ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 11 مارس 2019 زيارة: 23

معنى اتخاذ القبور مساجد

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: كشف الستور عما أشكل من أحكام القبور (ص59-66)
تأليف: الدكتور محمود سعيد ممدوح

1 – أخرج البخاري (رقم 435)، ومسلم (رقم 531)، وأحمد (1/ 218) وغيرهم، عن عائشة (رضي الله عنها )أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في مرضه الذي لم يقم منه: “لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد”.

جملة “اتخذوا” جملة مستأنفة جاءت على سبيل البيان لموجب اللعن، كأن سائلا يسأل لماذا استحقوا اللعن؟ فكان الجواب: “اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد”.

ولما كان اللعن أمرا عظيما وموجبا لسخط الله تبارك وتعالى وجب النظر بعين العناية للموجب وهو قوله: “اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد”.

فأقول وبالله التوفيق: “اتخذ” فعل يتعدى لمفعول واحد كما في قولك اتخذت سيارة، أو لمفعولين كما في قوله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلا).

فـ قبور”، و “مساجد” مفعولي “اتخذ” وقد اكتفى هذا الفعل بالمفعولين وتم الكلام.

والمساجد جمع مسجد، والمسجد اسم مكان، فالحديث يتناول مكانا هو عين القبر من حيث السجود عليه أو له.

وعليه فالحديث لا يتناول أي مكان آخر غير عين القبر فلا يدخل فيه ما حول القبر أو ما جاوره أو ما كان فوق القبر غير مسامت له، أي على غير متنه.

قال العلامة علي القاري في شرح المشكاة (1/ 470): “والمتخذين عليها المساجد” قال: وقيد (عليها) يفيد أن اتخاذ المساجد بجنبها لا بأس به، ويدل عليه قوله عليه السلام: “لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد”.

قال ابن عبد البر في التمهيد (6/ 383): “في هذا الحديث إباحة الدعاء على أهل الكفر، وتحريم السجود على قبور الأنبياء، وفي معنى هذا أنه لا يحل السجود لغير الله عز وجل، ويحتمل الحديث أن لا تجعل قبور الأنبياء قبلة يصلى إليها، ثم قال: وقد زعم قوم أن في هذا الحديث ما يدل على كراهية الصلاة في المقبرة وإلى المقبرة، وليس في ذلك عندي حجة”.

وقال ابن عبد البر في موضع آخر من التمهيد (5/ 45):

“وكانت العرب تصلي إلى الأصنام وتعبدها، فخشي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على أمته أن تصنع كما صنع بعض من مضى من الأمم: كانوا إذا مات لهم نبي، عكفوا حول قبره كما يصنع بالصنم، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): اللهم لا تجعل قبري وثنا يصلي إليه، ويسجد نحوه ويعبد، فقد اشتد غضب الله على من فعل ذلك، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يحذر أصحابه وسائر أمته من سوء صنيع الأمم قبله الذين صلوا إلى قبور أنبيائهم، واتخذوها قبلة ومسجدا، كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظمونها، وذلك الشرك الأكبر، فكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه، وأنه مما لا يرضاه خشية عليهم امتثال طرقهم …”.

ثم قال: “وقد احتج بعض من لا يرى الصلاة في المقبرة بهذا الحديث، ولا حجة له فيه”.

2- والاتخاذ الموجب للعن شرحه العلامة شيخنا المحقق السيد عبد الله بن الصديق الغماري (رحمه الله تعالى) في رسالته “إعلام الراكع الساجد، بمعنى اتخاذ القبور مساجد”، فقال (ص 3): “اتخاذ القبور مساجد، معناه: السجود لها على وجه تعظيمها وعبادتها، كما يسجد المشركون للأصنام والأوثان، وهو شرك صريح، وهذا المعنى، منطوق اللفظ وحقيقته.

وثبتت أحاديث مبينة له ومؤيدة:

منها: حديث عائشة عند الشيخين[1]، قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مرضه الذي لم يقم منه: “لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد”، قالت: “فلولا ذلك أبرزوا قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا”، أي يسجد له.

ومنها: ما رواه ابن سعد[2] في الطبقات بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): “اللهم لا تجعل قبري وثنا، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد”.

جملة لعن الله قوما، بيان لمعنى جعل القبر وثنا.

ومعنى الحديث: اللهم لا تجعل قبري وثنا يسجد له ويعبد كما سجد قوم لقبور أنبيائهم.

ومنها: ما رواه البزار[3] عن أبي سعيد الخدري: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: “اللهم إني أعوذ بك أن يتخذ قبري وثنا، فإن الله تبارك وتعالى اشتد غضبه على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد”. إسناده ضعيف لكن حديث أبي هريرة شاهد له.

ومنها: ما رواه ابن سعد في الطبقات[4] قال: أخبرنا معن بن عيسى، أخبرنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: “اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد”. مرسل صحيح الإسناد.

ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة[5]، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): “اللهم لا تجعل قبري وثنا يصلي له، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد” ورواه عبد الرزاق[6] عن معمر، عن زيد به، وإسناده صحيح.

تقرر في علم المعاني: أن الجملتين إذا كانتا بمعنى واحد، فإنهما يجردان عن العاطف، كما في هذه الأحاديث؛ لإفادة اتحادهما في المعنى”. انتهى كلام شيخنا رحمه الله تعالى عليه ورضوانه.

* * *

وقد تتابعت كلمات عدد من الأئمة في بيان أن معنى اتخاذ القبور مساجد هو السجود عليها أو لها:

* قال العلامة البيضاوي: “لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لشأنهم، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوه واتخذوها أوثانا لعنهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومنع المسلمين عن مثل ذلك”.

فبين أن موجب اللعن ما تعلق بذات القبر وهو أمران: السجود للقبور، وجعلها قبلة.

* وقال العلامة الطيبي في شرح المشكاة (2/ 235): “لما كان اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لشأنهم، ويجعلونها قبلة، ويتوجهون في الصلاة نحوها، فاتخذوها أوثانة، لعنهم، ومنع المسلمين عن مثل ذلك، ونهاهم عنه. أما من اتخذ مسجدة في جوار صالح، أو صلى في مقبرته، وقصد به الاستظهار بروحه، أو وصول أثر من آثار عبادته إليه، لا لتعظيم له والتوجه نحوه؛ فلا حرج عليه، ألا ترى أن مرقد إسماعيل (عليه السلام) في المسجد الحرام عند الحطيم؟ ثم إن ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى المصلي لصلاته. والنهي عن الصلاة في المقابر مختص بالمقابر المنبوشة، لما فيها من النجاسة”. انتهى كلام الطيبي.

ومنه يعلم أن اتخاذ القبور مساجد معناه: جعلها قبلة، والصلاة نحوها، وموجب اللعن هو عبادتها واتخاذها أوثانا.

* وقال القاضي عياض في إكمال المعلم (2/ 450 – 452): “لما احتاج المسلمون إلى الزيادة في مسجده (صلى الله عليه وآله وسلم) لتكاثرهم بالمدينة، وامتدت الزيادة إلى أن أدخل فيها بيوت أزواجه، ومنها بيت عائشة الذي دفن فيه (عليه السلام) وذلك أيام عثمان بني على قبره حيطانا أحدقت به، لئلا يظهر في المسجد فيقع الناس فيما نهاهم عنه من اتخاذ قبره مسجدا، ثم إن أئمة المسلمين حذروا أن يتخذ موضع قبره قبلة، إذ كان مستقبل المصلين فتتصور الصلاة إليه صورة العبادة له، ويحذر أن يقع في نفوس الجهلة من ذلك شيء، فرأوا بناء جدارين من ركني القبر الشماليين حرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال حتى لا يمكن أحد استقبال موضع القبر عند صلاته، ولهذا قال في الحديث: “ولولا ذلك أبرز قبره (عليه السلام)، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا”.

وذكر نحوه الإمام النووي في شرح صحيح مسلم (3/ 17 طبعة شيحا)، والقرطبي في المفهم (2/ 128).

وهو ظاهر في أن اتخاذ القبور مساجد هو السجود عليها أو لها، فالبحث في عين القبر، وقد منع الشارع من إبراز عين القبر خشية السجود له أو عليه، فالبناء حوله أو عليه أو جعله في المسجد غير بارز لا محظور هنا منه. وغضب الله الشديد حاصل لمن عبد القبر.

* وقال التوربشتي كما في “المرعاة شرح المشکاة” (2/ 419): هذا الحديث مخرج على وجهين:

أحدهما: أنهم كانوا يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لهم وقصد العبادة في ذلك.

وثانيهما: أنهم كانوا يتحرون الصلاة في مدافن الأنبياء، والتوجه إلى قبورهم في حالة الصلاة والعبادة نظرا منهم أن ذلك الصنيع أعظم وقعا عند الله”.

ومنه يعلم أن اتخاذ القبور مساجد هو السجود للقبور عبادة أو التوجه لها، والحالة الأولى شرك مستوجب للعن الله وغضبه، والحالة الثانية اتخاذ القبر مسجدا بالتوجه حال الصلاة له فإن ضم إليها العبادة كان كالحالة الأولى تماما.

والحاصل أن اتخاذ القبور مساجد معناه: الصلاة عليها أو إليها والموجب للعن ولغضب الله تعالى هو عبادتها، كما صحت الأحاديث المتقدمة، والله أعلم بالصواب.

________________________

[1] . البخاري (رقم 435)، مسلم (رقم 531).

[2] . الطبقات الکبرى (2/ 186).

[3] . کشف الأستار عن زوائد البزار (1/ 220).

[4] . الطبقات الکبرى (2/ 185).

[5] . المصنف (2/ 269 ط دار الفكر).

[6] . المصنف (رقم 1587).

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد