ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 23 يناير 2019 زيارة: 697

مطلب الكلام على النذر للمخلوق والذبح له من المذاهب الأربعة

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: سعادة الدارين في الرد على الفرقتين الوهابية ومقلدة الظاهرية (ج2، 53-67)
تأليف: الشيخ إبراهيم بن عثمان السمنودي

وأما من حيث التفضيل والاستدلال من أقوال علمائنا أئمة المذاهب الأربعة وأتباعهم فنقول أولا في مسألة النذر قال في تنقيح الحامدية من كتب الحنفية أشهد على نفسه أن أخذ بنته من جدها يكن في ذمته لولي البلدة كذا ألا يلزمه شئ لأن النذر لا يكون لمخلوق.

ولو قال أن فعلت كذا يكن علي لفلان نذر كذا من الدراهم فإن فعل لا يلزمه شئ لعدم صحة النذر لمخلوق، انتهى.

وقال في البحر والنهر والدرو حاشية للسيد ابن عابدین صاحب التنقيح السالف ذكره نقلا عن شرح درر الجار للشيخ قاسم بن قطلوبنا المتوفى سنة 879 كما ذكره الحافظ السخاوي في الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع: اعلم أن النذر الواقع للأموات من أكثر العوام وما يؤخذ من الزيت والشمع والدراهم ونحوها إلى ضرائح الأولياء تقربا إليهم كأن يقول: يا سيد فلان إن قضيت حاجتى أو عوفي مريضي فلك من النقود أو الطعام أو الشمع أو الزيت كذا فهو بالإجماع باطل حرام لأنه نذر المخلوق، ولأن المنذور له ميت والميت لا يمكن بل أن ظن أنه يتصرف في الأمور دون الله تعالى وأعتقد ذلك كفر اللهم إلا أن قال يا الله إني نذرت لك إن شفيت مريضي أو قضيت حاجت أن أطعم الفقراء الذين عند باب الولي الفلاني أو أشتري حصيرا لمسجده أو زيتا لوقوده أو دراهم لمن يقوم بشعائره إلى غير ذلك مما يكون فيه النفع للفقراء والنذر لله عز وجل وذكر الولي إنما هو محل لصرف النذر لمستحقيه القاطنين برباطه أو مسجده فيجوز هذا الاعتبار.

ولا يجوز أن يصرف ذلك لغني ولا شریف منصب أو ذي نسب أو علم ما لم يكن فقيرا ولم يثبت في الشرع جواز الصرف للأغنياء للإجماع على حمل النذر للمخلوق ولا ينعقد ولا تشتغل الذمة به، ولأنه حرام بل سحت ولا يجوز لخادم الولي أخذه إلا أن يكون فقيرا أو له عيال فقراء عاجزون فيأخذونه على سبيل الصدقة المبتداة وأخذه أيضا مكروه ما لم يقصد الناذر التقرب إلى الله تعالى وصرفه إلى الفقراء، أي بأن تكون صيغة النذر لله تعالى ويكون ذكر الولي مراد به فقراؤه كما مر انتهى ملخصا.

أقول: ودعواه أن النذر عبادة باطلة على أرجح الأقوال عندهم فيه وهو أنه مكروه لأن ظاهر نهي النبي عنه كما مر يدل على كراهته ومن المعلوم أن المكروه لا يكون عبادة أصلا.

وعلل من قال منهم بكراهة نذر النوافل الكراهة بأنه إخراج للمشروع عن صفته إذ فيه قلب المندوب واجبا، انتهى.

وبهذا القول الأرجح في النذر جزم النووي في مجموعة وحكاه السبخي عن النص وثاني الأقوال فيه أنه قربه وأن النهي عند محمول على نحو ما قدمناه أول الباب وجزم بهذا القول القاضي حسين والمتولي والرافعي ولكن المعتمد وهو ثالث الأقوال فيه أنه قربه في نذر التبرر ومكروه في غيره، لأن المتبادر من الحديث هو غير نذر التبرر كإن شفى الله مريض فلله علي كذا وهذا أولى ما قيل فيه ووجه النهي حينئذ أنه لم يخلص من شائبة العوض حيث جعل القربة في مقابلة الشفا من المرض مثلا ولم تسمح نفسه بها. بدون المعلق عليه فينقض أجره مع ما في ذلك من إبهام اعتقاد التأثير للنذر في حصول الشفا فلذا قال في الحديث أنه لا يرد شيئا إلى آخره.

فإن هذا الكلام قد وقع موقع التعليل للنهي بخلاف النذر المنجز فإنه تبرع محض بالقربة لله تعالى وإلزام للنفس بما عساها لا تفعله بدونه فیکون قربة علة أن بعض شراح البخاري حمل النهي في الحديث على ما يعتقد أن النذر مؤثر في تحصيل غرضه المعلق عليه.

ولكن الظاهر أنه أعم لقوله فيه وإنما سيتخرج به من البخيل وروى مالك (رضي الله تعالى عنه) في الموطأ أن أبا لبنة (رضي الله تعالى عنه) حين تاب الله عليه قال: يا رسول الله أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأجاورك وانخلع من مالي صدقة لله ولرسوله.

فقال (عليه الصلاة والسلام) يجزيك من ذلك الثلث، انتهى ودعوى الشيخ قاسم المذكور الإجماع في أول عبادته المتقدمة وإثنائها باطلة أيضا لا مستند له فيها لأنه إن أراد به إجماع أئمة المذهب لم يصح لما سنذكره من نصوصهم الصريحة في خلافه وهم لحفظ منه وأثبت وأشمل عقيدة لما ستعلمه الآن.

وإن أراد به إجماع أهل مهبه الحنفية مع أن إرادة الإجماع المذهبي من حكاية الإجماع بعيدة جدا كما نص عليه العلامة المحقق في باب قسم الصدقات من التحفة فباطل أيضا.

ولا يصح إذ لا سلف له فيه فن هذه المسألة لم تنقل في كتبهم إلا عن الشيخ قاسم المذكور ولم يذكرها أحد ممن تقدمه من السادة الحنفية أصلا فيما نعلم.

وهذه كتب من تقدم عليه منهم بل لم يذكرها أحد من المتقدمين عليه من أرباب المذاهب وأصحابهم بالصفة التي قالها هو إلا أحمد بن تيمية المتقدم ذكره كما علم من سبر المتأخرين لكتبهم وأقاويلهم.

والشيخ قاسم المذكور من تلامذة الكمال من الهام فهو من أهل التسعمائة كما مر وقد ثبت عنه أنه كان يعتقد اعتقاد ابن تيمية المذكور الذي قدمنا فيه أنه المبتكر لهذه الأشياء المضللة للناس.

وإن جماهير أكابر المذاهب في وقته وبعده قد ردوا عليه أشنع رد من خصوص هذه المسائل التي ابتدعها وأنه سجن سببها حتى مات في السجن فهذه المسألة من جملة آرائه التي تفرد بها مروجا لها بدعوى الإجماع من غير تبيين مستند له فيها لعدم وجوده وتبعه عليها الشيخ قاسم المذكور كما هو الظاهر من قوة كلامه ولا شرابه حبه وإجماعات ابن تيمية المذكور كلها مدخولة.

وقد حذر لنا صحون منها كما حذروا من جرد تفرداته وحينئذ فمن يقر هذه الدعوى من السادة الحنفية يلزمه الإتيان بالدليل عليها من كلام أئمتهم المتقدمين على المدعي المذكور ولن يوجد أبدا.

وقال الشيخ داود في رسالته الآتي ذكرها بعد ذكره بعضا من هذا الذي قلناه ما لفظه ولئن سلم كلام الشيخ قاسم فما عليه غبار لدى العلماء لأنه قائل بالجواز إذا قصدوا صرفها لفقراء الأنام.

ولا شك أن قصد العوام في الذبائح وغيرها بنذرها وذبحها صرفها للفقراء المنسوبين إلى ذلك الولي أو لعموم الفقراء في كل مكان إذ المكان عند الحنفية لا يتعين في النذر، انتهى. قلت أي لقول صاحب البحر ويلزم الناذر الوفاء بأصل القرية التي التزمها لا بكل وصف التزمه لأنه لو عين ذرها أو تفقيرا أو مكانا للتصدق أو للصلاة فالتعيين ليس يلازم، انتهى. أي: إلا في نذر الهدي فيتعين المكان عندهم فيه لأن كلا منها اسم لخاص معين.

فالهدي ما يهدى للحرم فيتصدق به في مكة والأضحية ما يذبح في أيامها حتى لو لم يكن كذلك لم يوجد الاسم فلو نذر مثلا للشيخ فلان جاز عندهم ذبحه أو تفرقته في غير مكان الشيخ لأنه يصله الثواب حيث ما كان وهذا هو مقصود العامة يقينا فلا كفر ولا إشراك في ذلك معاذ الله.

وفي كتاب الذبائح من حاشية العلامة ابن عابدين على الدر لا يفتى بكفر مسلم أمكن حمل كلامه أو فعله على محمل حسن أو كان في كفره خلاف، انتهى.

لكن استدلال أولئك الخوارج بقول علمائنا ماذا ينفعهم لأنهم لا يرضون بأقوال المذاهب وإتباعهم من غير دليل من الكتاب والسنة.

وأي كتاب وأي سنة إذا طالبناهم بذلك يأتون بهما على مفتریاقم وليس لهم إلا ما ذكرنا سابقا.

وهو يدخله الاحتمال فيسقط به الاستدلال وبعد هذا فأنت خبير بأن كلام الشيخ قاسم السابق إنما هو في النذر للمخلوق لا في كونه لله تعالى وذكر المخلوق لبيان محل الصرف كما مثله في المسألتين وحينئذ فلا يصح كلا الشيخ داود المذكور آنفا هذا.

وذكر سيدي عبد الغني النابلسي وهو من محقیقي متأخري الحنفية في شرحه على الطريقة المحمدية اثنا کلام في عدم نهي في العامة عما فيه خلاف بين الأئمة خوفا من إيقاعهم في اضطراب و اختلال بلا فائدة دينية ما نصه ومن هذا القبيل زيارة القبور والتبرك بضرائح الأولياء والصالحين والنذر لهم بتعليق ذلك على حصول شفاء أو قدوم غائب فإنه مجاز عن الصدقة على الخادمين لقبورهم.

كما قال الفقهاء فيمن دفع الزكاة لفقير وسماها قرضا صح لأن العبرة بالمعنى لا باللفظ وكذا الصدقة على الغني هبة والهبة للفقير صدقة وغالب الناس يقصدون بالنذر لهم الخدمة فيحمل كلامهم عليه.

ولا ينبغي أن ينهي الواعظ على شئ قال به إمام من أئمة المسلمين خصوصا والوام لا مذهب لهم والتقليد للمذاهب الأربعة جائز لكل أحد بل الذي ينبغي أن يقع النهي عنه ما أجمع الأئمة كلهم على تحريمه والنهي عنه وهو معلوم بالضرورة من الدين كترك الصلاة، انتهى.

وهو كلام في غاية الحسن والتحقيق و به يكون الفصل في مسألة النذر للمخلوق عند الحنفية وأما من حيث الذبح له عندهم.

فذكر في شرح الدرر وغيره من كتبهم أن ما أهل لغير الله به هو أن يذبح الذبيحة ويتركها ولا يعطيها للفقراء وأما ما ذبح للأكل فليس بداخل فيما أهل به لغير الله تعالى كالذبح للضيف فإنه سنة الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام وإكرام الضيف إكرام الله تعالى.

ولو كان مما أهل به لغير الله لحل ما ذبح للضيف مثلا كيف وقد قال البزازي من ظن أن الذبح للضيف لا يحل لأنه ذبح لإكرام ابن آدم فيكون أهل به لغير الله تعالى فقد خالف القرآن والحديث والعقل.

فإنه لا ريب أن القصاب يذبح للربح ولو علم أنه نجس لا يذبح فيلزم هذا الجاهل أن لا يأكل كل ما ذبحه القصاب وما ذبح للولائم والأعراس والعقيقة، انتهى.

وقال الحموي أن الذبح عند وضع الجدار أو عروض مرض أو شفاء منه لا شك في حله لأن القصد منه التصدق وفي فتاوى الشبلي أن مثل ذلك النذر قربان معلقا بسلامته من بحر مثلا فيلزمه التصدق به على الفقراء فقط، انتهى.

ومسألة الذبح للأولياء المقصود منها نفع الفقراء وحصول الثواب من الله تعالى للأولياء كما مر فهو أحسن من الذبح للضيف إذ الضيف غالبا يكون من الأغنياء غير المستحقين كما هو معلوم نعم ذكروا الذبح لقدوم الأمير ونحوه کالغائب يذبحه ويترکه بلا فائدة فيشبه ما ذبحه الكفار لأصنامهم فقالوا هو حرام.

ولو ذكر اسم الله تعالى عليه لأنه أهل به لغير الله وفي المنية أنه مكروه لا حرام وحكوا في كفر فاعله قولين الراجح منهما أنه لا يكفر لانا سيئ الظن بالمسلم أنه يتقرب إلى الآدمي بهذا النحر أي على وجه العبادة لأنه المكفر.

وهذا بعيد من حال المسلم فالظاهر أنه قصد الدنيا أو القبول عند من ذبح لقدومه بإظهار المحبة بذبح فداء عنه لكن لما كان في ذلك تعظيم له لم تكن التسمية مجردة لله تعالى حكما كما لو قال باسم الله واسم فلان حرمت ولا ملازمة بين الحرمة والكفر لأنه أمر باطني والحكم به صعب كما في الشرنبلالية نقلا عن شرح المقدسي هذا كله عند السادة الحنفية بنقل محقق متأخريهم العلامة السيد محمد ابن عابدين رحمه الله تعالى.

وأما عند الأئمة الشافعية فسأل العلامة المحقق كما في فتاويه الفقهية عن النذر للأولياء هل يصح ويجب تسليم المنذور إليهم إن كانوا أحياء أو لأي فقير أو مسكين كان. وإذا كان الولي ميتا فهل يصرف لمن يوجد من ذريته أو أقاربه أو لمن ينهج منهجه أو يجلس في حلقته أو فقيره أو كيف الحكم وما حكم النذر بتخصيص قبر وحائطه فهل يصح أو لا؟

فأجاب بقوله: النذر للولي الحي صحيح ويجب صرفه إليه ولا يجوز صرف شئ منه لغيره وأما النذر لولي میت.

فإن قصد الناذر الميت بطل نذره أي لأن الميت لا يملك وإن قصد قربة أخرى كأولاده وخلفائه أو إطعام الفقراء الذين عند قبره أو غير ذلك من القرب المتعلقة بذلك الولي صح النذر ووجب صرفه فيما قصد الناذر وإن لم يقصد شيئا لم يصح إلا أن إطرت عادة الناس في زمن الناذر بأنهم ينذرون للميت ويريدون وجهة مخصوصة مما ذكرناه.

وعلم الناذر بتلك العادة المطردة المستقرة الظاهر تنزیل نذره عليه أخذا مما ذكروه في الوقف من أن العادة المستقرة المرادة في زمن الواقف تنزل متزلة شرطه وأما النذر للتخصيص المذكور فباطل نعم يؤخذ من كلام الأذرعي والزرکشي وغيرهما أنه يصح ذلك في قبور الأنبياء والأولياء والعلماء.

وكذا لو كان القبر بمحل لا يؤمن على الميت الذي فيه من السبع أو سرقة الكفن أو إخراج نحو مبتدعة أو كفار له إلا بالتخصیص فحينئذ يجوز بل يندب ويصح نذره لما فيه من المصلحة كما نصح الوصية به، انتهى.

وسأل أيضا كما في فتواه المذكورة إذا نذر شخص للنبي (صلى الله عليه وسلم) هل يملکه (صلى الله عليه وسلم) ويرصد لمصالح حجرته أو لمصالح مسجده أو لأهله.

فإذا صرف فهل يصرف لبني الحسين أو لبني هائم وبني المطلب أو الخدام حجرته أو لخدام مسجده أو لسكان بلده أم لا.

وإذا نذره أحد هؤلاء المذكورين جاز له ويتصرف فيه أم لا ؟ فأجاب الذي يؤخذ من مجموع كلام الرافعي وابن عبد السلام والأذرعي والزرکشي وغيرهم أن من نذر شيئا للنبي (صلى الله عليه وسلم)  فإن قصد صرفه في قربة تتعلق بمسجده (صلى الله عليه وسلم) أو بجيرانه أو بغيرهما صح نذره وعمل فيه بقصده وإن لم يقصد شيئا.

فإن أطرد العرف بصرف ما ينذر له (صلى الله عليه وسلم) لجهة مخصوصة وعلم الناذر بذلك العرف وقت النذر صح النذر أيضا.

ووجب صرفه لتلك الجهة المذكورة وإن لم يطرد بشئ أو جهله الناذر ولا قصد كما تقرر.

فالذي يتجه أنه لا يصح النذر لأنه لم يقصد به قربة ولم يوجد عرف تنزل عليه وإذا خرج النذر عن هذين ولم يكن لفظه موضوعا للقربة كان باطلا وسأل كما فيها أيضا عن النذر لولي من الأولياء والوقف عليه هل يصح أو لا؟

فأجاب بقوله: إن النذر أو الوقف المشاهد الأولياء والعلماء صحيح إن نوى الناذر أو الواقف أهل ذلك المحل أو صرفه في عمارته أو مصالحه أو غير ذلك من وجوه القرب.

وكذا إن لم يقصد شيئا ويصرف في هذه الحالة لما ذكر من مصالح ذلك المحل بخلاف ما لو قصد بذلك التقرب إلى من دفن هناك أو ينسب إليه ذلك المحل، فإن النذر حينئذ لا ينعقد وقد ذكر الأزرعي وغيره في نذر نحو الشمع ووقفه على ذلك ما يفيد ما ذكرته وحاصله أن من نذر أو وقف ما يشترى من غلته إلا سراج للمسجد أو غيره صح إن كان قد يدخله ولو على نذور من ينتفع به من مصل أو نائم.

وإلا لم يصح أي لأنه إضاعة مال فيبقى على ملك صاحبه فإن مات فلوارثة إن علم وإلا صار للمصالح العامة إن لم يتوقع معرفته وإلا وجب حفظه حتى يدفع له وكذا إذا قصد بالنذر أو الموقوف من ذلك على المشاهد التنوير على من يسكن البقعة أو يرد إليها.

لأن هذا نوع قربة أما إذا قصد به الإيقاد على القبر ولو مع قصد التنوير فلا يصح، وكذا إذا قصد به وهو الغالب من العامة تعظيم البقعة أو القبر أو التقرب إلى صاحبه فلا ينعقد لأنهم يعتقدون أن لهذه الأماكن خصوصیات ويرون أن النذور لها مما يندفع به البلاء، انتهى.

بأدنى زيارة وله فتاوی آخر بمثل ذلك مطولة ونظيره للشيخ الرملي في فتاويه وأصل ذلك كله من كلام الإمام الرافعي في النذر للقبر المشهور بجرجان كما قرره العلامة المحقق في التحفة وغيرها وهو اتفاق للشافعية في هذه المسألة وفي شرح الروض وشرح العلامة الخطيب الشربيني على الغاية والنذر للكعبة صحيح. فإن نوى الناذر شيئا اتبع کستر وطيب وإلا صرف لمصالحها من كسوة ونحوها حتى نحو الشمع والزيت فيصرف لمصالحها إن لم يحتج لإسراج به.

وقال في بغية المسترشدين والأولى لمن أراد أن ينذر لغيره بمال أن يقول الله على أن أعطيك كذا أو هذا أو أتصدق عليك به أي خروجا من الخلاف ولو قال شخص إن شفاني الله من مرضي أو قدمت من سفري أو زرت فلانا الولي ذبحت شاة.

فإن نوى بذلك النذر صح ولزمه ما التزمه لأن ذلك كناية فيه لكن لابد في الذبح من ذکر مصرف مباح فيه قربة أو نية ذلك وإلا لم ينعقد قال وسأل شيخ الإسلام زکریا عما يفعله بعضهم من قوله إن حصل على الشئ الفلاني فلك يا سيد كذا.

فهل يلزمه فأجاب بأنه لا يلزمه شئ بذلك إذ ليس فيه صيغة نذر، انتهى.

ثم قال: والنذر للنبي (صلى الله عليه وسلم) إن قصد به تمليکه لغى لكونه لميت إجراء على الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) أحكام الموتى في الدنيا وإن كانوا أحياء يصلون ويصومون ويحجون وتجزى عليهم أعمال البر وإن أراد الصرف في مصالح الحجرة الشريفة أو تمليك الخدام صح وعمل بقصده وإن لم يقصد شيئا عمل بالعرف والعادة المطردة حال النذر، لأن ذلك منزل منزلة الشرط فيه كالوقف فإذا كان عادة أهل بلدة أن رجلا من أهل البيت يأتيهم لقبض نذور النبي (صلى الله عليه وسلم) فكان الناذر نذر لذلك الرجل وإن جهل مراد الناذر ولا هناك عرف مطرد فالقياس صرفه لمصالح المسلامين فيدفعه للوالي العدل إن كان.

وإلا صرفه من هو تحت يده للمصالح الأهم فالأهم حتى في بناء مسجد إن لم يكن أهم منه وقال العلامة الكردي في فتاويه.

ومن المعلوم أن الناذرين للمشايخ والأولياء لا يقصدون تمليكهم لعلمهم بوفاتهم وإنما يتصدقون عنهم أو يعطون خدامهم فهو حينئذ ربة لأن النذر عندنا لا ينعقد إلا في القرب والمندوبات التي ليس بواجبة وفي تلخيص فتاوى ابن زياد اليمني لصاحب بغية المسترشدين المتقدم ذكره ما نصه.

والنذر للميت بقصد تملیکه باطل عليه يحمل كلام من أفتى ببطلانه کالأزق إذ لا سبيل إلى تملیکه غالبا على أنه يبعد من النادر قصد تملیکه حتی من الجهال إذ قرائن أحوالهم نزل على أنه يقصدون التصدق بذلك على خدامه وأقاربه ولا يقدح في ذلك ما قد يقصدونه من التقرب إلى الميت بمعنى حصول الخير لهم أو دفع الضرر عنهم ببركته وقد قال الخطيب في مشهد عبيد الله بن محمد الباقر بن علي بن الحسين (رضي الله تعالى عنهم) المشهور ببغداد بقبر النذور سمي بذلك لأنه ما قصد لحاجة إلا قضيت وأنا قصدته مرارا كثيرة ونذرت له وحصل على المقصود، انتهى.

وناهيك به ونعم القدوة فإنه كان حافظ أهل زمانه بالاتفاق إذا علمت ذلك فحيث قصد الناذر الخدام أو الصرف في مصالح التربة حمل عليه ولا يستحق أولاد الميت شيئا بطريق الإرث فإن قصدهم الناذر بذلك عمل بقصده وإلا فلا اعتراض لهم حينئذ.

وقال شخص نذرت لفلان بمائة دينار إذا نازعه أحد فيما اشتراه من فلان فالتحقيق أنه كناية فإن نوى به النذر كان نذر بلجاج بخير عند وجود المنازعة بين الوفاء بما التزمه وبنى كفارة يمين، انتهى.

المقصود منه وهذا كله عندنا معاشر الشافعية.

وأما السادة المالكية فقال صاحب مختصر سدی خلیل العمروي ما نصه وإن قيد يعني الهدي بغير مكة بلفظ أو نية كقبر النبي (صلى الله عليه وسلم) أو قبر ولي.

فإن كان مما يهدی وعبر عنه بلفظ بعيرا وزور أو بحروف خروف نحره أو ذبحه بموضعه أو بموضع نذره وفرق لحمه للفقراء وإن شاء أبقاه وأخرج مثل ما فيه من اللحم وأما إن كان مما لا يهدي كثوب أو دراهم أو طعام فإن قصد بذلك الملازمين للقبر الشريف أو لقبر الولي ولو أغنياء أرسله إليهم.

وإن قصد نفس النبي أو الشيخ أي الثواب له تصدق له بموضعه وإن لم يكن قصد أو مات قبل علم قصده فينظر لعادتهم كذا استنبطها ابن عرفة والبزارالي، انتهى.

وفي فتاوی مولانا العلامة شيخ المالكية بالديار المصرية الشيخ محمد عليش: لو نذر شاة لولي تلزمه مطلقا سواء صرح في نذره بلفظ: «لله» بأن قال: «لله علی شاة للولي الفلاني» أو لم يصرح فيه به بأن قال: علي إلى آخره لأن للنذر معنيين لله علي وعلي بدون لله انتهى المقصود منها.

وأما أقوال السادة الحنابلة فنقل الشيخ منصور البهوتي في حاشية الإقناع وكذا ابن مفلح في الفروع عن شيخه ابن تيمية إن النذر لغير الله تعالى کنذره لشيخ معين للاستغاثة وقضاء حاجة منه كخلقه بغيره أي في أنه مكروه وقال غيره نذر معصية، انتهى کلام ابن مفلح في الفروع وهو يدل على أن النذر للمشايخ للاستغاثة بهم وقضاء الحاجة منهم يكره عند ابن تيمية كراهة تتريه بدلیل مقابلته بقوله.

وقال غيره نذر معصية يعني قال غير ابن تيمية من الحنابلة هو نذر معصية ونقل في حاشية الإقناع عن ابن تيمية أيضا أن من نذر قنديلا للنبي (صلى الله عليه وسلم) يصرف لجيرانه (عليه الصلاة والسلام)، انتهى.

وقال الشيخ مرعي في الغاية وصاحب الإقناع فيه والثعلبي في شرح الدليل وغيرهم من الحنابلة قال الشيخ تقي الدين النذر للقبور أو لأهل القبور كالنذر لإبراهيم الخليل والشيخ فلان نذر معصية لا يجوز الوفاء به وإن تصدق بما نذر من ذلك على من يستحقه من الفقراء والصالحين كان خيرا عند الله وأنفع، انتهى.

فلو كان الناذر للمخلوق کافرا عند ابن تيمية لم يأمره بالصدقة بذلك المنذور بل كان يأمره بتجديد إسلامه ولا يقول أنه خير عند الله وأنفع لأنه لا فضيلة لأعمال الخارج عن ملة الإسلام.

وقد علم مما ذكرناه أن هذه المسألة عند الحنابلة الذبح للأنبياء والأولياء لا يقصد تعظيمهم كنحو التعظيم بالعابدة والسجود بل بمعنى أن الثواب لهم أو الشكر لله تعالى على وجودهم وإن الذبح لوجه الله تعالى، فاتفق الأئمة على جوازه وأنه لا كفر فيه أصلا معاذ الله تعالى وأما ما ورد من قوله (صلى الله عليه وسلم) لعن الله من ذبح لغير الله تعالى.

فقال ابن القيم الحنبلي في كتاب الكبائر والسيد الذهبي والعلامة المحقق معناه أن يقول باسم سیدي فلان أو يقو الكافر باسم الصنم عوضا عن بسم الله حين الذبح كما مر مع أن هذه اللفظة لا أظن مسلما يقولها. والمستفاد من كلامهم أنه محرم وليس بشرك مخرج عن الملة.

وعبارة العلامة المحقق في الزواجر صورتها: وجعل أصحابنا مما يحرم الذبيحة أن يقول بسم الله واسم محمد أو محمد رسول الله بجر اسم الثاني أو محمد إن عرف النحو فيما يظهر أو أن يذبح كتابي لكنيسة أو لصليب أو الموسى أو لعيسى ومسلم للكعبة أو لمحمد (صلى الله عليه وسلم) أو تقربا لسلطات أو غيره أو اللجن.

فهذا كله يرحم المذبوح وهو كبيرة على ما مر بخلاف ما لو قصد الفرح بقدومه أو شكر الله عليه أو قصد إرضاء ساخط أو التقرب إلى الله ليدفع عنه شر الجن انتهت.

وقال الإمام النووي في الروضة: فإن ذبح للكعبة أو للرسل تعظيما لكونها بيت الله تعالى أو لكونهم رسل الله جاز قال وإلى هذا يرجع قول القائل أهديت للحرم أو للكعبة فتحرم الذبية إذا ذبحت تقربا إلى السطان أو غيره عند لقائه لما مر فإن قصد الاستبشار بقدومه فلا بأس أو ليرضي ضبانا جاز كالذبح لولادة المولود لا ليتقرب به إلى الغضبان في صورته بخلاف الذبح للصنم فإن ذبح للجن حرم إلا أن قصد بما ذبحه القربة إلى الله تعالى ليكف شرهم فلا يحرم.

ثم قال: وإلى هذا يرجع قول القائل أهديت للحرم أو للكعبة قال تعالى: (هديا بالغ الكعبة).

وأما الذبح تقربا للسلطات أو غيره كالأمير والرجل الكبير عند لقائهم فيحرم ومع هذا فإن كان للاستبشار بقدوم مثل هؤلاء أو ليرضي غضبانا جاز كالذبح للولادة فأفهم ومسألة التقرب للسلطان الظاهر.

كما قال الحنفية أن يذبح ويترك ولا يعطى للفقراء والمستحقين والله سبحانه وتعالى الهادي والمعين وعبارة الروض لابن المقري وهو من تلاميذ ابن تيمية ولا تحل ذبيحة كتاب للمسيح ومسلم لمحمد أو للكعبة.

فإن ذبح للكعبة أو للرسل تعظيما لكونها بيت الله ولكنهم رسل الله جاز انتهت.

قال العلامة العبادي وبه يعلم: أن تسمية محمد على الذبح عند الانفراد أو عطفه على اسم الله يحرم أن أطلق ولا يحرم إن أراد التبرك وتحل الذبيحة في الحالين وأما أن قصد الذبح له فإن أطلق حرم وحرمت الذبيحة وإن قصد به التعظيم والعبادة كفر وحرمت الذبيحة، انتهى.

فالذبح لغير الله تعالى على هذه التفاصيل وهذه النيات وعلى كل حال عده العلماء من الكبائر فلا يوجد التكفير إلا بنية العبادة وأين يطلع أحد على نية الذابح وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أشققت عن قلبه ؟!.

والفقهاء ما خصصوا الذبح للأنبياء والأولياء بالتحريم والتكفير بالنيات الموجبة للكفر بل عمموا الأحياء والأموات كما علم مما مر.

والحاصل أن العلماء ما تركوا لأحد مقالا بل ذکروا كل ما يحتاج إليه المكلف في أمور دنياه وأخراه و نوعوا النيات والإرادات بما يضر في الدين وينفع.

ومضى على ذلك ورضى به القرون الكثيرة وتواطأت على للإفتاء به العقول الوفيرة فمن أتى ممن لا عقل له ولا دين ويريد أن يفرق بين المسلمين ويضلل العلماء العاملين والكلاء الزاهدين الذين اتعبوا أنفسهم لوجه الله تعالى وأخرجوا الحق من بين فرث الفاسد ودم الباطل فهو الصقيع الضال المخالف للشريعة القويمة والعقول الكاملة السليمة.

فلا ينبغي لأحد له أدنى عقل أن يتبع أولئك الملحدين في الجين نعم للدجال إتباع يرون أقبح ما يأتيهم حسنا فنعوذ بالله من الضلال المبين.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد