ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 11 فبراير 2019 زيارة: 77

من سمات المتشددين تحريم السفر لزيارة النبي (صلى الله عليه وسلم) وقبور الأنبياء والصالحين

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: المتشددون منهجهم ومناقشة أهم قضاياهم (106-110)
تأليف: فضيلة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية

من أغرب ما عليه المتشددون تحريمهم السفر لزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وسلم)، أو قبر الخليل إبراهيم (عليه السلام) أو قبر أي صالح، وسوف يزداد العجب عندما تعلم أنهم يستحبون زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وسلم)، وزيارة قبور المسلمين بصفة عامة، فوقعوا في استحباب الغاية و تحريم وسيلتها.

وهم بهذا السلوك العجيب الغريب قد اصطدموا بقاعدة متفق عليها أن الوسائل تأخذ أحكام المقاصد، فلا يعقل أن يكون المقصد مندوبا ووسيلته محرمة، وفيما يلي ننقل إجماع المذاهب الفقهية على استحباب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وسلم).

في مذهب الحنفية قال الإمام کمال الدين محمد بن عبد الواحد في “شرح فتح القدير”: «المقصد الثالث في زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) قال مشايخنا (رحمهم الله تعالى): من أفضل المندوبات، وفي “مناسك الفارسي وشرح المختار” أنها قريبة من الوجوب لمن له سعة[1].

وفي مذهب المالكية قال القرافي: «وزيارة النبي من السنة المتأكدة»[2].

وفي المذهب الشافعي قال الإمام النووي: واعلم أن زيارة قبر رسول الله من أهم القربات وأنجح المساعي، فإذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة استحب لهم استحسانا متأكدا أن يتوجهوا إلى المدينة لزيارته (صلى الله عليه وسلم) وينوي الزائر من الزيارة التقرب، وشد الرحل إليه والصلاة فيه»[3].

وفي المذهب الحنبلي يقول المرداوي الحنبلي: «[قوله: فإذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) وقبر صاحبيه هذا المذهب و عليه الأصحاب قاطبة متقدمهم ومتأخرهم».

فما الذي حدث؟! وما الذي يجعل هؤلاء يتخبطون هذا التخبط العجيب بين استحباب الغاية وتحريم الوسيلة؟! السبب في ذلك أنهم يحاولون فهم الأحاديث بعيدا عن العلماء، وكلما وجدوا حديئا قاموا بتطبيقه بعيدا عن الجو العلمي له، فهم قد[4] اصطدموا بحديث «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى»[5].

فظنوا أن هذا الحديث يحرم شد الرحال (السفر) لغير المساجد الثلاثة، وبالتالي يحرم السفر لزيارة قبره (صلى الله عليه وسلم) وقبر الخليل إبراهيم وقبور الصالحين.

قال ابن حجر العسقلاني: “قال بعض المحققين: قوله: «إلا إلى ثلاثة مساجد»، المستثنى منه محذوف، فإما أن يقدر عاما فيصير: لا تشد الرحال إلى مكان في أي أمر كان إلا إلى الثلاثة، أو أخص من ذلك؛ إذ لا سبيل إلى الأول لإفضائه إلى سد باب السفر للتجارة وصلة الرحم، وطلب العلم وغيرها. فتعين الثاني. والأولى أن يقدر ما هو أكثر مناسبة، وهو: لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه إلا إلى الثلاثة. فيبطل بذلك قول من منع شد الرحال إلى زيارة القبر الشريف وغيره من قبور الصالحين، والله أعلم[6].

ويستنكر الحافظ ابن حجر وقوع ابن تيمية في هذه المغالطة فيقول: «وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية»[7].

ففهم العلماء من حديث (شد الرحال) أنه لا يجب عليه الوفاء بنذره إن نذر شد الرحال لغير المساجد الثلاثة.

يقول الإمام الغزالي (رحمه الله): «إذا نذر إتيان مسجد سوى المسجد الحرام، والمدينة، و بيت المقدس – لم يلزمه شيء، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام، ومسجدي هذا، ومسجد إيليا (الأقصى)». وهذا لا يوجب تحريما وكراهية في شد الرحال إلى غيره على الصحيح، بل بين أن القربة هذا فقط[8].

قال ابن قدامة في السفر لزيارة القبور والمشاهد: ( … والصحيح إباحته، وجواز القصر فيه لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يأتي قباء راكبا وماشيا، وكان يزور القبور، وقال: «زوروها تذکر کم الآخرة»، وأما قوله: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، فيحمل على نفي التفضيل لا على التحريم) [9].

قال الشيخ عليش (رحمه الله): “وحديث «لا تعمل المطي» مخصوص بالصلاة، قاله ابن عبد البر، وكذا خبر «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» لا دليل فيه على منع الزيارة؛ إذ المستثنى منه محذوف – أي المسجد – بدليل أن المستثنى مساجد، والأصل فيه الاتصال”[10].

كما أن النهي عن شد الرحال لمسجد غير الثلاث ليس على التحريم، فقد ثبت أن النبي (صلى الله عليه وسلم) شد الرحال لمسجد رابع هو مسجد قباء، فعن ابن عمر (رضي الله عنه) قال: «كان النبي يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيا وراكبا»[11]. وكان عبد الله يفعله، ولذلك قال الحافظ: «و فيه أن النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة ليس على التحريم»[12].

قال العلامة ابن عابدين: “وفي الحديث المتفق عليه: «لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى»، والمعنى کما أفاده في الإحياء” أنه لا تشد الرحال لمسجد من المساجد إلا هذه الثلاثة؛ لما فيها من المضاعفة بخلاف بقية المساجد، فإنها متساوية في ذلك، فلا يرد أنه قد تشد الرحال لغير ذلك؛ كصلة رحم، وتعلم علم، وزيارة المشاهد: كقبر النبي (صلى الله عليه وسلم) وقبر الخليل (عليه السلام) وسائر الأئمة”[13].

كل ما سبق يبين أن هؤلاء المتشددين أصروا على فهم أحد العلماء الذي شذ بفهمه وأنكروا فهم باقي العلماء مما جعلهم يتخبطون وينتجون لنا قولا غريبا وعجيبا محصلته استحباب الشيء وتحريم الوسيلة الموصلة إليه أو أن يقتصر حكم استحباب الزيارة لمن يسكن بجوار القبر الشريف فقط.

___________________________

[1] . شرح فتح القدير، لكمال الدين محمد بن عبد الواحد، 3/ 179.

[2] . الذخيرة، للقرافي 3/ 375.

[3] . المجموع، للنووي، 8/ 201.

[4] . الإنصاف، للمرداوي، 4/ 53.

[5] . أخرجه البخاري في صحيحه، 1/ 398، ومسلم في صحيحه، 2/ 1014.

[6] . فتح الباري، لابن حجر العسقلاني، 3/ 69.

[7] . فتح الباري، لابن حجر العسقلاني، 3/ 69.

[8] . فتح الباري، لابن حجر العسقلاني، 3/ 69.

[9] . فتح الباري، لابن حجر العسقلاني، 3/ 69.

[10] . منح الجليل شرح مختصر الخليل، للعلامة محمد عليش 3/ 100.

[11] . أخرجه البخاري في صحيحه، 1/ 399، ومسلم بنحوه 2/ 1017 كلاهما من حديث ابن عمر.

[12] . المغني لابن قدامة 3/ 52.

[13] . حاشية ابن عابدين، لابن عابدين، 2/ 627.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد