ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 16 يناير 2019 زيارة: 275

من سمات المتشددين اعتبار التبرك بآثار النبي (صلى الله عليه وسلم) والصالحين شركا

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: المتشددون منهجهم ومناقشة أهم قضاياهم (90-100)
تأليف: الدكتور علي جمعة

من قضايا المتشددين التي فرقوا بها الأمة وخرجو عليها عدهم للتبرك بآثار النبي (صلى الله عليه وسلم) والصالحين من الشرك وما ترتب على عدم انتساب هؤلاء للإسلام من شق لجماعة المسلمين وفتن الله أعلم بها.

ونحاول فيما يلي أن نعرف بالتبرك وحقيقته ومدى جوازه في حق آثار النبي (صلى الله عليه وسلم) وآثار الصالحين.

التبرك لغة: طلب البركة، والبركة هي: النماء والزيادة. وتبركت به تيمنت به. قال الراغب الأصفهاني: البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء. قال ابن منظور: «البَرَكة النَّماء والزيادة، والتَّبْريك الدعاء للإنسان أو غيره بالبركة. يقال: بَرَّكْتُ عليه تَبْريكاً، أي قلت له بارك الله عليك. وبارك الله الشيءَ، وبارك فيه، وعليه، وضع فيه البَرَكَة. وطعام بَرِيك، كأنه مُبارك» [لسان العرب 10/395].

والمسلم يعتقد أن الله سبحانه وتعالى هو مصدر البركة، وهو الذي يبارك الأشياء، ولا بركة ذاتية للمخلوقات؛ إنما البركة من الله لمن شاء أن يباركه، والله سبحانه بحكمته يختار من الأزمان ما يباركها، قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ}[الدخان: 3].

ويختار سبحانه من الأماكن ما يباركها، قال سبحانه: {وَأَوْرَثْنَا القَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَتِى بَارَكْنَا فِيهَا} [الأعراف: 137]. قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الإسراء:1]. وقال سبحانه: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَتِى بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:71]. وقد بارك البيت الحرام، فقال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران:96]

ويختار سبحانه من الأشخاص من يباركهم، فبارك الأنبياء وأهل بيتهم، قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ} [هود:73]. وبارك أتباع الأنبياء، ومن تبعهم، قال تعالى: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [هود: 48].

وأثبت سبحانه أن أنبيائه (عليهم السلام) يصطحبون بركتهم أينما ذهبوا، فقال سبحانه: {وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِى بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًا} [مريم: 31]. ويبارك الله المؤمنين المتبعين لمنهج الله، فقال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96]

ويبارك الله الأقوال، فبارك كلامه سبحانه، قال تعالى: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [الأنبياء: 50]. وبارك تحية المؤمنين: {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تعْقِلُونَ} [النور: 61].

ويستحب للمؤمن أن يلتمس بركة هذه الجهات التي ثبتت بركتها من عند الله سبحانه وتعالى، فيستحب للمؤمن التبرك بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وآثاره، وقد ثبت ذلك التبرك من صحابة سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بحضرته الشريفة، ولم ينكر عليهم بل ورد عنه (صلى الله عليه وسلم) إجابته بالتبريك لهم وعليهم.

أخرج البخاري بسنده عن عروة عن الِمسْوَر وغيره يُصَدِّق كل واحد منهما صاحبه: «وإذا توضأ النبي (صلى الله عليه وسلم) كادوا يقتتلون على وضوئه»[1].

وفي حديث صلح الحديبية في البخاري من حديث المِسْوَر بن مخرمة، بعد رجوع عروة بن مسعود إلى قريش: «فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها»[2].

وقد صح عنه (صلى الله عليه وسلم) أنه كان: «يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم»[3].

وعن أسماء: «أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة. قالت: فخرجت وأنا متم، فأتيت المدينة، فنزلت بقباء، فولدته بقباء، ثم أتيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فوضعه في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها، ثم تفل في  فيه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله  (صلى الله عليه وسلم)، ثم حنكه بالتمرة، ثم دعا له وبرك عليه، وكان أول مولود ولد في الإسلام»[4].

وكانت أسماء بنت أبي بكر تقول للحجاج: «أن النبي (صلى الله عليه وسلم) احتجم فدفع دمه إلى ابني -تقصد عبد الله بن الزبير- فشربه فأتاه جبريل (عليه السلام) فأخبره فقال: ما صنعت؟ قال: كرهت أن أصب دمك، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): لا تمسك النار ومسح على رأسه، وقال: ويل للناس منك وويل لك من الناس»[5].

عن عُميرة بنت مسعود (رضي الله عنها): «أنها دخلت على النبي (صلى الله عليه وسلم) هي وأخواتها يبايعنه وهن خمس فوجدنه وهو يأكل قديدا فمضغ لهن قديدة ثم ناولنى القديدة فمضغتها كل واحدة منهن قطعة فلقين الله وما وجدن لأفواهن خلوفا»[6].

هذا ما يخص التبرك بآثار النبي (صلى الله عليه وسلم) في حياته، وأما التبرك بآثار الصالحين، فقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه تبرك بآثار أيدي المسلمين، فعن ابن عمر (رضي الله عنه قال): «قيل: يا رسول الله، الوضوء من جر مجمر أحب إليك أم من المطاهر ؟ قال: «لا بل من المطاهر إن دين الله الحنيفية السمحة»، قال: وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم): يبعث إلى المطاهر فيؤتى بالماء فيشربه أو قال: فيشرب يرجو بركة أيدي المسلمين»[7].

كما أن أصل أدلة هذا الباب هي نفس أحاديث التبرك بآثار النبي (صلى الله عليه وسلم)، ذلك لأن الأصل عدم اختصاص تلك البركة بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وإن كانت مقامها من النبي (صلى الله عليه وسلم) أعلى، وهذا ما فهمه كبار شراح السنة النبوية المطهرة كالنووي، وابن حجر رحمهما الله، وغيرهما.

قال الإمام النووي (رحمه الله) عقب حديث الاستشفاء بجُبة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)-: « وفي هذا الحديث دليل على استحباب التبرك بآثار الصالحين وثيابهم»[8].

وقال عليه رحمة الله: «قوله (فخرج بلال بوضوء فمن نائل بعد ذلك وناضح تبركا بآثاره (صلى الله عليه وسلم)، وقد جاء مبيناً في الحديث الآخر: فرأيت الناس يأخذون من فضل وضوئه، ففيه التبرك بآثار الصالحين واستعمال فضل طهورهم وطعامهم وشرابهم ولباسهم»[9].

وقال كذلك الإمام النووي: «وفي هذا الحديث فوائد: «منها تحنيك المولود عند ولادته وهو سنة بالإجماع كما سبق. ومنها أن يحنكه صالح من رجل أو امرأة. ومنها التبرك بآثار الصالحين وريقهم وكل شيء منهم»[10].

وقال (رحمه الله): «أما أحكام الباب ففيه استحباب تحنيك المولود، وفيه التبرك بأهل الصلاح والفضل، وفيه استحباب حمل الأطفال إلى أهل الفضل للتبرك بهم، وسواء في هذا الاستحباب المولود في حال ولادته وبعدها»[11].

وقال في باب قربه (صلى الله عليه وسلم) من الناس وتبركهم به وتواضعه لهم:

«وفيه التبرك بآثار الصالحين وبيان ما كانت الصحابة عليه من التبرك بآثاره (صلى الله عليه وسلم) وتبركهم بإدخال يده الكريمة في الآنية وتبركهم بشعره الكريم وإكرامهم إياه أن يقع شيء منه إلا في يد رجل سبق إليه»[12].

قال ابن حجر -عقب حديث صلاته (صلى الله عليه وسلم) لعتبان ابن مالك في بيته ليتخذ هذا الموضع مصلى له-: «وفيه التبرك بالمواضع التي صلى فيها النبي (صلى الله عليه وسلم) أو وطئها، ويستفاد منه أن من دعي من الصالحين ليتبرك به انه يجيب إذا أمن الفتنة»[13].

قال الحافظ عقب حديث الرجل الذي طلب البردة من النبي (صلى الله عليه وسلم) ولامه أصحابه على ذلك: «وفيه جواز استحسان الإنسان ما يراه على غيره من الملابس وغيرها إما ليعرفه قدرها وأما ليعرض له بطلبه منه حيث يسوغ له ذلك، وفيه مشروعية الإنكار عند مخالفة الأدب ظاهرا وإن لم يبلغ المنكر درجة التحريم، وفيه التبرك بآثار الصالحين»[14].

وقال رحمه الله: «قيل: الحكمة في تأخير الإزار معه إلى أن يفرغ من الغسل ولم يناولهن إياه أولا ليكون قريب العهد من جسده الكريم، حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصل، وهو أصل في التبرك بآثار الصالحين وفيه جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل، وسيأتي الكلام عليه في باب مفرد»[15].

وقال الحافظ (رحمه الله) في حديث اللديغ: «وفي الحديث التبرك بالرجل الصالح وسائر أعضائه وخصوصا اليد اليمنى»[16].

وقال في حديث آخر: «وفيه استعمال آثار الصالحين ولباس ملابسهم على جهة التبرك والتيمن بها»[17].

وقد بَوَبَ الحافظ ابن حبان في صحيحه بابا بعنوان: « باب ذِكْرُ ما يُستحبُّ للمِرء التَّبركُ بالصالحينَ وأشباهِهم» وأورد تحته حديث: أخبرنا أحمدُ بنُ علي بن المثنى، قال: حَدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدثنا أبو أسامة، عن بُرَيْد بن عبد الله، عن أبي بُردة عن أبي موسى قال: كنتُ عِنْدَ رسولِ اللَّهِ، نَازِلًا بِالجِعْرانَةِ، بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ أَعْرَابيٌّ، فَقَالَ: أَلَا تُنْجِزُ لي يَا مُحَمَّدُ مَا وَعَدْتَنِي؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه: «أَبشِرْ». فَقَالَ لَهُ الأعْرَابِيُّ: لَقَدْ أَكثَرْتَ عَلَيَّ مِنَ البُشْرَى، قال: فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ، عَلَى أبي مُوسَى وَبِلَالٍ كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ، فَقَالَ: «إنَّ هذا قَدْ رَدَّ الْبُشْرَى، فَاقْبَلَا أَنْتُما». فَقَالَا: قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قال: فَدَعَا رسولُ اللَّهِ، بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ ثُمَّ قال لَهُمَا (اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغا عَلَى وُجُوهِكُمَا أَوْ نُحُورِكُمَا). فَأَخَذَا الْقَدَحَ فَفَعَلَا مَا أَمَرَهُما بِهِ رَسُولُ اللَّهِ، فَنَادَتْنَا أُمُّ سَلَمَةَ مِن وَرَاءِ السِّتْرِ، أَنْ أَفْضِلَا لأمِّكُمَا في إنَائِكُمَا، فَأَفْضَلَا لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً»[18].

مما يشير إلى أنهم كانوا يستدلون بأحاديث التبرك بآثار النبي (صلى الله عليه وسلم) على جواز التبرك بالصالحين، وقد ورد عن الإمام أحمد بن حنبل أنه تبرك بجبة يحيى بن يحيى نقل ذلك ابن مفلح، حيث قال: «قال المروذي في كتاب الورع:  «سمعت أبا عبد الله يقول قد كان يحيى بن يحيى أوصى لي بجبته فجاءني بها ابنه فقال لي فقلت رجل صالح قد أطاع الله فيها أتبرك بها»[19].

أما عن مسألة التبرك بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وآثاره بعد انتقاله الشريف إلى ربه، فلم يفرق المسلمون بين التبرك به (صلى الله عليه وسلم) وبآثاره الشريف قبل انتقاله إلى ربه، وبعد انتقاله، فثبت عن كثير من الصحابة والسلف التبرك بآثاره بعد انتقاله الشريف إلى ربه (سبحانه وتعالى): «حينما حضرت عمر بن العزيز الوفاة، دعا بشعر من شعر النبي (صلى الله عليه وسلم) وأظفار من أظفاره وقال: إذا مت فخذوا الشعر والأظفار ثم اجعلوه في كفني»[20].

عن سهل في حديث المرأة التي للنبي (صلى الله عليه وسلم) أعوذ بالله منك وهي لا تعرفه وفيه: « .. فأقبل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يومئذ حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه، ثم قال: اسقنا –لسهل- قال: فأخرجت لهم هذا القَدَح، فأسقيتهم فيه. قال أبو حازم: فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا فيه. قال: ثم استوهبه  بعد ذلك عمر بن عبد العزيز فوهبه له»[21].

قال النووي عقب هذا الحديث: «هذا فيه التبرك بآثار النبي (صلى الله عليه وسلم) وما مسه أو لبسه أو كان منه فيه سبب، وهذا نحو ما أجمعوا عليه وأطبق السلف والخلف عليه من التبرك بالصلاة في مصلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الروضة الكريمة، ودخول الغار الذي دخله (صلى الله عليه وسلم) وغير ذلك. من هذا إعطاؤه (صلى الله عليه وسلم) أبا طلحة شعره ليقسمه بين الناس، وإعطاؤه (صلى الله عليه وسلم) حقوة لتكفن فيه بنته (رضي الله عنها)، وجعله الجريدتين على القبرين، وجمعت بنت ملحان عرقه (صلى الله عليه وسلم)، وتمسحوا بوضوئه (صلى الله عليه وسلم)، ودلكوا وجوههم بنخامته (صلى الله عليه وسلم)، وأشباه هذه كثيرة مشهورة في الصحيح، وكل ذلك واضح لا شك فيه»[22].

عن أسماء بنت أبي بكر (رضي الله عنهما): «أنها أخرجت إلى جُبة طيالسة كسروانية لها لبنة ديباج وفرجيها مكفوفين بالديباج فقالت هذه كانت عند عائشة حتى قبضت فلما قبضت قبضتها وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها»[23].

عن سهل بن سعد قال: «جاءت امرأة إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ببردة، فقال سهل للقوم: أتدرون ما البردة ؟ فقال القوم هي شملة. فقال سهل: هي شملة منسوجة فيها حاشيتها. فقالت: يا رسول الله أكسوك هذه فأخذها النبي (صلى الله عليه وسلم) محتاجا إليها، فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة، فقال: يا رسول الله، ما أحسن هذه، فاكسنيها. فقال: نعم. فلما قام النبي (صلى الله عليه وسلم) لامه أصحابه، قالوا: ما أحسنت حين رأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) أخذها محتاجا إليها ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يسأل شيئا فيمنعه، فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي (صلى الله عليه وسلم) لعلي أكفن فيها»[24]. وهو لا يعلم إذا كان موته قبل انتقال النبي (صلى الله عليه وسلم) أو بعده، ولم ينكر عليه الصحابة الكرام.

قال الإمام الذهبي: «وقد كان ثابت البناني إذا رأى أنس بن مالك أخذ يده فقبلها ويقول: يد مست يد رسول الله (صلى الله عليه وسلم). فنقول نحن إذ فاتنا ذلك: حجر معظم بمنزله يمين الله في الأرض مسته شفتا رآه (صلى الله عليه وسلم) لاثما له، فإذا فاتك الحج، وتلقيت الوفد، فالتزم الحاج، وقبل فمه، وقل: فم مس بالتقبيل حجرا قبله خليلي (صلى الله عليه وسلم)» [25].

وقال الإمام الذهبي أيضا: «أخبرنا أحمد بن عبد المنعم، غير مرة، أنا أبو جعفر الصيدلاني – كتابة أنا أبو علي الحداد – حضورا – أنا أبو نعيم الحافظ، نا عبد الله بن جعفر، ثنا محمد بن عاصم  نا أبو أسامة عن عبيد بن نافع عن ابن عمر: أنه كان يكره مس قبر النبي (صلى الله عليه وسلم).

قلت: كره ذلك لأنه رآه إساءة أدب. وقد «سئل أحمد بن حنبل عن مس القبر النبوي وتقبيله فلم ير بذلك بأسا»، رواه عنه ولده عبد الله بن أحمد.

فإن قيل: فهلا فعل ذلك الصحابة ؟ قيل: لأنهم عاينوه حيا، وتملوا به، وقبلوا يده، وكادوا يقتتلون على وضوءه، واقتسموا شعره المطهر يوم الحج الأكبر، وكان إذا تختم لا تكاد تخامته تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجهه، ونحن فلما لم يصح لنا مثل هذا النصيب الأوفر ترامينا على قبره بالالتزام والتبجيل والاستلام والتقبيل»[26].

مما ذكر من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والنقل عن الأئمة الأعلام من أئمة أهل السنة والجماعة، يتأكد لنا جواز التبرك بآثار النبي (صلى الله عليه وسلم) وآل بيته، ولا فرق في ذلك بين حياته وانتقاله لربه، وكذلك جواز التبرك بآثار الصالحين لا فرق في ذلك بين حياتهم ومماتهم، والله تعالى أعلى وأعلم.

_________________________________________

[1] . رواه البخاري في صحيحه 1/81.

[2] . أخرجه البخاري في صحيحه 1/147 واللفظ له، ومسلم في صحيحه 1/360.

[3] . رواه مسلم في صحيحه 1/237 طـ الحلبي.

[4] . أخرجه البخاري في صحيحه 3/1422، ومسلم في صحيحه 3/1691 واللفظ له.

[5] . أخرجه الحاكم في المستدرك 3/638، والدارقطني في سننه 1/228 واللفظ له، وذكره السيوطي في الخصائص الكبرى الخصائص الكبرى 1/171، وأبونعيم في حلية الأولياء 1/330 .

[6] . رواه الطبراني في الكبير 24/341، وأبو نعيم في حلية الأولياء 2/70.

[7] . رواه الطبراني في الأوسط 2/305، وفي الكبير 11/168، والبيهقي في شعب الإيمان 6/309، وأبو نعيم في حلية الأولياء 8/203. قال الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” 5 / 154: أخرجه الطبراني في ” الأوسط ” ( ص 35 ) و أبو نعيم في ” الحلية ” (8/ 203 ) عن حسان بن إبراهيم الكرماني عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر قال: «قلت: يا رسول الله ! الوضوء من جر جديد مخمر أحب إليك، أم من المطاهر ؟ قال: لا بل من المطاهر، إن دين الله يسر، الحنيفية السمحة». قال: فذكره، و قال: ” لم يروه عن عبد العزيز إلا حسان ” . قلت: و هو مختلف فيه والأكثرون على توثيقه، و الذي يترجح عندي أنه وسط حسن الحديث، و لاسيما و قد خرج له البخاري في ” صحيحه “، و قال الحافظ: ” صدوق يخطىء “. و الحديث قال الهيثمي ( 1 / 214 ): “رواه الطبراني في ” الأوسط “، و رجاله موثقون، و عبد العزيز بن أبي رواد ثقة ينسب إلى الإرجاء ” . قلت: و احتج به مسلم وإرجاؤه لا يضر حديثه كما هو مقرر في ” مصطلح الحديث ” .

[8] . شرح النووي على صحيح مسلم 14/44 .

[9] . شرح النووي على صحيح مسلم 14/44 .

[10] . شرح النووي على صحيح مسلم 14/124 .

[11] . شرح النووي على صحيح مسلم 14/194 .

[12] . شرح النووي على صحيح مسلم 15/82 .

[13] . شرح النووي على صحيح مسلم 4/219.

[14] . فتح الباري 3/144 .

[15] . فتح الباري 3/129 .

[16] . فتح الباري 10/198 .

[17] . فتح الباري 10/198 .

[18] . صحيح ابن حبان 2/317 .

[19] . الآداب الشرعية لابن مفلح 2/235.

[20] . الطبقات: 5/406، ترجمة عمر بن عبدالعزيز.

[21] . رواه الترمذي في سننه 4/306، وابن ماجه في سننه 2/1132.

[22] . شرح النووي على صحيح مسلم 13/178 -179 ط دار إحياء التراث العربي.

[23] . رواه مسلم في صحيحه 3/1641.

[24] . أخرجه البخاري في صحيحه 5/2245.

[25] . سير أعلام النبلاء 4/43.

[26] . معجم الشيوخ، للذهبي 1/73، 74.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد