ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 9 أكتوبر 2017 زيارة: 47

معنى التوسل والوسيلة

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب فيض الوهاب في بيان أهل الحق ومن ضل عن الصواب ج4، ص128-132
تأليف: الشيخ عبد ربه بن سليمان القليوبي

شرع الله عز وجل الوسيلة وجعلها أصلاً يرتكز عليها ولا يقبل العمل إلا بها وجعلها ضرورة من ضروريات الحياة البشرية ولفت عباده النظر إليها بعد أن خلقهم بالفطرة والطبيعة فيها وإليه. فقال عز من قائل (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيـلة) قال صاحب الكشاف في تفسيره: الوسيلة كل ما يتوسل به- أي يتقرب به- من قرابة أو صنيعة أو غير ذلك. فاستعيرت لما يتوسل به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك المنهيات وأنشد:

أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم             إلا كل ذي لب إلــى الله واسـل

فاعلم يا أخي أن الله سبحانه وتعالى جعل الدنيا عكس الآخرة من جميع الوجوه وأن هذه الدنيا هي دار العمل بالتكاليف الشرعية والتوجيهات الإلهية. والتعاليم الربانـية فلم يوجد الحق عز وجل فيها شـيئاً إلا بالعمل ولذا قال عز من قائل: (وقل اعـملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) وناهيك بالآية الجامعة في قوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) بل جميع أوامر الحق عزوجل ونواهيه في كتابه العزيز وسنة نبيه الكريم ترشد عباده إلى العمل في هذه الحياة.

وإن من تأمل بعين الفكر ونظر بمنظار الإيمان وعلم من كثرة الاطلاع وجد أن جميع ما سبق من الأدلة يحث على الأخذ في الأسباب وهي الوسيلة الموصلة إلى الغاية المرجوة دنيا وأخرى لما تبين واتضح أن كل موجود للحق عز وجل لم يوجده إلا بالوسيلة.

والوسـيلة في جمـيع ما بينا تنقسم إلى قسمين مادية (حسية) ومعنوية (روحية) فالمادية الحسية، هي ما يشاهد ويلمس بحاسة اللمس ولو للأعمى في جميع المكونات، ولا نذهب بك بعيداً، بل نلفت نظرك إلى قول الحق عز وجل (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) فمن أي شيء وجدت أيها القارئ الكريم؟ وبأي شيء تعيش؟ وفي أي شيء تعمل وتقـيم؟ وما هو الناشئ منك وعنك؟ فلا ترى إلا أنها كلها وسائل وقس على ذلك كل حالة مادية حسية.

والمعنوية الروحية ما لفت الله سبحانه وتعالى عباده النظر إليه من حكمة ارسال الرسل وتوجيههم العباد إلى الله عز شأنه بالإيمان الذي هو معنى من المعاني، والذي لا يعرف إلا بالصورة التي جعلها الله تبارك وتعالى مقابلة لهذا المعنى الروحي، إذ لا يعرف إلا بها، وهي قيامك بالمأمورات ظاهراً حتى يبرهن به عنك بالمعنى الباطني الروحي الذي لا يعرف إلا بهذا الظاهر وفي دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إلى الله أكبر دلالة على الوسيلة المعنوية والروحية. قال تعالى (قل إنك كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله). وقال (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) وقال تعالى (واتقون يا أولي الألباب) وليس في كل معني ما تقدم إلا بعد نفي جميع ما عدا أوامره باطل واثبات ما هو جدير به وأحق بكل تلك الأوامر وهو الله تعالى.

لعله قد استبان لك مما قدمنا أن الوسيـلة على قسمين: مادية وروحية فالمادية عليها جميع التكاليف الشرعية من امتثال الأوامر واجتناب النواهي. ومن أهمها معاملة الخالق جل وعلا ومعاملة المخلوقين كما أمر سبحانه وتعالى إذ يفتح من هذه المعاملات التي هي وسائل بنص الشرع عملاً يستحق عليه الجزاء دنيا وأخرى فالعـمل الباطني الروحي ينشأ عنه العمل الظاهري المادي المحسوس الذي ينشأ عنه العمل الجزائي وهذا الجزاء لا يتوصل إليه إلا بالوسائل التي شرعها الله عز وجل لعباده، وجعل تبارك وتعالى نسبة العمل إليها نسبة حقيقية، وتضاف إليها الأعمال، وتنسب إليها، إذ لا يترتب الثواب والعقاب عليها إلا بهذه النسبة والإضافة الحقيقية هذا هو أصل التوسل والوسيلة وحقيقة مشروعيتها وتوجيه الله سبحانه وتعالى عباده إليه. ومن جهل ذلك فقد جهل سنن التكوين الإلهي وجهل سنن التشريع الرباني لعباده ولا ينكره إلا كل مخالف لاجماع المسلمين.

ولما كانت حكمة العليم الحكيم وجود المـخالفين في الدنيا من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة ضد الحق وأهـله (ليميز الله الخبيث من الطيب) وجود المخالفين الذين لا يفرقون بين الحق والباطـل بإنكارهم جميع أنواع الوسيلة حسـداً منهم وحقداً وتوهيناً وتضعيفاً في قدر سيد العالمين صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الصالحين الطيبين الطاهرين جهلاً منهم وضلالة عن الحق الصريح الواضح وعدم نظرهم إلى الصراط السوي الذي شرعه الله عز وجل لعباده وجموحهم إلى الضلال بتمسكهم ببعض آيات في القرآن العزيز وبعض الأحاديث في السنة المطهرة التي لا يعقلون لها معنى كقوله تعالى: (ادعوني استجب لكم) يظن الغـمر أن هذه وأشباهها تنفي التوسل والوسيلة أليست هذه وأشباهها ترشد إلى التوسـل والوسيلة. لأن الذي لا يخفـى عليه شـيء في الأرض ولا في السمـاء ويعمل خائنة الأعين وما تخـفي الصدور لا يحتاج إلى دعاء ولا طلب (إذ هو قائم على كل نفس بما كسبت) وإنما شرع لهم الدعاء ليلفت لهم النظر أن لهم إلها قادراً ينفع ويضر ويجيب دعوة المضطر لا كالأصنام التي يعبدونها من دون الله. ويقول أيضاً جاهلهم في استدلاله على عدم الوسيلة. قال الله تعالى (واسألوا الله من فضله) فقل لهذا الأخرق أليست هذه الآية الكريمة هي دعوة من الله عز وجل لعباده بالتمسك بالوسيلة إذ فـضله الذي وجهنا إليه تعالى هو مما قربه إلينا وجعله بين أيدينا كما عليه أهل التحقيق من المفسرين فهي عين الإرشاد لعباد الله تعالى إلى التوسل والوسيلة والأخذ في الأسباب ظاهراً وباطناً هو سنة الله تعالى في مكـوناته وهو عين التوسل.

ويقول أيضاً هذا الغبي في استدلاله وانكاره على عدم التوسل بالحديث المشهور المروي عن أصحاب الصحاح من قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله) الحديث فبالله أليس هذا هو عين الإرشاد إلى التوسل والوسيلة لأن السائل للمخلوق إنما هو في الحقيقة سائل لله تعالى ظاهراً وباطناً أما  الظاهر فبلسان المقال والباطن بلسان الحال لأنك تعرف أن الوجود كله على زوجين ومنه الظاهر والباطن ومنه قولنا على المقابلة والمماثلة وهذا هو الحق والتحقيق ونضرب لك مثلاً ليستنير لك الحال ويتضح لك المقال. وذلك كحال من به علة مرض، فلا يسعه إلا أن يذهب إلى الطبيب ليسأله عن العلة، فلسان الحال الذهاب إليه ولسان المقال الشكاية وبيان العلة له وهذا ليس بحرام ولا منتقد ولا عيب فيه، بل هو واجب بالفطرة التي فطر الله الناس عليه. بل يقول المريض ومن معه مبتهلاً اللهم اجعل في يده الشفاء وألهمه الصواب ووفقه لمعرفة الداء. وأن الحديث كان في صدر الإسلام وإنهم كانوا قريبي عهد بكفر، فهم في أشد الحاجة إلى توجيههم إلى فاعل الكائنات  والمكونات ظاهراً وباطناً سبحانه وتعالى. وكانت مخالطتهم للأعمال الدنيوية أشد لما فيها من المنافع العائدةعلى حياتهم وذويهم وما يترتب عليه، حسن المثوبة الأخروية فكان المراد والغرض من ارشاده الشريف صلى الله عليه وسلم للعباد، ليعرفوا أن جميع الأقوال والأفعال والحركة والسكون منه سبحانه وتعالى . ولا تنسى أن مستعمل الدواء عند تعاطيه يقول اللهم اشفني أو بسم الله الشافي، فالغرض المداومة على تعليق قلبه بمن هو شأنه كذلك سبحانه وتعالى لمداومة التوفيق والهداية لمرضاته، وأما ما فهمه أجهل الجهلاء في الحديث بأن الغرض منه صرف العبد عن مكونات الحق عز وجل، فهو من الخرافة بمكان، لما يترتب على ذلك من تعارض الآيات بعضها بعضاً، وكذلك السنة على مقتضى أفهامهم الفاسدة وأباطيلهم الكاسدة وإليك شيئاً من الآيات الكريمة التي قص علينا سبحانه وتعالى ليعلمنا أسراره في مكوناته بقوله تعالى: (والله خلقكم وما تعلمون) (هو الذي يسيركم في البر والبحر). (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) هذه تدل على أنه هو الفعال وهو الحق. فكيف بهذا مع قوله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم). (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا اثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء) وهكذا من جميع الآيات التي ذكر الحق عز وجل بنسبة الأعمال للعباد وها هي الآية الجامعة وهي قوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) فكيف بهذه مع قوله تعالى (فعال لما يريد) (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميع) وكيف بذلك كله مع توجيه الله عز وجل عباده ولفت النظر إلى مكوناته من أخذ الأمور من أسبابها كقوله تعالى (واسألوا الله من فضله) قال العلامة البيضاوي وعليه جميع عقلاء الأمة المفسرين للقرآن المجيد أي مما قربه إليكم وجعله بين أيديكم. وعليه فالأخذ بالأسباب حتم لازم من هذه الموجودات. وهي الوسائل للحق عز وجل خصوصاً وقد نوع الله سبحانه افهموا وتفقهوا

الأسباب وسماها أبواب. وقال تعالى:(وأتوا البيوت من أبوابه) وقال: (وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين) وقال تعالى (حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين) وقال تعالى: (حرض المؤمنين على القتال) وقال تعالى: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) وقال تعالى (ويذيق بعضكم بأس بعض) على أن الحديث الذي لم يفهموا له معنى آخره يغطي نفع العباد وضرهم ببعض فالحديث يحث على الأخذ بالأسباب ومعناه إذا سألت مخلوقاً فلا تنسى الخالق، لأنه هو الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو الخالق لك ولمن يستعين به والآيات والأحاديث لا تُعطي إلا ذلك المعنى لأنه لا يعقل التوجه إلى الله إلا بالأخذ في الأسباب، وجميع بيانات السنة لا تعقل إلا كذلك فكيف يفهمها قاصروا الذهن بهذا المعنى مع قوله صلى الله عليه وسلم: (دع الناس في غفلاتهم يرزق الله بعضهم من بعض) وهكذا جميع بيانات السنة وما ورد فيها من أنواع التوسل والوسيلة التي لا تكاد تقف عند حد من توسلاته الشريفة صلى الله عليه وسلم بأنواع نعم الله عز وجل ومن النعمة الزمان والمكان  من الموجودات كما سيأتي من بعض ما ورد عنه في صحيح السنة صلوات الله تعالى وسلامه عليه.

 

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد