ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 13 مارس 2019 زيارة: 85

من سمات المتشددين نفي أي إدراك للميت وشعوره بمن يزوره

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: المتشددون منهجهم ومناقشة أهم قضاياهم (ص121-124).
تأليف: الدكتور علي جمعة

ويسلك المتشددون مسلکا خطيرا يميل للمادية البغيضة، فينكرون أي إدراك للميت وینفون شعوره بمن يزوره، ظنا منهم بأنهم يحمون جناب التوحيد بذلك الإنكار والنفي، وذلك لعدم فهمهم لحقيقة الموت، ولعدم اطلاعهم على نصوص الشرع الشريف وكلام العلماء في ذلك.

إن الموت ليس فناء الإنسان تماما، ولا هو إعدام لوجوده الذي أوجده الله له، بل إن الموت حالة من أصعب الحالات التي يمر بها الإنسان؛ حيث تخرج فيها روحه؛ لتعيش في عالم آخر، فالموت: هو مفارقة الروح للجسد حقيقة، قال الغزالي: ومعنى مفارقتها للجسد انقطاع تصرفها عن الجسد بخروج الجسد عن طاعتها.

أما عن إدراك الميت لمن يزوره فقد روى أبو هريرة (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: «ما من أحد مر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا، فسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام»[1].

وعقبه المناوي بقوله: «وقال الحافظ العراقي: المعرفة، ورد السلام، فرع الحياة ورد الروح، ولا مانع من خلق هذا الإدراك برد الروح في بعض جسده، وإن لم يكن ذلك في جميعه.

وقال بعض الأعاظم: «تعلق النفس بالبدن تعلق يشبه العشق الشديد، والحب اللازم، فإذا فارقت النفس البدن فذلك العشق لا يزول إلا بعد حين، فتصير تلك النفس شديدة الميل لذلك البدن؛ ولهذا ينهى عن كسر عظمه ووطء قبره»[2].

وقد صح عن النبي (صلى الله عليه وسلم): أنه أمر بقتلى بدر، فألقوا في قليب، ثم جاء حتى وقف عليهم وناداهم بأسمائهم: «یا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا»، فقال له عمر: يا رسول الله، ما تخاطب من أقوام قد جيفوا، فقال (صلى الله عليه وسلم): «والذي بعثني بالحق، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون جوابا»[3].

فالميت يشعر ويدرك بنوع من الإدراك من جاء لزيارته ويفرح به ولهذا أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بالسلام على الموتى، حيث جاء أنه (صلى الله عليه وسلم) كان يعلم أصحابه (رضي الله عنه) إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون»[4].

قال الإمام النووي: ويستحب للزائر أن يدنو من قبر المزور بقدر ما كان يدنو من صاحبه لو كان حيا وزاره»[5].

وقد سئل ابن تيمية (رحمه الله) عن سماع الميت بعد موته، فقال: “الحمد لله رب العالمين. نعم يسمع الميت في الجملة” وذكر أحاديث كثيرة ثم قال بعد حديث السلام على أهل القبور: “فهذا خطاب لهم، وإنما يخاطب من يسمع”.

وروى ابن عبد البر عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: «ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام».

وفي السنن عنه أنه قال: «أكثروا من الصلاة على يوم الجمعة، وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي»، فقالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت- يعني صرت رمیما-؟ فقال: «إن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء». وفي السنن أنه (صلى الله عليه وسلم) قال: «إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام». فهذه النصوص وأمثالها تبين أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي، ولا يجب أن يكون السمع له دائما، بل قد يسمع في حال دون حال، كما قد يعرض اللحي فإنه قد يسمع أحيانا خطاب من يخاطبه، وقد لا يسمع لعارض يعرض له، وهذا السمع سمع إدراك، ليس يترتب عليه جزاء[6].

قال ابن القيم: “وقد شرع النبي لأمته إذا سلموا على أهل القبور أن يسلموا عليهم السلام من يخاطبونه فيقول: “السلام عليكم دار قوم مؤمنين” وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد والسلف مجمعون على هذا وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي له ويستبشر به”[7].

وبناء على ذلك فالحق أن الميت يشعر ويستأنس ويفرح بمن يزوره ويرد عليه السلام، فليس الموت إعداما للوجود، بل إن الميت موجود بروحه وتتعلق تلك الروح بالجسد تعلقا ما.

نسأل الله أن يرزقنا بر أصحاب الحقوق علينا ممن سبقونا إلى دار الآخرة بزيارتهم والسلام عليهم والله تعالى أعلى وأعلم.

___________________________

[1] . ذكره البغدادي، في تاريخ بغداد، 6: 137، وأخرجه الصيداوي في معجم الشيوخ، ج1، ص351، وذكره الحافظ المناوي في فيض القدير، ج5، ص487.

[2] . ذكره البغدادي، في تاريخ بغداد، 6: 137، وأخرجه الصيداوي في معجم الشيوخ، ج1، ص351، وذكره الحافظ المناوي في فيض القدير، ج5، ص487.

[3] . أخرجه أحمد في مسنده، ج2، ص131، وابن حبان في صحيحه، ج15، ص562، والحاكم في المستدرك، ج3، ص241.

[4] . أخرجه أحمد في المسند، ج5، ص670، ومسلم في صحيحه، ج2، ص970، والنسائي في سننه، ج4، ص92، وابن ماجه في سننه، ج1، ص494، وابن حبان في صحيحه، ج16، ص46.

[5] . المجموع للإمام النووي، ج5، ص282.

[6] . الفتاوى الكبرى لابن تيمية، ج3، ص60، 61.

[7] . الروح لابن القيم ص5.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد