ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 6 يناير 2019 زيارة: 21

من سمات المتشددين تحريم الصلاة في المساجد ذات الأضرحة والتصريح بوجوب هدمها

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: المتشددون منهجهم ومناقشة أهم قضاياهم (ص82-89)
تأليف: الدكتور نور الدين علي جمعة

يحرم المتشددون الصلاة بالمسجد الذي ألحق به ضريح رجل صالح ويصرحون بوجوب هدم الضريح أو المسجد. وهم بذلك يخالفون إجماع المسلمين ويستفزون مشاعرهم فالصلاة بالمسجد الذي به ضريح أحد الأنبياء (عليهم السلام) أو الصالحين ومشروعة وقد تصل إلى درجة الاستحباب ويدل على هذا الحكم عدة أدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وفعل الصحابة وإجماع الأمة العملي.

فمن القرآن الكريم قوله تعالى: (فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) [الكهف: 21]،  ووجه الاستدلال بالآية أنّها أشارت إلى قصّة أصحاب الكهف، حينما عثر عليهم الناس فقال بعضهم: نبني عليهم بُنيانًا، وقال آخرون: لنتّخذنّ عليهم مسجدًا.

والسياق يدل على أن الأوّل: قول المشركين، والثاني: قول الموحّدين، والآية طرحت القولين دون استنكار، ولو كان فيهما شيء من الباطل لكان من المناسب أن تشير إليه وتدل على بطلانه بقرينة ما، وتقريرها للقولين يدل على إمضاء الشريعة لهما، بل إنّها طرحت قول الموحدين بسياق يفيد المدح، وذلك بدليل المقابلة بينه وبين قول المشركين المحفوف بالتشكيك، بينما جاء قول الموحدين قاطعًا (لنتّخذنّ) نابعًا من رؤية إيمانية، فليس المطلوب عندهم مجرد البناء، وإنّما المطلوب هو المسجد. وهذا القول يدلّ على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله معترفين بالعبادة والصلاة.

قال الرازي في تفسير (لنتّخذنّ عليه مسجدًا) نعبد الله فيه، ونستبقي آثار أصحاب الكهف بسبب ذلك المسجد[1].

وقال الشوكاني: ذكر اتخاذ المسجد يُشعر بأنّ هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم هم المسلمون، وقيل: هم أهل السلطان والملوك من القوم المذكورين، فإنهم الذين يغلبون على أمر من عداهم، والأوّل أولى[2].

ومن السنة حديث أبي بصير الذي رواه الزهري في مشاهير مروياته: «إن أبا بصير انفلت من المشركين بعد صلح الحديبية، وذهب إلى سيف البحر، ولحق به أبو جندل بن سهيل بن عمرو، أنلفت من المشركين أيضا، ولحق بهم أناس من المسلمين حتى بلغوا ثلاثمائة وكان يصلي بهم أبو بصير.

وكان يقول:

الله العلي الأكبر           **       من ينصر الله ينصر

فلما لحق به أبو جندل، كان يؤمهم، وكان لا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها، وقتلوا أصحابها، فأرسلت قريش إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) تناشده الله والرحم، إلا أرسل إليهم، فمن أتاك منهم فهو آمن، وكتب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى أبي جندل وأبي بصير ليقدما عليه ومن معهم من المسلمين أن يلحقوا ببلادهم وأهليهم، فقدم كتاب رسول (صلى الله عليه وسلم) على أبي جندل، وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيده يقرأه، فدفنه أبو جندل مكانه، وبنى على قبره مسجدًا»[3].

أما فعل الصحابة (رضي الله عنهم) يتضح في موقف دفن سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) واختلافهم فيه، وهو ما حكاه الإمام مالك (رضي لله عنه) عندما ذكر اختلاف الصحابة في مكان دفن الحبيب (صلى الله عليه وسلم) فقال: «فقال ناس: يدفن عند المنبر، وقال آخرون: يدفن بالبقيع، فجاء أبو بكر الصديق فقال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه فحفر له فيه»[4]، ووجه الاستدلال أن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اقترحوا أن يدفن (صلى الله عليه وسلم) عند المنبر وهو داخل المسجد قطعًا، ولم ينكر عليهم أحد هذا الاقتراح، بل إن أبا بكر (رضي الله عنه) اعترض على هذا الاقتراح ليس لحرمة دفنه (صلى الله عليه وسلم) في المسجد، وإنما تطبيقًا لأمره (صلى الله عليه وسلم) بأن يدفن في مكان قبض روحه الشريف (صلى الله عليه وسلم).

وبعد أن قرر الصحابة (رضوان الله عليهم) دفن النبي (صلى الله عليه وسلم) في حجرة السيدة عائشة فنجد أن هذه الحجرة كانت متصلة بالمسجد الذي يصلي فيه المسلمين، فكان المسلمون يصلون في المسجد الذي ألحق به حجرة تشتمل على قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) ولما مات أبو بكر (رضي الله عنه) دفن بجوار النبي (صلى الله عليه وسلم) فأصبح المسجد ملحقا به حجرة تشتمل على قبرين ولما مات عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) دفن بجوارهما فأصبحت الحجرة الملحقة بالمسجد بها ثلاثة قبور.

وظل المسلمون يصلون في المسجد على هذه الحالة ولم ينكر أحد فكان ذلك إجماعا عمليا منهم على عدم حرمة الصلاة في مسجد يتصل به حجرة تشتمل على قبور للنبي (صلى الله عليه وسلم) أو لصحابيه.

وهناك من يعترض على هذا الكلام ويقول: إن هذا خاص بالنبي (صلى الله عليه وسلم)، والرد عليه أن الخصوصية في الأحكام بالنبي (صلى الله عليه وسلم) تحتاج إلى دليل، والأصل أن الحكم عام ما لم يرد دليل يثبت الخصوصية، ولا دليل، فبطلت الخصوصية المزعومة في هذا الموطن، ونزولاً على قول الخصم من أن هذه خصوصية للنبي (صلى الله عليه وسلم) – وهو باطل كما بينا – فالجواب أن هذه الحجرة دفن فيها سيدنا أبو بكر (رضي الله عنه)، ومن بعده سيدنا عمر (رضي الله عنه)، والحجرة متصلة بالمسجد، فهل الخصوصية انسحبت إلى أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما) أم ماذا ؟ والصحابة يصلون في المسجد المتصل بهذه الحجرة التي بها ثلاثة قبور، والسيدة عائشة (رضي الله عنها) تعيش في هذه الحجرة، وتصلي فيها صلواتها المفروضة والمندوبة، ألا يعد هذا فعل الصحابة إجماعا عمليا لهم.

وفي ولاية عمر بن عبد العزيز للمدينة أدخلت القبور الثلاثة المسجد وقد وافق فقهاء المدينة السبعة على ذلك ولم يعترض منهم إلا سعيد بن المسيب (رضي الله عنه) ولم يكن اعتراضه لأنه يرى حرمة الصلاة في المساجد التي بها قبور، وإنما اعترض؛ لأنه يريد أن تبقى حجرات النبي (صلى الله عليه وسلم) كما هي يطلع عليها المسلمون؛ حتى يزهدوا في الدنيا، ويعلموا كيف كان يعيش نبيهم (صلى الله عليه وسلم).

وعلى هذه السنة أنشأ المسلمون مساجدهم، ولم يجدوا نكيراً في إلحاق المسجد بضريح أحدٍ من آل البيت الكرام أو الصالحين. وكان ذلك إجماعاً من المسلمين سلفاً وخلفاً وشرقاً وغرباً. إذاً ما الذى حدث، وما سبب تحريم من يدَّعون التمسك بالدين للصلاة في هذه المساجد، والتصريح بهدم المساجد أو الأضرحة؟!

السبب في ذلك: أن هؤلاء بحثوا في كتب السنة، واستخرجوا حديثًا ظنوا أنه ينطبق على هذه الصورة التي ارتضاها المسلمون. هذا الحديث هو: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) [5]. وفي روايةٍ لمسلمٍ زاد: (قبور أنبيائهم وصالحيهم) [6]. والحقيقة: أن اتخاذ القبر مسجداً الذى ورد فيه النهي ليس هو ما ذكرنا من بناء المسجد ملحقاً به أحد أضرحة الصالحين.

إن علماء الأمة لم يفهموا من هذا الحديث النهي عن اتصال المسجد بضريح نبىٍّ أو صالحٍ، وإنما فسروا اتخاذ القبر مسجداً: أن يجعل القبر نفسه مكاناً للسجود، ويسجد عليه الساجد لمن في القبر عبادة له كما فعل اليهود والنصارى حيث قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:31].

فهذا هو معنى السجود الذى استوجب اللعن، أو جعْل القبر قِبْلَةً دون القِبلة المشروعة، كما يفعل أهل الكتاب؛ حيث يتوجهون بالصلاة إلى قبور أحبارهم ورهبانهم، فتلك الصور هي التي فهمها علماء الأمة من النهي عن اتخاذ القبور مساجد.

وقد اتضح ذلك في شروحهم لهذه الأحاديث، فها هو الشيخ السِّندي يقول بشأن هذا الحديث: «ومراده بذلك أن يحذر أمته آن يصنعوا بقبره ما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم، من اتخاذهم تلك القبور مساجد: إما بالسجود إليها تعظيماً. أو بجعلها قِبلةَ يتوجهون في الصلاة نحوها. قيل: ومجرد اتخاذ مسجدٍ في جوار صالحٍ تبرُّكاً غير ممنوعٍ) [7].

وقد نقل العلامة ابن حجر العسقلاني وغيره من شرَّاح السنن، قول البيضاوي؛ حيث قال: (قال البيضاوي: لما  كانت اليهود يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم، ويجعلونها قبلةً، ويتوجهون في الصلاة نحوها، فاتخذوها أوثاناً ـ  لعنهم الله ـ  ومُنِع المسلمون عن مثل ذلك، ونهاهم عنه. أما من اتخذ مسجداً بجوار صالحٍ أو صلى في مقبرته، وقصد به الاستظهار بروحه، ووصول أثرٍ من آثار عبادته إليه لا التعظيم له، والتوجه؛ فلا حرج عليه. ألا ترى أن مدفن إسماعيل في المسجد الحرام ثَمَّ الحطيم. ثم إنّ ذلك المسجد أفضل مكانٍ يتحرى المصلِّى بصلاته، والنهي عن الصلاة في المقابر مختصٌّ بالمنبوشة لما فيها من النجاسة. انتهى[8].

وقد نقل كذلك المباركفوري في شرحه لجامع الإمام الترمذي قول التوربشتي، فقال: (قال التوربشتي: هو مُخرَّج على الوجهين: أحدهما: كانوا يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لهم، وبقصد العبادة في ذلك. وثانيهما: أنهم كانوا يتحرون الصلاة في مدافن الأنبياء. والتوجه إلى قبورهم في حالة الصلاة والعبادة لله؛ نظراً منهم ان ذلك الصنيع أعظم موقعاً عند الله لاشتماله على الأمرين)[9].

فكان ينبغي على هؤلاء المتشددين أن يعرفوا الصورة المنهي عنها، لا أن ينظروا إلى ما فعله المسلمون في مساجدهم ثم يقولون: إن الحديث ورد في المسلمين! فهذا فعل الخوارج ـ  والعياذ بالله ـ  قال ابن عمر (رضي الله عنهما): «ذهبوا إلى آياتٍ نزلت في المشركين؛ فجعلوها في المسلمين). فليست هناك كنيسة للنصارى، ولا معبد لليهود، على هيئة مساجد المسلمين التي بها أضرحة، والتي يصر بعضهم أن الحديث جاء في هذه الصورة!.

ومما سبق فبيان حكم الصلاة بالمسجد الذى به ضريحٌ يكون إذا كان القبر في مكانٍ منعزلٍ عن المسجد، أي: لا يُصلَّى فيه؛ فالصلاة في المسجد الذي يجاوره صحيحة، ولا حرمة ولا كراهية فيها، أما إذا كان القبر في داخل المسجد؛ فإن الصلاة باطلة ومحرمة على مذهب أحمد بن حنبل. جائزةٌ وصحيحةٌ عند الأئمة الثلاثة. غاية الأمر أنهم قالوا: يكره أن يكون القبر أمام المصلي، لما فيه من التشبُّه بالصلاة إليه. والله تعالى أعلى وأعلم. انتهى.

______________________________

[1] . تفسير الرازي: 11/106 ـ دار الفكر ـ 1415 ـ 1995 م .

[2] . فتح القدير: 3/277 ـ عالم الكتب.

[3] . ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب 4/1614 ، وصاحب الروض الأنف 4/59، وابن سعد في الطبقات الكبرى 4/134، وصاحب السيرة الحلبية 2/720، ورواه أيضا موسى بن عقبة في المغازي وابن إسحاق في السيرة، ومغازي موسى بن عقبة من أصح كتب السيرة، فكان يقول الإمام مالك عنها: عليكم بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة، فإنها أصح المغازي، وكان يحيى بن معين يقول: كتاب موسى بن عقبة عن الزهري من أصح هذه الكتب.

[4] . الموطأ: ج1، ص231.

[5] . متفق عليه أخرجه البخاري في صحيحه ، ج1، ص446، ومسلم في صحيحه ج1، ص376.

[6] . أخرجها مسلم في صحيحه ج1، ص 377.

[7] . حاشية السندي، ج2، ص41.

[8] . فتح الباري: ج1، ص 524، شرح الزرقاني ج4 ص290، فيض القدير ج4، ص466 .

[9] . تحفة الأحوذي، للمباركفوري، ج2 ص 226 .

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد