ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 7 أكتوبر 2018 زيارة: 39

مناقشة ابن تيمية الحراني في توسل عمر بالعباس (رضي الله عنهما)

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: رفع المنارة لتخريج أحاديث التوسل والزيارة (ص30-38)
تأليف: الدكتور محمود سعيد ممدوح
الشبهة:

قال ابن تيمية: “دعاءُ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الاستسقاء المشهور بين المهاجرين والأنصار وقوله: “اللهمَّ إنَّا كنَّا إذا أجدبنا نتوسَّل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا” يدل على أن التوسل المشروع عندهم هو التوسل بدعائه وشفاعته لا السؤال بذاته، إذا لو كان هذا مشروعاً لم يعدل عمر والمهاجرون والأنصار عن السؤال بالرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى السؤال بالعباس”. اهـ.

وقال في موضع آخر: “وكذلك ثبت في الصحيح عن ابن عمر، وأنس، وغيرهما أنهم كانوا إذا أجدبوا، إنما يتوسلون بدعاء النبي (صلى الله عليه وسلم) واستسقائه، لم ينقل عن أحد منهم أنه كام في حياته (صلى الله عليه وسلم) سأل الله تعالى بمخلوق، لا به ولا بغيره، لا في الإستسقاء ولا غيره، وحديث الأعمى سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى، فلو كان السؤال به معروفاً عند الصحابة لقالوا لعمر: إن السؤال والتوسل به أولى من السؤال بالعباس، … فلم نعدل عن الأمر المشروع الذي كنا نفعله في حياته وهو التوسل بأفضل الخلق إلى ان نتوسل ببعض أقاربه؟. وفي ذلك ترك السُّنة المشروعة وعدول عن الأفضل، وسؤال الله تعالى بأضعف السببين، مع القدرة على أعلاهما، ونحن مضطرون غاية الإضطرار في عام الرمادة الذي يضرب به المثل في الجدب، والذي فعله عمر فعل مثله معاوية بحضرة من معه من الصحابة والتابعين، فتوسلوا بيزيد بن الأسود الجرشي كما توسل عمر بالعباس” اهـ.

جواب الشبهة:

قلت وبالله التوفيق: الناظر في كلام ابن تيمية يجده ينفي التوسل بالذوات مطلقاً، لأن الصحابة رضي الله عنهم تركوا التوسّل به (صلى الله عليه وسلم) بعد وفاته لأنه مقصور على الدعاء فقط، ودعاؤه بعد انتقاله غير ممكن في رأيه، ولو كان توسلهم بذاته ممكناً لما تركوه مع قيام المفتضي.

والجواب على هذا الإيراد يظهر في النقاط التالية:

1 – إنَّ غايتة ترك للتوسل به (صلى الله عليه وسلم) مع قيام المقتضي، … و هو شدة الحاجة.

والترك بمفرده لا يدل على التحريم أو الكراهية، وإنما يفيد الترك أن المتروك جائز تركه فقط، أما التحريم أو الكراهية، فهذا يحتاج لدليل آخر يفيد الحظر، وينغبي ألا ينسب لساكت قول، فتدبر.

وقد حرر مسألة الترك تحريراً ما عليه مزيد شيخنا العلامة المحقق سيدي عبد الله بن الصديق الغماري رحمة الله تعالى ونوَّر مرقده في رسالته المطبوعة باسم “حُسْنُ التَّفَهُّمِ والدَّرك لمسألة التَّرك“.

2 – لو كان الترك يدل على التحريم، فإن الصحابة قد تركوا التوسّل المتفق على جلالته وفضله، وهو التوسّل بأسماء الله وصفاته وهم مضطرون غاية الإضطرار لحال الشدة والقحط. كما يعلم من استسقاء عمر رضي الله عنه.

3 – إن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “إنا نتوسل إليك بعم نبينا” لا يخرج عن كونه توسلاً بالنبي (صلى الله عليه وسلم) فقد قال العباس في دعائه: “وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك”، ولذلك قال عمر بن الخطاب: “بعمِّ نبيك”، ولم يقل: “بالعباس”.

وكان الأحرى بعمر في شدة الضيق أن يتوسل بمن هو أفضل من العباس من الصحابة وهم متوافرون ولكنَّ عمر رضي الله عنه قال: … “واتخذوا وسيلةً إلى الله”، فلم يعدل عن التوسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم).

فتوسل عمر بالعباس رضي الله عنهما فيه إرضاء للنبي (صلى الله عليه وسلم) والإقتداء به في إكرام عمِّه واتخاذه وسيلة لقربه، ثم مع هذا رجاء دعائه لصلاحه.

قال الحافظ في الفتح (47: 2): “ويستفاد من قصة العباس استحبابُ الاستشفاع بأهل الخير والصلاح، وأهل بيت النبوة وفيه فضل العباس، وفضل عمر، لتواضعه للعباس ومعرفته بحقه”. اهـ.

أما قول الألباني في توسله: “لو صحَّت هذه الرواية، فهى إنما تدل على السبب الذي من أجله توسل عمر بالعباس دون غيره من الصحابة الحاضرين حينذاك، وأما أن تدل على جواز الرغبة عن التوسل بذاته (صلى الله عليه وسلم) – لو كان جائزاً عندهم – إلى التوسل بالعباس أى بذاته فكلاَّ، ثم كلاَّ، لأننا نعلم بالبداهة والضرورة – كما قال بعضهم – أنَّه لو أصاب جماعة من الناس قحط شديد، وأرادوا أن يتوسلوا بأحدهم لما أمكن أن يعدلوا عَمَّن دعاؤه أقرب إلى الإجابة وإلى رحمة الله سبحانه وتعالى، ولو أنَّ إنساناً أصيب بمكروه فادح وكان أمامه نبي وآخر غير نبي وأراد أن يطلب الدعاء من أحدهما لما طلبه لا من النبي، ولو طلبه من ير النبي وترك النبي لعُدَّ من الآثمين الجاهلين، فكيف يُظن بعمر ومن معه من الصحابة أن يعدلوا عن التوسل به (صلى الله عليه وسلم) إلى التوسل بغيره؟” اهـ.

قلت: هذه الرواية _ واتخذوه وسيلة إلى الله _ مقبولة الإسناد، وتفصيل الكلام عليها سيأتي إن شاء الله تعالى.

وخذ الآتي: قوله: “فهي إنما تدل على السبب الذي من أجله توسل بالعباس دون غيره من الصحابة”. اهـ.

قلت: هذا تسليم منه بالمطلوب، فكان يكفيه الوقوف عند ذلك ولكن … أما التوسُّل بالأدنى مع وجود الأعلى، والفاضل مع وجود المفضول، فله نظائر كثيرة بين الصحابة معلومة في أماكنها، وقد توسُّل عمر هنا بالعباس، وترك علياً وهو أفضل من العباس عنهم.

قوله: “ولو طلبه من غير النبي (صلى الله عليه وسلم) وترك النبي لعدَّ من الآثمين الجاهلين”. اهـ.

قلت: هذا تهويل وتشويش وإيهام باطل ولم يقل أحد بمقولته هذه التي لا دليل عليها وغاية الأمر أنه ترْكٌ، والترك يدل على جوازه فقط، وتركهم (إن سلم ذلك) له احتمالات كثيررة، ولا ينبغي أن ينسب لساكت قول، والبناء على المجهول أُفُول.

4 – قول ابن تيمية: وقوله: اللهمَّ إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا “يدل على أنَّ التوسل المشروع عندهم هو التوسل بدعائه وشفاعته لا السؤال بذاته”. اهـ.

قلت: قوله هذا يخالف فهم الصحابة رضي الله عنهم، وهو أعرف وأفهم من غيرهم، كيف لا وقد حضروا التوسل بالعباس، وهم عرب لم تدخلهم عجمة، فالفرق بين فهمهم وبين فهم مخالفهم كالفرق بين الأبيض والأسود فالقول قولهم، والصواب حليفهم، ولا يرضى العاقل بغير فهمهم لو أراد الإنصاف.

وممن فهم أن التوسل بالعباس هو توسلٌ به أي بذاته لا بدعائه حسان ابن ثابت الصحابى (رضي الله عنه) حيث قال:

سألَ الأنام وقد تتابع جدبنا … فسقي الغمام بغرة العباس

عم النبي وصنو والده الذي … ورث النبي بذاك دون الناس

أحيا الإله به البلاد فأصبحت … مخضرة الأجناب بعد اليأس

وصحابي آخر وهو عباس بن عتبة بن أبي لهب فقال:

بعمي سقى الله الحجاز وأهله … عشية يستسقى بشيبته عمر

توجه بالعباس في الجدب راغباً … إليه فما رامَ حتى أتى المطر

ومنَّا رسول الله فينا تراثه … فهل فوق هذا للمفاخر مفتخر

فالأبيات السابقة تصرح بأنَّ التوسل كان بالعباس رضي الله عنه أي بذاته[1] لا بدعائه، والباء حرف إلصاق فلماذا يلوون عنق النص؟

ومن يحاول أن يصرف اللفظ هنا عن ظاهره، يكون قد كذب على صاحبي الأبيات رضي الله عنهما، واتبع هواه.

5 – وعليه فإن قول بعضهم: إن الكلام ليس على ظاهره، ولا بد من تقدير مضاف محذوف في قول عمر “وإنا نتوسل إليك بعم نبينا”، أي بدعاء عم نبينا، قولهم هذا فيه صرف للنص عن ظاهره ولا دليل معهم إلا شُبَهٍ متخيلة، فالواجب والحالة هنا إبقاء النص على ظاهره.

ذلك أن الحذف يكون على خلاف الأصل، والواجب العمل بالأصل، وتجد المخالف يقول: أراد عمر بدعاء عم نبيك.

وهذا خطأ لأن الإرادة محلها القلب، فتعيين الإرادة على خلاف الظاهر باطل، وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أجل من أن يُلَبِّس على الناس دينهم فيكون ظاهر كلامه مخالفاً لما يرده.

6 – بقي بيان أنَّ الإسترسال السابق هو في دفع شبهٍ فقط، وإلا فالصحابةرضي الله عنهم توسلوا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) بعد انتقاله، ثبت ذلك عن ابن عمر، وبلال بن الحارث المزني[2] وعائشة كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وتقدمت الأبيات الصرحة بالتوسل بالعباس (رضي الله تعالى عنه).

ثم لا يخفى على اللبيب أنَّ المتوسّل لم يطلب من الميت أو الحي شيئاً، وإنما طلب من الله عز وجل فقط متوسلاً أى متقرباً إلى اله تعالى بكرامة هذا الميت أو الحي أو عمله الصالح أو نحو ذلك، فهل في هذا ونحوه عبادة للميت أو تأليه له، تعوذ بالله من المجازفة والهجوم على أعراض المسلمين.

___________________________

[1]. وفي العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد بن حنبل (1/ 163) قال: “قال ابن عيينة: رجلان صالحان يستسقى بهما ابن عجلان، ويزيد بن يزيد بن جابر ” وها توسل بذات الصالحين، ومن فهم أنه توسل بدعائهم يكون قد أخطأ.

[2]. وركب الشيخ عبد العزيز بن باز في تعليقه على فتح الباري الصعب فقال تعليقاً على أثر بلال بن الحارث المزني (2/ 495): “هذا الأثر-على فرض صحته كما قال الشارح – ليس بحجة على جواز الاستسقاء بالنبي (صلى الله عليه وسلم) بعد وفاته لأن السائل مجهول ولأن عمل الصحابة رضي الله عنهم على خلافه، وهوأعلم الناس بالشرع، ولم يأت أحد منهم إلى قبره يسأله السقيا ولا غيرها بل عدل عمرعنه لما وقع الجدب إلى الاستسقاء بالعباس ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة، فعلم أن ذلك هو الحق وأن ما فعله هذا الرجل منكر ووسيلة إلى الشرك بل قد جعله بعض أهل العلم من أنواع الشرك وأما تسمية السائل في رواية سيف المذكورة “بلال بن الحارث” ففي صحة ذلك نظر، ولم يذكرالشارح سند سيف في ذلك وعلى تقدير صحته عنه لا حجة فيه، لأن عمل كبار الصحابة يخالفه، وهم أعلم بالرسول … (صلى الله عليه وسلم) وشريعته من غيرهم، والله أعلم”. اهـ.

قلت: قوله “لأن السائل مجهول” هو معنى كلام الألباني في توسله (ص122) حيث قال: “هب أن القص صحيحة فلا حجة فيها لأن مدارها على رجل لم يسم، وتسميته بلالاً في رواية سيف لا يساوي شيئاً لأن سيفاً متفق على ضعفه”. اهـ.

وقد أجبت بتوفيق الله تعالى عن هذا فقلت: الجائي إلى القبر الشريف سواء كان صحابياً أو تابعياً فالحجة في إقرار عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لعلمه حيث لم ينهه عما فعل بل بكى عمر وقال: يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه. والله أعلم.

قوله: “ولأن عمل الصحابة رضي الله عنهم على خلافه” قلت: قد تقدم أن حكمه حكم الترك وإقرار عمر لهذا الجائي فيه لفت نظر للقارئ الكريم إلى أن فعل الصحابة ليس على خلافه، ومثله أثر عائشة رضي الله عنها في فتح الكوى، وهما نصان في الباب.

قوله: “ولأن ما فعله هذا الرجل منكر، ووسيلة إلى الشرك، بل جعله بعض أهل العلم من أنواع الشرك”.

قلت: أخطأت، وما أصبت فبعد تسليمك بصحة الأثر أترى أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه يقرُ الرجل على الشرك – في رأيك – حاشاه من هذا؟

ثم للناظر أن يتعجب ويسأل: هل نتعلم من الصحابة رضوان الله عليهم ديننا؟ أم ننظر في أعمالهم ونحكم عليها ووفق ما نراه من قواعد غير مسلمة؟ وهكا تكون الفوضى في التعليقات

سبيل أهل العلم هجر ما يخالف الآثار الصحيحة وعمل الصحابة رضي الله عنهم والمجئ إلى القبر الشريف ومخاطبة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ليس بشرك واعتراف ابن تيمية بهذه الواقعة وغيرها انظره في اقتضاء الصراط المستقيم (373) ولا بد.

فهل ابن تيمية في نظرك يقر الشرك أم أن المعلق لم يعط البحث حقه أم ماذا؟ نعوذ بالله من التخبط، والتناقض، ورض البدعة والشرك.

قوله: “وعلى تقدير صحته عنه لا حجة فيه لأن عمل كبار الصحابة يخالفه وهو أعلم بشريعته (صلى الله عليه وسلم) من غيرهم”. اهـ.

قلت: الحجة في قول عمر وإقراره رضي الله عنه، ثم إن عمل كبار الحابة ليس بحجة مع مخالفة صغارهم لهم كما هو مقرر في علم الأصول. والكلام هنا يحتمل أكثر من ذلك، ولولا خشية الإطالة لوَفيت الكيل صاعاً بصاع، والله المستعان.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد