ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 17 أكتوبر 2017 زيارة: 45

من الطليعة المقاتلة إلى الكتائب المسلحة

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: داعش وأخواتها من القاعدة إلى الدولة الإسلامية، ص123-127
المؤلف: محمد علوش

أنشئت الطليعة المقاتلة وسط أنقاض حماه بعد مواجهة جرت في نيسان/أبريل ١٩٦٤ في المدينة “. فقد حوّل نظام البعث، الذي كان قد استولى على السلطة في عام ١٩٦3، المدينة المحافظة والمتمردة إلى نموذج يشير إلى المدى الذي هو على استعداد للذهاب إليه لترويض المعارضة. وقد شجع قصف مسجد السلطان في المدينة، وقتل الأشخاص الذين نزلوا إلى الشوارع للاحتجاج على ذلك، على ظهور تيار راديكالي بقيادة مروان حديد، وهو شاب متشدّد من جماعة الإخوان المسلمين كان يعتقد أنه لا يمكن إسقاط حزب «البعث الملحدا» إلا بالقوة.

فمنذ منتصف الستينيات، بدأت تتعالى في صفوف جماعة الإخوان المسلمين في سورية طروحات المواجهة مع النظام عبر العنف، ولا سيما خارج دمشق. وعلى الرغم من أجواء الجماعة الحانقة بشدة على النظام، إلا أن قرارها كان عدم الانجرار إلى مواجهة عسكرية معه، الأمر الذي لم يرق عدداً من الإخوان، فانفصل بعضهم، وفصل البعض الآخر، ومن هؤلاء تشكلت نواة ما عرف لاحقاً باسم «الطليعة المقاتلة» بقيادة مروان حديد، التي أصبحت تنظيماً سرياً عام ١٩٧٥.

وهكذا ظهر خط جديد داخل جماعة الإخوان بقيادة مروان حديد يختلف عن توجهات من الجماعة الذين كانوا يفضلون طريق العمل السلمي للوصول إلى السلطة، ومن ابرزهم الدكتور مصطفى السباعي والشيخ عصام العطار. لقد تأثر مروان حديد بأفكار سيد قطب أ للدراسة في مصر، وكان يطمح في نقلها إلى سورية.

كان تنظيم الطليعة المقاتلة أول تجربة جهادية في سورية تتخذ من العنف سبيلاً وحيداً للتغير. وقد أدّت مساعي مروان حديد طوال سنوات الستينيات وأوائل السبعينيات إلى نمو شبكة وطنية من المتشدّدين الذين كانوا يرغبون في دفع جماعة الإخوان إلى خوض مواجهة مفتوحة مع النظام. كان مروان حديد مقتنعاً بأنّ الجهاد هو الطريق الوحيد للتخلص من «بلاء كحزب البعث». وفي سبيل ذلك، حاول إقناع التنظيم العام للإخوان المسلمين بالإعداد للمواجهة مع السلطة، وتشكيل ذراع عسكرية للجماعة. ولما لم ينجح في ذلك، توجه مع تلاميذه للإعداد للقتال، وذلك من خلال العمل المسلح مع حركة فتح الفلسطينية في قواعد الشيوخ في غور الاردن (۱۹6۸ – ۱۹۷۰)، وهناك تمكن من إعداد النخبة الأولى لتنظيمه الجهادي، الذي سماه «تنظيم الطليعة المقاتلة».

وعندما تم القبض على حديد وتوفي في السجن في حزيران/ يونيو ۱۹۷6، تعهدت الخلايا التي تمكن من تدريبها وتوزيعها في جميع أنحاء سورية بالانتقام لمقتله، وبدأت حملة لاغتيال العديد من كبار ضباط الأمن والسياسيين في النظام. وسرعان ما تحولت خطط عمليات القتل المستهدف إلى سلسلة من الهجمات الجهادية العشوائية ضد العلويين، الأقلية الحاكمة في البلاد.

شنت الطليعة المقاتلة أكبر هجوم لها بتاريخ ۱۹ حزيران/ يونيو ۱۹۷۹، مستهدفة مدرسة المدفعية في حلب، وقد قتلت في الهجوم 32 شخصاً من طلاب الضباط العلويين، واتم وزير الداخلية السوري حينها، عدنان دباغ، في بيان رسمي صدر بتاريخ ۲۲ حزيران/ يونيو ۱۹۷۹ الإخوان المسلمين في سورية – وليس الطليعة المقاتلة – بالتورط في هذه العملية، حيث جاء في البيان: «وكانت آخر جريمة لهم تلك التي حدثت في مدرسة المدفعية في حلب. لقد تمكنوا من شراء عنصر من عناصر القوات المسلحة هو النقيب إبراهيم يوسف من مواليد تادف، واستخدموا وجوده في المدرسة ونفوذه في يوم كان فيه هو الضابط المناوب في المدرسة.

واستطاع مساء يوم السبت الواقع في السادس عشر من هذا الشهر أن يدخل إلى المدرسة عدداً – الحرمين من جماعة الإخوان المسلمين، ويدعو الطلاب الضباط إلى اجتماع عاجل يعقد في الندوة، وعندما هرعوا من مهاجعهم تنفيذا لأمره واصبحوا في قاعة الندوة الطلابية، أمر أعوانه من المجرمين الذين أدخلهم من خارج المدرسة بفتح النار على الطلاب الشباب العزل في القاعة المغلقة، وذلك بالرشاشات والقنابل اليدوية، وسقط خلال دقائق معدودات اثنان وثلاثون شهيداً وأربعة وخمسون جريحاً».

نفت جماعة الإخوان المسلمين في سورية أي علم أو صلة لها بالعملية في بيان وزعته بتاريخ24/6/1979 بعنوان «بيان من الاخوان السلمين للواقع والتاريخ حول حادثة مدرسة المدفعية بحلب»، جاء فيه: «إن الإخوان المسلمين فوجئوا كما فوجئ غيرهم بالحملة التي شنها عليهم عدنان دباغ وزير الداخلية السوري، متهماً إياهم بالعمالة والخيانة وغير ذلك، ومحملاً إياهم حدثت في مدرسة المدفعية، كذلك حملهم مسؤولية الاغتيالات التي جرت ولا زالت تجري في سورية».

وفي أواخر عام 1٩٧٩، حاول القيادي السابق في جماعة الإخوان المسلمين في سورية، أمين يكن، التفاوض مع السلطة لإنهاء الاشتباك معها، وقد نجح في ذلك، لكن التهدئة لم تستمر أكثر من أربعة أشهر تقريباً.

وفي شهر آذار/ مارس عام 1980 جرد النظام حملة «تمشيط»، واسعة على مدينة حماه، فعزلها كلياً عن العالم، وفتش بيوتها بيتاً بيتاً، على مدى أسبوع تقريباً، بحثاً عن السلاح، وعن أسماء أعضاء من الطليعة المقاتلة، لكن ذلك لم يقض على تنظيم الطليعة المقاتلة، إذ كان مقاتلو الطليعة يخرجون من بيوتهم، ويدخلون بيوت الناس الآخرين للاختباء فيقابلون بالترحاب. لذا فقد لجأت السلطات بعد ذلك إلى عقوبات جماعية للناس في حماه وحلب، ارتكبت خلالها مذابح، ما اضطر الأهالى إلى الابتعاد عن عناصر الطليعة المقاتلة، وتالياً تمكنت السلطة من الفتك بهم.

وفي مطلع عام ۱۹۸۲ اكتشف النظام وجود تنظيم عسكري للجماعة (الإخوان) داخل الجيش، فوجهت إليه ضربة قاضية، حيث أعدم خلالها العشرات من الضباط، واعتقل المئات منهم.

وفي الثاني من شباط/ فبراير عام 1982، حدثت مجزرة حماه الكبرى، التي اشتركت فيها سرايا الدفاع، والجيش، والقوات الخاصة، والمخابرات، وفصائل حزبية مسلحة، حيث أعمل هؤلاء بالمدينة قصفاً وهدماً وحرقاً وإبادة جماعية، فقُتل آلاف السوريين، وهدمت أحياء بكاملها على رؤوس أصحابها.

عملية إحياء ؟

لقد اتسمت العلاقة بين الإخوان والطليعة المقاتلة لفترة طويلة بقدر كبير من المرارة والريبة. بعد مجزرة حماه، اتهم الإخوان أعضاء الطليعة المقاتلة، وعلى وجه الخصوص الشيخ عدنان عقلة، وهو الشخصية الأكثر نفوذاً وتأثيراً في الطليعة، بدفع الحركة الإسلامية كلها إلى مواجهة سابقة لأوانها ومحكومة بالفشل مع النظام السوري. ولم يمض شهران على مجزرة حماه حتى تركت جماعة الإخوان التحالف نهائياً وتحالفت بدلاً من ذلك مع قوى المعارضة العليانية اليسارية. وقد اعتبر مسلحو الطليعة المقاتلة الذين تحمّلوا عبء الجزء الأكبر من القتال ضد النظام هذا التحالف الجديد خيانة لهما.

خسرت جماعة الإخوان المسلمين القدر الضئيل من الصدقية التي كانت لا تزال تتمتع بها في الأوساط الإسلامية المتشددة عندما تخلت قيادتها عن المحاولة الأخيرة لاستعادة السيطرة على حماه، وهي الحلقة التي غالباً ما يشار إليها بوصفها «النفير الفاشل». بعد ذلك بوقت قصير، في أواخر عام ۱۹۸۲، ألقى النظام القبض على عدنان عقلة في عملية انتهت بسحق جماعة الإخوان بأكملها بشكل فعلي حيث لم يتعامل النظام مع الطليعة المقاتلة على أنها جسم منفصل عن الإخوان المسلمين، فحجته كانت أن الكثير من الإخوان يتعاطفون مع التنظيم ويدعمونه، حتى إذا نجح تبنته القيادة. وفي الحقيقة أن ثمة جناحاً في النظام الحاكم رأى مصلحة في تحميل جماعة الإخوان المسلمين في سورية تبعة أعمال الطليعة المقاتلة تسهيلاً لعزلها، ولا سيما في الراحل الاخيرة من الصراع، بينما كان البعض يميل إلى عزل الطليعة المقاتلة عن الإخوان، واستيعاب بقية الإخوان، لكن يبدو أن التيار الأول هو الذي ساد، ربما بسبب انسياق جماعة الإخوان نفسها إلى المواجهة.

وقد أدت الموا جهة التي تلت ذلك في حماه في شباط/فبراير عام 1982 إلى مقتل ما بين 20و40 ألفاً من سكان المدينة ووضع حدّ فعلي لأي تحد لنظام الحكم حتى آذار/ مارس عام ۲۰۱۱ تاريخ اندلاع الثورة في سورية.

ما زالت جماعة الإخوان في سورية تتبرأ حتى اليوم من تهمة العنف أو التأسيس له. وتفيد روايتها بأن محاولة الثقافة في تنظيم الجاعة قادها نجيب جويفل في الخمسينيات ضد الدكتور مصطفى السباعي المراقب عام للجماعة في حينها بتكليف من المخابرات المصرية، وكان جهد المنشقين تشكيل تنظيم مسلح، وقد رفض الدكتور السباعي ومعه التنظيم كله هذه الفكرة، حتى استطاع استئصالها، وفصل أنصارها، وعلى رأسهم جويفل نفسه. وإن تنظيم «الطليعة المقاتلة» منذ ظهوره وهو يعمل على جرّ الجماعة كلها إلى العنف الذي لا تؤمن به طريقاً في العمل الاجتماعي أو السياسي.

وعن تفجر العنف بالصورة التي كان عليها في الثمانينيات، ترجع «الجماعة» الأسباب إلى عوامل عديدة، منها وصول حزب البعث إلى السلطة بشكل انقلابي عسكري، ثم احتكاره السلطة قائداً للدولة والمجتمع ثانياً، ومن ثم مصادرة الحريات العامة وإلغاء الأحزاب المعارضة. وما زاد من حدة الاحتقان الممارسات الاستفزازية كالاستهتار بالإسلام والمقدسات، وهو ما دفع بعض الشباب المتحمسين دفعاً إلى ردود فعل مقابلة. فالعنف – باختصار – لم يأت من عدم، بل هو رد فعل على فعل سابق عنيف «عنفاً أمنياً عسفياً» أتاح المجال لاستفحال العنف المضاد، حتى شمل قطاعات جماهيرية واسعة، لم تكن جاعة الإخوان المسلمين وحدها الضحية، بل سبقها ووازاها ولحق بها ضحايا من مختلف الشرائح والأحزاب السورية.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد