ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 8 فبراير 2019 زيارة: 97

من هم أهل السنة والجماعة ؟

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: بعض أفكار ابن تيمية في العقيدة عرض وتحليل (ص11-21)
تأليف: الدكتور محمد سالم أبو عاصي

ولنبدأ بأولى هذه المسائل في بيان من هم أهل السنة. وما منهجهم العلمي لاستحقاق هذا الوصف؟

أورد محقق کتاب إشارات المرام من عبارات الإمام» للعلامة البياضي نقلا عن التاج ابن السبكي (رحم الله الجميع) ما نصه: “إذا أطلق أهل السنة والجماعة، فالمراد بهم الأشاعرة والماتريدية”.

قال ابن السبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب: «اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على معتقد واحد فيما يجب ويجوز ويستحيل، وإن اختلفوا في الطرق والمبادئ الموصلة، وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف:

الأولى: أهل الحديث، ومعتمد مبادئهم الأدلة السمعية (الكتاب والسنة والإجماع).

الثانية: أهل النظر العقلي، وهم الأشعرية والحنفية (الماتريدية). وشيخ الأشعرية الإمام أبو الحسن الأشعري، وشيخ الماتريدية الإمام أبو منصور الماتريدي، وهم متفقون في المبادئ العقلية في كل مطلب يتوقف السمع عليه، وفي المبادئ السمعية فيما يدرك العقل جوازه فقط، والعقلية والسمعية في غيرها، واتفقوا في جميع المطالب الاعتقادية إلا في مسائل.

الثالثة: أهل الوجدان والكشف، وهم الصوفية، ومبادئهم مبادئ أهل النظر والحديث في البداية، والكشف والإمام في النهاية”[1].

نظرة تاريخية لنشأة عقيدة أهل السنة والجماعة

ونحن نقول على أعقاب هذا الكلام.

أولا: اسم أهل السنة والجماعة أطلق في التاريخ على ما يعتقده أهل الحديث ومعهم الفقهاء في مسائل أصول الدين موروئة لهم من جيل التابعين الذين ورثوها عن الصحابة (رضوان الله عليهم).

ثانيا: كان جمهور أهل السنة والجماعة من علماء الحديث والتفسير والفقه، منصرفين إلى علومهم، معرضين عن ضجيج الفرق الإسلامية الشاردة عن الحق، مبتعدين عن خصوماتهم، حتى غدت عقيدة أهل السنة والجماعة مغمورة ومحجوبة في ضجيج تلك الفرق والصراعات ما بينها. فلما قيض الله من الإمام الأشعري نصيرة للحق الذي كان عليه سواد الأمة الإسلامية، وفي مقدمتهم المحدثون والمفسرون والفقهاء، أحدق به أهل الحق، واتخذوا منه نصيرا للحق الذي ورثوه من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، بعد أن كانوا مبتعدين عن ساحات الخصومات العقائدية، وامتدت جسور التواصل بينه وبين فقهاء المذاهب، واشتدت آصرتهم به، وساروا على نهجه الذي كان هو نهجهم من قبله ولكن دون رسم وبيان وإعلان[2].

وفي بيان ذلك يقول مولانا المحدث والفقيه الناقد المحقق الأورع، الشيخ سلامة العزامي في كتابه الماتع «البراهين الساطعة في رد بعض البدع الشائعة» ما نصه: «ولما تمادى الابتداع وتتابع المبتدعون، خلف سوء لسلف شر، وبالغوا في الجدل وصنفوا في بدعهم المصنفات، وشغبوا فيها، وهوشوا على الضعفاء، شمر أهل السنة والجماعة عن سواعدهم في الجهاد بالألسنة والأقلام في تبيين أصول الدين، وكان من المبرزين في ذلك إماما الهدى أبو الحسن الأشعري، وأبو منصور الماتريدي، وجهابذة أتباعهما إتباعا للسلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، وهؤلاء الأشعرية والماتريدية هم جماعة الأمة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة الذين لم يخرجوا عن متابعة إمامهم (رضي الله عنه)[3]؟

ثالثا: ظهر بعد وفاة الإمام الأشعري بعض المتطرفين، وأكثرهم من الحنابلة، ساقهم الجهل وحملتهم العصبية على مخالفة أصول مذهبهم أولا، فخرجوا من إجماع جمهرة المسلمين أهل السنة والجماعة، لاسيما في آيات الصفات، ثم إنهم ناصبوا أبا الحسن الأشعري العداء، وسموا أنفسهم ترويجا بشبهاتهم وسترا لغلوهم وتطرقهم بأنصار السلف.

ومن أبرز ما يدل على تخبطهم ومخالفتهم للسلف، أن أبا الحسن الأشعري، كان واحدا من عيون السلف، وأن أيا من أقطاب السلف ورجاله الذين كانوا في عصره، لم يخالفه في شيء مما ذهب إليه، بل وجدوا فيه نصيرا للحق الذي كانوا متمسكين به، داعيا إلى الاهتداء بالكتاب والسنة، ونبذ كل ما يخالفها في الرأي فضلا عن أن يناصبه العداء .. إذن قوقوف هؤلاء الذين جاؤوا من بعده موقف العداء منه، إنما هو في الحقيقة مخاصمة ومعاداة لكل أولئك الذين اتبعوه، ووقفوا منه موقف الاغتباط والتأييد من أئمة الحديث والتفسير والمذاهب الفقهية، ومنهم الحنابلة.

وهل السلف الصالح إلا أولئك الرجال؟

وقد انبرى للرد عليهم والكشف عن جنوحهم عن نهج السلف وضوابط الكتاب والسنة، كثير من أئمة الدين وأنصار السنة، ولعل خير من كتب في الرد عليهم والدفاع عن إمام أهل السنة الإمام الأشعري الإمام ابن عساكر (رحمه الله) وذلك في كتابه «تبين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام الأشعري».

وتنتهي من هذا كله إلى أن الإمام الأشعري لم يبتدع لنفسه مذهبا ولا معتقدا جديدا، بل معتقده، هو وأتباعه هو ما يعتقده أهل الحديث والفقهاء والمفسرين في مسائل أصول الدين، وأن عمله كان محصورا في أمرين اثنين:

الأول: إزاحة الركام الناشئ من ظهور تلك الفرق بخصوماتها ومجادلاتها عن عقيدة أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجمهرة المسلمين من بعدهم، وإبرازها جلية أمام الأنظار.

الثاني: تبيينه للناس ضرورة إتباع ما عليه المسلمين منذ عصر النبوة مدعوما بنصوص الكتاب والسنة، ومن هنا انطوى جمهور المسلمين إلا من شذ تحت لواء هذا الإمام أبي الحسن الأشعري والإمام أبي منصور الماتريدي، وعرفت الأشاعرة والماتريدية باسم أهل السنة والجماعة[4].

هل الأشاعرة فرقة خارجة عن معتقد أهل السنة والجماعة؟

وبعد هذا كله، ففي الناس من يصر على أن الأشاعرة فرقة خارجة عن معتقد أهل السنة والجماعة، نظرا إلى أن أصولها الاعتقادية من وجهة نظر هؤلاء مخالفة لمذهب السلف الصالح.

إن أي إنسان يستطيع أن يطرح أي دعوى مخالفة للواقع والعلم، بهذه الطريقة من التجاهل للحجة والبرهان، ولكن من البدهي أنه لا يستطيع أن يلزم بها أحدا من العقلاء.

ما الذي قدمه أصحاب هذه الدعوى من البراهين العلمية، على أن الإمام الأشعري كان صاحب فرقة خارجة عن معتقد أهل السنة؟

إن أدق ما قدموه من برهان على هذه الدعوى، هو أن الأشاعرة استمدوا عقيدتهم من غير السنة. ومن ثم قالوا بمسائل في باب الاعتقاد تخالف ما كان عليه الصحابة، والتابعون وتابعوهم.

ونحن نلجأ إلى الميزان العلمي المحكم في حق كل من المدعين نسبتهم إلى دائرة أهل السنة والجماعة، وهو عرض أصول كل منهم على كتاب الله (سبحانه وتعالى) وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) طبق ما تقتضيه أصول الدلالات اللغوية، وكليات المبادئ الاعتقادية المجمع عليها، فيما شهدت له نصوص الشرع فهو المقبول، وما حكمت عليه أصول الشرع بالرد فهو المردود.

والسبيل إلى إبراز الاتصاف بهذا الوصف أهل السنة والجماعة لا هو أن نستعرض أصول الأشاعرة والماتريدية على الميزان العلمي المحكم، فما كان مستمدا منه موافقا له، فأصحابه هم الجديرون بهذا الوصف.

الأصول الأشاعرة في العقيدة

وهذا يجرنا إلى الكلام على أصول الأشاعرة الكلية، وهي قسمان: قسم يرجع إلى المنهج العلمي المتبع لديهم.

وقسم آخر يرجع إلى نفس مسائل الاعتقاد.

فما يرجع إلى المنهج «جمعهم بين العقل والنقل»، وبيان ذلك في نقاط:

الأولى: دور العقل أمام مصدري القرآن والسنة، يتمثل في الكشف عن أنه كلام الله (سبحانه وتعالى)، وأن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وذلك من جهة أن صحة النقل متوقفة على صدق المخبر، وصدقه متوقف على ثبوت نبوته، المتوقفة بدورها على المعجزة، المتوقفة على العقل لا النقل، وإلا لتوقف النقل على النقل، وهو دور فاسد.

الثانية: ثم يتمثل دور العقل بعد الخطوة الأولى في إدراك مضامين النص وتجلية الغوامض منه، وإزاحة غواشي اللبس عنه، كما يتمثل في دعم كل ما قرره بيان الله (سبحانه وتعالى) أو سنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) بالبراهين العقلية.

الثالثة: إذا وصل العقل إلى حده الذي لا يتأتى له تجاوزه، ولا يتمكن فيها وراءه، كان لابد بحكم من العقل ذاته أن يستسلم للخبر الصادق، الذي من شأن العقل أن يثق به.

الرابعة: الخبر الصادق الذي من شأن العقل أن يثق به، هو الوحي الإلهي، فإذا تلقي العقل أنباء الوحي الإلهي تكشف له ما تنطوي عليه من عيوب الماضي والمستقبل، وأصبح دور العقل، والحالة هذه العمل على إدراك ما تضمنه الوحي عن طريق ضوابط اللغة وأصول الشرع.

الخامسة: الإجماع معقود على أن صحيح المنقول متفق دائما مع صريح المعقول.

وهذه العلاقة بين العقل والنقل – علاقة التكامل والتآخي، ومن ثم فمن جرؤ على إهدار العقل وإغفاله بالكلية سقط معه الكلام وتردى بداهة في الدور الفاسد، ومن تجاسر على إهمال النص وإطراحه بالكلية، فيوشك أن يخلع ربقة الإسلام، ولما كان مؤمنا بسيد الأنام سيدنا محمد (عليه الصلاة والسلام)، وما أنزل عليه من ربه (سبحانه وتعالى).

هذا، ولن تجد في قلب الحقائق أوغل من المكابرة والمخاصمة للمنهج العلمي ومنطق العقل من ذلك الذي ينادي بأن الأشاعرة يقولون بالمنافاة بين العقل والنقل، وأنهم يقدمون العقل على النقل. سبحانك هذا بهتان عظيم.

ومن أصولهم المنهجية كذلك أن ثبوت العقائد، إنا يقوم على قواطع الأدلة، ومن ثم لا يقطعون فيما لا قطع فيه.

وبيان ذلك أن قيام العقيدة على قواطع الأدلة حقيقة علمية قبل كل شيء، دلت عليها أوليات الأدلة العقلية التي لا يمكن أن يقع فيها خلف.

من تلك الأدلة:

1- ما أجمع عليه العقلاء كافة من أن المقدمات الظنية إنما تولد أمرا ظنيا، أما الحقيقة العلمية القطعية فلا تتأتى إلا من مقدمات وأدلة قطعية.

2- العقيدة الحقة لا تتصور إلا بانعقاد القلب عليهما انعقادا جازما مطابقا للواقع حسبما يفهم عنوانهما اللغوي ذاته، فضلا عن معناه العرفي المتفق عليه من قبل الجميع.

________________________

[1] . ينظر: إشارات المرام ص (398).

[2] . ينظر: مقدمة الإمام العلامة الشيخ محمد زاهد الكوثري، کتاب تبيين كذب المفترتى ص (9 -17)

[3] . ينظر: البراهين الساطعة ص (171).

[4] . ينظر: بحث شيخنا العلامة البوطي عن الإمام الأشعري ص (15).

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد