعالى عنها) فذكروا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقاله كعب ومثل هذا لا يكون من قبل الرأي، فإذا صدر من کعب الأحبار وهو من أكابر التابعين الثقات وصح عنه وكان بحضرة عائشة (رضي الله تعالى عنها) كما علمت، صار كأنه صح عن النبي (صلى الله عليه وسلم).

كما نقله العلامة المحقق في الفتاوى الحديثة عن الأئمة قال: ولا نظر إلى احتمال أنه قال عن التوراة، لأنه كان من أحبار اليهود، لأن الحجة به قائمة بهذا الفرض أيضا، لأنه كان من أكابر التابعين ومؤمني أهل الكتاب، فإذا نقل ذلك عن التوراة كان الحجة فيه، لأنه يعلم مبلدها من غيره، كما صح عن ابن سلام (رضي الله تعالى عنه) في قصة رجم الزانيين وتصديق النبي (صلى الله عليه وسلم) له بقوله: إن ذلك في التوراة ولاحتمال أنه سمعه من بعض الصحابة.

وربما يرشحه ما في رواية ابن أبي الدنيا المتقدمة.

فإن قلت ما معنى قوله يصلون عليه مع إفادة آية: (إن الله وملائكته يصلون على النبي)[3] إن جميع الملائكة مع كثرتهم التي لا يحيط بها إلا خالقهم، ومن ثم صح تسعة أعشار الخلق يصلون عليه دائما.

قلت: معناه أن هؤلاء السبعين ألفا يؤمرون بصلاة مخصوصة مناسبة الوقوفهم في حضرته (صلى الله عليه وسلم).

هذا وحيث علم أن زيارة القبور مأمور بها، فما وقع للشعبي وإبراهيم النخعي مما يقتضي كراهة زيارة القبور كما رواه عنهما ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما شاذ لا يعول عليه، ولا يلتفت إليه لمخالفته إجماع غيرهما من العلماء والصحابة (رضي الله تعالى عنهم) على أنه متأول.

لأن أحاديث النهي كحديث عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: “من زار القبور فليس منا” منسوخة بما في الصحيح عند مسلم وغيره من أنه (صلى الله عليه وسلم) قال: “كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإما تذكر كم الآخرة”.

وبما قدمناه من ورود الأمر بما غير تال للنهي و بزيارته (صلى الله عليه وسلم) قبول أهل البقيع وشهداء أحد، كما رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

وبما صح أيضا من أنه (صلى الله عليه وسلم) كان يعلم أصحابه. إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم دار قوم مؤمنين أو يا أهل القبور من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع، يرحم الله تعالى المستقدمين منكم والمستأخرین نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم. رواه النسائی، والترمذي، والطبراني، وابن أبي شيبة.

وصح أيضا عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) عند مسلم أن النبي (صلى الله عليه وسلم) علمها ذلك القول إذا زارت القبور. وهو من ما يأتي دليل واضح علی مشروعية زيارة القبور للنساء أيضا لكن بالشروط المذكورة في محلها.

وثبت أيضا أنه (صلى الله عليه وسلم) زار قبر أمه آمنة بنت وهب، رواه مسلم وغيره. وقبرها على الراجح بل الصواب بقرية من أعمال المدينة الشريفة يقال لها الأبواء بينها وبين المدينة ثلاثة وعشرون ميلا. فقول ابن تيمية أن مقصود الزيارة يحصل من النبي (صلى الله عليه وسلم) خرج لزيارة أمه، وخرج أيضا في ليلة عائشة إلى البقيع فقام وأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات. الحديث المشهور.

وفيه أن عائشة سألته فقال: إن جبريل أتاني فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع وتستغفر لهم: قال: فقلت يا رسول الله كيف أقول لهم؟. قال: قولي سلام على أهل الديار من المؤمنين”. الحديث. رواه مسلم.

فانظر كيف خرج النبي (صلى الله عليه وسلم) لزيارة أمه وإلى البقيع بأمر الله تعالى يستغفر لأهله، ولم يكتف بذلك في الغيبة.

قيل: ولعل النهي عن زيارة القبور إنما كان أولا لما أن الزيارة كانت تفضي إلى أمور محظورة وكان القوم حديثي عهد بجهالية وشرك وعبادة أوثان وطواف عندها ونحو ذلك.

ثم لما انمحت آثار الجاهلية واستحكم الإسلام، وصاروا أهل يقين وتقوى أذن لهم فيها، وقيل: كان لأجل النياحة عندهم. وقيل: لأنهم كانوا يتفاخرون عندها أو بها كما يشير إليه قوله تعالى {ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر)[4] على بعض التفاسير. وبفرض تسليم الاعتداد بما وقع للشعبی والنخعي هو لا يأتي في قبر نبینا (صلى الله عليه وسلم) للفرق الواضح الجلي بين قبره (صلى الله عليه وسلم) وقبر غيره، ومن ثم عم الندب فيه وفيما ألحق به من بقية قبور الأنبياء والشهداء، والصالحين النساء والرجال اتفاقا كما في الجواهر وغيرها، واختص فيما عدا ذلك بالرجال لجزع النساء وقلة صبرهن.

واستدل البخاري ومسلم في صحيحيهما كغيرهما من جماهير العلماء على مشروعية زيارة القبور، سواء كان الزائر رجلا أو امرأة، وسواء كان المزور مسلما أو كافرا بحديث أنس (رضي الله تعالى عنه) أيضا قال: مر النبي (صلى الله عليه وسلم) بامرأة تبكي عند قبر فسمع منها ما يكره أي من نوح أو غيره فقال لها: “یا أمة الله اتق الله واصبري”. قال: إليك عني فإنك لم تصب مصیبت. والحال أنما لم تعرفه.

فقيل لها: أنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأخذها مثل الموت أي من شدة الكرب الذي أصابها لما عرفت أنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فأتت باب النبي (عليه الصلاة والسلام) فلم تجد عنده بوابين فقالت معتذرة فقالت معتذرة فقالت عما قالته: لم أعرفك.

فقال لها: إنما الصبر عند الصدمة الأولي – أي دعى الاعتذار – فإن من شيمتي أن أغضب إلا لله تعالى، وانظري إلى تفويتك من نفسك الثواب بعدم الصبر أول فجأة المصيبة فاغتفر لها (عليه الصلاة والسلام) تلك الجفوة لصدورها منها في حال مصیبتها، وعدم معرفتها به، وبين لها أن حق هذا الصبر أن يكون في أول الحال بخلافه بعد فإنه ينسى على طول الأيام.

ووجه الدلالة: منه أنه لم ينهها عن زيارة قبر میتها و لم يستفصل عنه، وإنما أمرها بالصبر لما رأى جزعها. قال الإمام النووي وبجواز زيارة القبور مطلقا قطع الجمهور.

وقال الماوردي لا تجوز زيارة قبر الكافر وهو غلط أه. قال العلامه القسطلاني: وحجة الماوردي قوله تعالى: ولا تقم على قبره)[5] وفي الاستدلال بذلك نظر لا يخفى قال: وبالجملة فتستحب زيارة قبور المسلمين للرجال للأمر بذلك في الأحاديث الصحيحة.

وسئل الإمام مالك (رضي الله تعالى عنه) عن زيارة القبور فقال: قد كان نهى عنه ثم أذن فيه فلو فعل ذلك إنسان ولم يقل إلا خيرا لم أر بذلك بأسا. وعن طاووس كانوا – يعني السلف الصالح – يستحبون أن لا يتفرقوا عن الميت سبعة أيام، لأنهم يفتنون ويحاسبون في قبورهم سبعة أيام وتكره للنساء لجزعهن.

وأما حديث أبي هريرة المروي عند الترمذي بسند حسن صحيح “لعن الله زوارات القبور” فمحمول على ما إذا كانت زيارتهن للتعديد والبكار والنوح على ما جرت به عادهن.

وقال القرطبي حمل بعضهم حديث الترمذي في المنع على من تكثر الزيارة، لأن زوارات للمبالغة. انتهى.

ولو قيل بالحرمة في حقهن في هذا الزمان لا سيما نساء مصر لما بعد لما في خروجهن من الفساد، ولا يكره لهن زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) بل تندب، وينبغي كما قال ابن الرفعة والقمولي أن تكون قبور سائر الأنبياء والأولياء كذلك. انتهى ما ذكره القسطلاني في شرحه لصحيح البخاري.

فكل هذا الذي ذكرناه صريح في مشروعية زيارة قبره (صلى الله عليه وسلم) بل في تأكدها، كما أنه قد علم منه صراحة أيضا مشروعية زيارة قبر غيره (عليه الصلاة والسلام)، فيستدل بذلك كله على فضيلة السفر لزيارة قبره (صلى الله عليه وسلم) وعلى جوازه لزيارة بقية القبور، وعلى ندبه لقبور المؤمنين لاسيما الأنبياء والصالحون.

كما سنوافيك بزيادة في بيانه، لأن الأدلة كما رأيت عامة وتشتمل السفر للزيارة قطعة، ولم يقم دليل على التخصيص فيجب ترکها علی عمومها.

ودعوی نعمان الألوسي التي ادعاها في مجموعته المسماة “بجلاء العينين” الآتي الكلام عليه، وعلى ما فيها أن شد الرحال إلى مرقده (صلى الله عليه وسلم) من خصوصیاته دعوی في غاية السقوط.

كيف وقد تقرر قديما وحديثا أن الخصوصيات لا تثبت إلا بدليل؟ وقد قام الدليل هنا على عدم الخصوصية كما علمت، وقياسه هذه المسألة على ما يأتي عن العز بن عبد السلام في الاستغاثة قياس على شاذ، بل على مردود كما ستعرفه إن شاء الله تعالى.

ووجه شمول الزيارة الواردة بالأدلة المتقدمة للسفر لها أنها تستدعی الانتقال من مكان الزائر إلى مكان المزور، كلفظي المجئ والمهاجرة المنصوص عليهما في الآيتين الكريمتين السالفتين، فالزيارة أما نفس الانتقال من مكان إلى مكان بقصدها، وأما الحضور عند المزور من مكان آخر وعلى كل فالانتقال الشامل للسفر من قرب و من بعد لابد منه في تحقيق معناها.

قال في نسيم الرياض والزيارة تختص بمجئ بعض الأحياء لبعضن مودة ومحبة، وهذا أصل معناها لغة واستعمالها في القبور للأموات لإعطائهم حکم الأحياء، وصار حقيقة عرفية فيه لشيوعه فيها. أه.

وقال العلامة المحقق في الجوهر المنظم بعد أن شرح شمول الزيارة للسفر بمثل ما مر، وإذا كانت كل زيارة قربة كان كل سفر إليها قربة، وقد سبق أنه صح خروجه (صلى الله عليه وسلم) لزيارة قبور أصحابه بالبقيع وبأحد.

فإذا ثبت مشروعية الانتقال لزيارة قبره (عليه الصلاة والسلام) فقبره الشريف أولى وأحق، والقاعدة المتفق عليها، وهي أن وسيلة القربة المتوقفة عليها قربة أي من حيث إيصالها إليها، فلا ينافي أنه قد ينضم إليها محرم من جهة أخرى، كمشي في طريق مغصوب صريحة في أن السفر للزيارة قربة مثلها.

___________________________________

[1]. سورة النساء أية رقم 64.

[2]. سورة محمد آية رقم 19.

[3]. الأحزاب آية رقم 56.

[4]. سورة التكاثر آية رقم 1.

[5]. التوبة آية رقم 84.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد