ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 24 سبتمبر 2017 زيارة: 25

منهج ابن تيمية بالنصوص المتشابهة

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: بعض أفكار ابن تيمية في العقيدة ص40-47
تأليف: محمد سالم أبو عاصي

أما ابن تيمية فقد أثبت كما ذكرنا عنه ظواهر معاني الصفات الخبرية لله تعالى وبناء على ذلك فقد اعتقد أن معاني الصفات الخبرية كلها مفهومة وكيفيتها غير معقولة إذ تعقل الكيفية فرع العلم بكيفية الذات وحقيقتها، فيجب أن يوصف الله (سبحانه وتعالى) بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله (صلى الله عليه وسلم) من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، فمن نفى حقيقة الاستواء فهو معطل ومن أثبتها فهو منزه عن التشبيه.

ونحن نبدأ في مناقشة مقولة ابن تيمية هذه، فنقول:

1- ما معنى كلمة “على ظاهرها” في كلامه؟

والجواب ان كان ابن تيمية يقصد من كلمة “ظاهرها” إمرارها كما جاءت بلا تغيير فيها، فمثلا نحن نعلم أن قوله (صلى الله عليه وسلم): (الرحمن على العرش استوى) [طه: 5/20] دليل على أمر ما – فهذا المعنى صحيح، ومن ثم فلم يكن السلف يقولون: إن المراد من الاستواء هنا الجلوس ولا غير الجلوس أي لم يكونوا يتكلمون بهذا التفصيل مع التزامهم بالأصل الكلي وهو نفي جميع صفات التجسيم ومشابهة الخلق إجمالا انطلاقا من قوله تعالى: (ليس كمثله شيء) [الشورى: 11/42].

وأما المعنى الثاني المحتمل لكلمة ظاهرها فهو معانيها اللغوية ومعناه في آية الاستواء: الجلوس والاستقرار، وفي اليد الجارحة، وهذا المعنى باطل عقلا ونقلا، لأنه يستلزم التشبيه بل قل هو التشبيه بعينه.

وبالنظر في كلام الشيخ هنا، وفي مواضيع أخرى من مثل قوله واصفا مذهب السلف من وجهة نظره:

يقولون – أي السلف – نحن نثبت لله ما أثبته لنفسه من استوائه على عرشه على هيئة لا يعلمها إلا هو وكيفية لا يعلمها إلا هو … يتبين أنه قاصد للمعنى الثاني دون الأول.

2- ثم إن هذه الألفاظ (اليد، الوجه، … وضعت في أصل معناها لهذه المعاني الحسية).

ولا تطلق على وجه الحقيقة على سواها وإذا أطلقت على غيرها سواء أكان معلوما أم مجهولا فإنها قد استعملت في غير معناها ولا تكون بحال من الأحوال مستعملة في ظواهرها بل تكون مؤولة وعلى ذلك يكون ابن تيمية إن قصد منها عدم المدلول اللغوي المتبادر منها قد فر من التأويل ليقع في تأويل آخر، وفر من المجاز إلى المجاز.

ثم ما المآل والهدف من التفسير الظاهري؟ أيؤدي إلى معرفة حقيقة أم لا يؤدي إلا إلى متاهات أخرى، إنه يقول: إن الحقيقة غير معروفة فيقول: إن الله له وجه غير معروف الماهية ويد غير معروفة وقدم غير معروفة إلى آخر ما يجرنا (رضي الله عنه) من إثبات ما ليس بمعروف.

مع أننا إذا فسرنا تلك الظواهر بتفسيرات لا تجعلنا نحيلها على مجهولات يكون ذلك التفسير أحرى بالقبول مادامت اللغة تتسع له وما دام المجاز بينا فيها كتفسير اليد بمعنى القوة أو النعمة والنزول بفيوض النعم الإلهية … إلخ.

ولا يعترض بأن ذلك ليس فيه أخذ بالظاهر لأن الذي اختاره أيضا ليس فيه أخذ بالظاهر[1].

3- وما الدليل على أنها أي هذه الصفات حقيقة كما يدعي ابن تيمية؟

والجواب: القول بمعناها الحقيقي على وجه يليق بالله خطأ من حيث اللفظ والمعنى أما من حيث اللفظ فلأن السلف المتمسح بهم ابن تيمية لم يأتوا بكلمة حقيقية وهذا باب دقيق يجب التقيد فيه بالعبارة المنقولة تماما وأما من حيث المعنى فلأن قوله (حقيقية) يفيد التشبيه وقولهم على وجه يليق بذاته تعالى ينافي ذلك، فصارت العبارة متناقضة موهمة.

4- ثم ابن تيمية وهو يقرر نفي التشبيه والتجسيم عن مذهبه الذي هو مذهب السلف في اعتقاده نراه يثبت الفوفية وأن الله فوق ويستدل على ذلك بظاهر النصوص ويقول في ذلك: كتاب الله (سبحانه وتعالى) من أوله إلى آخره، وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة (رضي الله عنهم) والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة مملوءة بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله سبحانه فوق كل شيء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء …

إلى أن يقول: وليس في كتاب الله (سبحانه وتعالى)، ولا في سنة رسول (صلى الله عليه وسلم)، ولا عن أحد من سلف الأمة لا من الصحابة والتابعين، ولا عن أئمة الدين ـ الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف ـ حرف واحد يخالف ذلك، لا نصًا ولا ظاهرًا. ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء، ولا أنه ليس على العرش، ولا أنه [بذاته] في كل مكان، ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا أنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصبع، ونحوها[2].

ويعلق شيخ أشياخنا العلامة الفقيه أبو زهرة على كلام ابن تيمية هذا بقوله:

لا تتسع عقولنا لإدراك الجمع بين الإشارة الحسية بالأصابع والإقرار بأنه في السماء، وأنه يستوي على العرش، وبين التنزيه المطلق عن الجسمية والمشابهة للحوادث، وإذا كان ابن تيمية قد اتسع عقله للجمع بين الإشارة الحسية وعدم الحلول في مكان والتنزيه المطلق، فعقول الناس لا تصل إلى سعة أُفقه إن كان كلامه مستقيماً[3].

5- ابن تيمية في تمسكه بقاعدة الأخذ بالظاهر في باب الاعتقاد ينكر التأويل بمعنى صرف اللفظ من المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح بدليل.

فهل يوافق المنطق والعلم على شيء من هذه التصورات كلها؟

أولا: تعريف التأويل، هذا اصطلاح الأصوليين وليس الاصطلاح من الابتداع في شيء.

ثانيا: إذا كان الصرف عن المعنى الراجح إلى المرجوح لقرينة فلماذا يكون تحريفا للكلم عن مواضعه؟ وما معنى القرينة إذن؟ بل عدم الصرف والحالة هذه يكون تحريفا للكلم عن مواضعه، نعم صرف اللفظ عن ظاهره لا لقرينة تأويل الفاسد وتحريف للكلم عن مواضعه. قال تاج الدين السبكي في كتابه “جمع الجوامع:

“الظاهر ما دل دلالة ظنية، والتأويل حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، فإن حمل لدليل فصحيح أو لما يظن دليلا ففاسد أو لا لشيء فلعب لا تأويل”.

ومما لا ريب فيه أن طريق التأويل في مذهب الأشاعرة أهل السنة هو من التأويل لدليل.

وإنه لعجيب من ابن تيمية وشيعته أن يرجوا قاعد الأخذ بالظواهر إلى باب الاعتقاد ويقفون بالمرصاد ضد الذين يؤولون تلك النصوص الموهمة أو على حد تعبيره يفسرونها تفسيرا مجازيا باعتبار معنى (في السماء) هو العلو المعنوي ثم لا ينتبهون إلى أنهم يعتبرون كل الأسماء الواردة في نعيم الجنة مجازية، فلئن كان يجري المجاز ويقبله في هذا المقام أفلا يكون من السائغ إجراء المجاز فيما يتعلق بالذات الأقدس حتى تبعد عن كل نطاق الجسمية ومسارب الشك إلى النفس.

فإن قيل: إنه كان في مقام الأسماء الواردة في نعيم الجنة متبعا لما يجيء في النصوص وليس محكما للعقل المجرد المحكم فإنه قد ورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) حكاية عن ربه أنه (سبحانه وتعالى) قال: “أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت …”.

ونقل عن ابن عباس أنه قال:

“ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء” فكان النص موجبا لإعمال المجاز وأما في مقام الصفات فلم يرد عن الصحابة والتابعين نص لصرف اللفظ من الحقيقة إلى المجاز ولو قلنا إن العقل هو الذي يفيد لكان ذلك سيطرة للعقل على نصوص الشرع[4].

ولكننا نرى أن الصحابة إذا كان قد سكتوا في هذا الأمر فلم ينقل عنهم نفي للتأويل وإن كانت العبارات المروية تدل على التفويض فليس في العبارات المروية إقرار للجهة كما أن النصوص التي ساقها ابن تيمية المجاز فيها واضح كأنه الحقيقة مثل (إليه يصعد الكلم الطيب) [فاطر: 35/10].

_________________________

[1]. ينظر: ابن تيمية للشيخ أبي زهرة، ص234.

[2]. ينظر: الحموية الكبرى ص419.

[3]. ينظر: ابن تيمية للشيخ أبي زهرة ص227-228.

[4]. ينظر: المرجع السابق ص228.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد