ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 1 فبراير 2019 زيارة: 379

من سمات المتشددين تحريم الاحتفال بمولد النبي (صلى الله عليه وسلم) وعده بدعة ضلالة

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: المتشددون منهجهم ومناقشة أهم قضاياهم (101-105)
تأليف: فضيلة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية

يخالف المتشددون أغلب المسلمين في فرحهم بذكري ميلاد النبي (صلى الله عليه وسلم)، ويتهمونهم أنهم على بدعة ضلالة، على الرغم من احتفال هؤلاء المتشددين بذكرى بعض علمائهم وأئمتهم، وهذه مصيبة أخرى من مصائبهم، ونحاول فيما يلي بيان صواب ما عليه المسلمون من الاحتفال بذكرى مولد النبي (صلى الله عليه وسلم).

عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال: “… سئل – أي النبي (صلى الله عليه وسلم) – عن صوم الاثنين، قال: “ذاك يوم ولدت فيه ويوم بعثت (أو أنزل على فيه)…” {رواه مسلم في صحيحه}.

وفي الحديث إشارة إلي أنه (صلى الله عليه وسلم) كان يشكر ربه على نعمة مولده بصيام يوم الاثنين، وقد درج سلفنا الصالح منذ القرن الرابع على الاحتفال بمولد الرسول الأعظم (صلوات الله عليه وسلامه) بإحياء ليلة المولد بشتى أنواع القربات من إطعام الطعام، وتلاوة القرآن والأذكار،  وإنشاد الأشعار والمدائح في رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، كما نص على ذلك غير واحد من المؤرخين مثل الحافظين: ابن الجوزي، وابن كثير، والحافظ ابن دحية الأندلسي، والحافظ ابن حجر، وخاتمة الحفاظ جلال الدين السيوطي رحمهم الله تعالى.

والأصل الذي خرج عليه الحافظ ابن حجر العسقلاني عمل المولد النبوي هو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هذا يوم أغرق الله فيه فرعون، ونجى موسى، فنحن نصومه شكرا لله تعالى.

قال الحافظ: “فيستفاد منه فعل شكر الله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر يحصل بأنواع العبادات كالسجود، والصيام، والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من نعمة بروز النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم؟”.

وإن كان النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه (رضي الله عنهم) لم يحتفلوا به في الذكرى السنوية يوم الثاني عشر من ربيع الأول من كل عام فإن هذا لا يجعل الاحتفال به بدعة مذمومة، لأن البدعة المذمومة هي التي لا تدخل تحت دليل شرعي في مدحها، أما إذا تناولها دليل المدح فليست مذمومة”.

وروى البيهقي عن الشافعي (رضي الله عنه) قال: “المحدثات من الأمور ضربان؛ أحدهما: أحدث مما يخالف كتابا، أو سنة، أو أثرا، أو إجماعا فهذه البدعة الضلالة، والثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد وهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في قيام شهر رمضان: نعمت البدعة هذه، يعني أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى. هذا آخر كلام الشافعي”.

قال السيوطي: “وعمل المولد ليس فيه مخالفة لكتاب ولا سنة ولا أثر ولا إجماع، فهي غير مذمومة كما في عبارة الشافعي، وهو من الإحسان الذي لم يعهد في العصر الأول، فإن إطعام الطعام الخالي عن اقتراف الآثام إحسان، فهو إذن من البدع المندوبة كما عبر عنه بذلك سلطان العلماء العز بن عبد السلام”.

ونقل السيوطي عن إمام القراء الحافظ شمس الدين بن الجزري من كتابه (عرف التعريف بالمولد الشريف) قوله: إنه صح أن أبا لهب يخفف عنه العذاب في النار كل ليلة اثنين لإعتاقه ثويبة عندما بشرته بولادة النبي (صلى الله عليه وسلم)، فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي (صلى الله عليه وسلم)، فمما حال المسلم الموحد من أمة النبي (صلى الله عليه وسلم) يسر بمولده ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته؟ لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنة النعيم.

وأنشد الحافظ شمس الدين الدمشقي في كتابه المسمى (مورد الصادي في مولد الهادي):

إذا كان هذا كافرا جاء ذمه … وتبت يداه في الجحيم مخلدا

أتى أنه في يوم الاثنين دائما … يخفف عنه للسرور بأحمدا

فما الظن بالعبد الذي كان عمره … بأحمد مسرورا ومات موحدا؟[1]

كما يمكن الاستدلال بعموم قوله تعالى (وذكرهم بأيام الله) [إبراهيم: 5]، فلا شك أن مولد النبي (صلى الله عليه وسلم) من أيام الله فيكون الاحتفال به ما هو إلا تطبيقا لأمر الله؟ وما كان كذلك فلا يكون بدعة، بل يكون سنة حسنة حتى ولو لم يكن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

ونحن نحتفل بمولده (صلى الله عليه وسلم) لأننا نحبه، ولم لا نحبه وقد عرفته وأحبته كل الكائنات؛ فهذا الجذع وهو جماد أحب النبي (صلى الله عليه وسلم) وتعلق به واشتاق إلى قربه الشريف (صلى الله عليه وسلم)، بل وبكى بكاء شديدا تشوقا للنبي (صلى الله عليه وسلم)، وقد تواتر هذا الخبر، وصار العلم به محتما، وروي عن أكثر من صحابي من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “أنه عندما كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يخطب قائمًا معتمدًا على جذع نخل منصوب، فإذا طال وقوفه وضع يده الشريفة على ذلك الجذع، ولما كثر عدد المصلين صنع له الصحابة منبرًا، فلما خرج (صلى الله عليه وسلم) من باب الحجرة الشريفة يوم الجمعة يريد المنبر، وجاوز الجذع الذي كان  يخطب عنده إذا بالجذع يصرخ صراخًا شديدًا، ويحن حنينا مؤلما حتى ارتج المسجد وتشقق الجذع، ولم يهدأ، حتى نزل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن المنبر وأتى الجذع، فوضع يده الشريفة عليه، ومسحه، ثم ضمه بين يديه إلى صدره الشريف حتى هدأ ثم خيره بأن سارره  بين أن يكون شجرة في الجنة، تشرب عروقه من أنهار الجنة، وبين أن يعود شجرة مثمرة في الدنيا، فاختار الجذع أن يكون شجرة في الجنة فقال (صلى الله عليه وسلم): “أفعل إن شاء الله، أفعل إن شاء الله،  أفعل إن شاء الله” فسكن الجذع، ثم قال (صلى الله عليه وسلم): “والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لبقي يحن إلى قيام الساعة شوقآ إلي رشول الله (صلى الله عليه وسلم)” [2].

ومما سبق ذكره من أقوال الأئمة كابن حجر، وابن الجوزي، والسيوطي، وغيرهم، وتبين أن هذا حال الأمة من القرن الخامس الهجري، نرى استحباب الاحتفال بالمولد الشريف موافقة للأمة والعلماء، وأن يكون الاحتفال بما ذكر من تلاوة القرآن والذكر وإطعام الطعام، ولا يتطرق إليه مظاهر مذمومة كالرقص والطبل وما إلى ذلك، ولا عبرة بمن شذ عن هذا الإجماع العملي للأمة وأقوال هؤلاء الأئمة؛وليس ذلك الاحتفال بكثير على النبي (صلى الله عليه وسلم) الرحمة المهداة حبيب رب العالمين، وفي الختام أذكر قول صاحب البردة:

فهو الذي تم معناه وصورته … ثم اصطفاه حبيبا بارئ النسم

منزه عن شريك في محاسنه … فجوهر الحسن فيه غير منقسم

دع ما ادعته النصارى في نبيهم … واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم

وانسب الى ذاته ما شئت من شرف … وانسب إلى قدره ما شئت من عظم

فإن فضل رسول الله ليس له … حد فيعرب عنه ناطق بفم

____________________________

[1] . كل ما سبق من النقل ذكره الإمام السيوطي في كتابه حسن المقصد في عمل المولد من ص5: 15، ونقل هذا الكلام بنصه ابن قاسم العبادي في حاشيته على تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي، ج7، ص424.

[2] . أخرج أصل الحديث جمع غفير من الحفاظ بألفاظ متقاربة فأخرجه أحمد في مسنده، ج3، ص293، والبخاري في صحيحه، ج3، ص1313، والترمذي في سننه، ج5، ص594، وابن ماجه في سننه، ج1، ص454، والدارمي في سننه، ج1، 30، وابن حبان في صحيحه، ج14، ص435، وابن أبي شيبة في مصنفه، ج6، ص319، والطبراني في الأوسط، ج2، ص367، وأبو يعلى في مسنده، ج6، ص14.

 

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد