ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 4 يناير 2019 زيارة: 126

موقف ابن عبد الوهاب من الفقه

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: النزعة التكفيرية في فكر الوهابية (ص103-111)
تأليف: الدكتور اليماني الفخراني

لم يكن موقف ابن عبد الوهاب من الفقه والفقهاء بأحسن حالا من موقف شيخه ابن تيمية، فقد هاجم الفقه وأصحابه على مرحلتين:

الأولى: يذم فيها متأخري الفقهاء من أتباع المذاهب الأربعة ويعتبر أن إنتاجهم الفقهي يحل الحرام ويحرم الواجب وأن كتبهم والتي خير منها لو تحدث في زمن عمر بن الخطاب لفعل بها وبأهلها أشد الفعل ولو تحدث في زمن الشافعي وأحمد لاشتد نكيرهم لذلك فليت شعري متى حرم الله هذا الواجب وأوجب هذا المحرم”[1].

تأمل مهارته في تغليف كلامه فهو يريد أن يبدو في صورة  الرجل الغيور على الفقه في ثوبه الذي تركه عليه أئمة المذاهب وأنه يسعى في تنقية الفقه من الدخيل ومن الدخلاء من الذين يحرمون الحلال ويحلون الحرام وأن ما ينتقده هو على كل حال لو ظهر في زمن الفقهاء العظام لردوه وقاوموه وهذا كلام غير صحيح فهو لا يريد الفقه لا من المتأخرين ولا من المتقدمين من أئمة المذاهب وهذا ما ستبينه المرحلة الثانية.

وليت الأمر اقتصر على ذم فقه المتقدمين والمتأخرين من الفقهاء بل أراد أن ينسب ذلك الذم وهذا الموقف المعادي للفقه إلى الإمام أحمد بن حنبل ويستتر خلفه فقال: “ولما حدث قليل من هذا لا يشبه ما أنتم عليه في زمن الإمام اشتد إنكاره لذلك ولما بلغه عن بعض أصحابه أنه يروي مسائل بخراسان، قال: أشهدكم أني قد رجعت عن ذلك ولما رأى بعضهم يكتب كلامه، أنكر عليه وقال: تكتب رأيا لعلي أرجع عنه غدا، اطلب العلم مثلما طلبناه ولما سئل عن كتاب أبي ثور قال: كل كتاب ابتدع فهو بدعة، ومعلوم أن أبا ثور من كبار أهل العلم وكان أحمد يثني عليه، وكان ينهى الناس عن النظر في كتب أهل العلم الذين يثني عليهم ويعظمهم ولما أخذ بعض أئمة الحديث كتب أبي حنيفة هجره أحمد وكتب إليه: إن تركت كتب أبي حنيفة أتيناك تسمعنا كتب ابن المبارك”[2].

وهذا الكلام لو صحت نسبته إلى الإمام أحمد بن حنبل فلا بد أن له من توجيه يجعله مقبولا ومقصورا على وقته وفي ظروفه وفي مناسبته وليس معصوما صالحا لكل زمان ومكان ولا يخفى أن في التراث كثيرا من الحقائق والأوهام وإذا قبل أن الإمام أحمد قد نهى عن تدوين تراثه الفقهي فهذا شأنه وشأن من ينقلون عنه، فقد يكون من باب التصويب ولكن من غير المقبول أن ينهى عن تراث الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان ولا أدري من يشترط على من.

فإذا كان الإمام أحمد هو طالب العلم من هذا المحدث الذي تجاوز عفوا وقرأ كتب أبي حنيفة فكيف يشترط الطالب على شيخه ترك كتب أبي حنيفة ؟ وأي شيخ هذا الذي يقبل من تلميذه مثل هذا الشرط ولا داعي إلى الحديث عن أبي حنيفة وما قدمه للأمة الإسلامية بفقهه العظيم الذي شرفت بالتمذهب عليه.

ولم يكتف ابن عبد الوهاب بالادعاء أن الإمام أحمد ينهى عن تراثه الفقهي والإبداع الفقهي للإمام الأعظم فقد نسب إليه النهي عن كتب الفقه عموما ولو اشتملت على فائدة، وهذا من العجب العجاب، ومعارضة صريح الدين وأهدافه العامة وروحه تأمل كلامه: “ولما ذكر له بعض أصحابه أن هذه الكتب فيها فائدة لمن لا يعرف الكتاب والسنة قال: إن عرفت الحديث لم تحتج إليها وإن لم تعرفه لم يحل لك النظر فيها وقال: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان والله يقول: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) [النور: 63] قال: أتدري ما الفتنة ؟ الفتنة: الشرك. ومعلوم أن الثوري عنده غاية وكان يسميه أمير المؤمنين”[3].

وهنا يتملكني العجب من هذا الكلام المنسوب من ابن عبد الوهاب إلى الإمام أحمد، إذ كيف يعقل أن يقول: إن عرفت الحديث لم تحتج إلى كتب الفقه، وإن لم تعرفه لم يحل لك النظر فيها ؟ أي أنك لن تستفيد منها شيئا.

ويمكن القول: تعلم الفقه فإن كنت تعلم الحديث فقد ازددت علما على علم وفقها بالحديث وإن لم تكن تعلم الحديث فقد تعلمت الفقه ففي كلتا الحالتين أنت مستفيد ولا أدري أي عقل يعتبر النظر في كتب الفقه مخالفة لأمر الله تعالى واستحقاق صاحبه لفتنة عظيمة ومحلا للعذاب الأليم.

وكما صور ابن عبد الوهاب موقف الإمام أحمد من الفقه لم يفته الادعاء بأن متاخري الحنابلة قد حرفوا المذهب وشانوه على قلة بدعتهم كما يرى ومع أنه وصفهم بقلة البدعة وصفهم أيضا بمخالفة نص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولا أدري إذا كانوا مع قلة بدعتهم قد خالفوا حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فكيف إذا كانوا من المبتدعين الأصلاء ؟ تأمل كلام ابن عبد الوهاب في قوله: “فهؤلاء الحنابلة من أقل الناس بدعة وأكثر الإقناع والمنتهى مخالف لمذهب أحمد ونصه فضلا عن نص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يعرف ذلك من عرفه[4].

ولم يكتف بالدعوة إلى ترك الفقه بل أضاف الدعوة إلى ترك خلفائهم ليس فقط لمخالفتهم أصحاب المذاهب ومبدعيها بل لأن كثيرا من الفقهاء لا يفقهون ما يكتبون، ولا یعون ما ینقلون فتجد الفقیه منهم يذم القول وقائله بعبارة ويقبله بعبارة وقد يذم القول ويكفر قائله وهو لا يعرف أن إمامه قد قال به ولو عرف ما قال ذلك، وليس هذا فقط بل اتهمهم بعدم التمييز بين أقوال الفقهاء وأحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم) مما قد يوقعهم في ذم كلام النبي (صلى الله عليه وسلم) باعتباره كلام الفقهاء ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

تأمل كلام ابن عبد الوهاب الذي يقول فيه: “كثير ممن سمع ذم الكلام مجملا وذم الطائفة الفلانية مجملا ولا يعرف التفاصيل من الفقهاء وأهل الحديث ومن كان متوسطا في الكلام لم يصل إلى الغايات التي منها تفرقوا تجده يذم القول وقائله بعبارة ويقبله بعبارة ويقرأ كتب التفسير والفقه وشروح الحديث وفيها تلك المقالات التي يذمها فيقبلها من أشخاص أخر ذكروها بعبارة أخرى أو في ضمن تفسير آية أو حديث أو غير ذلك، هذا مما يوجد كثيرا والسالم من سلمه الله حتى إن كثيرا من هؤلاء يعظم أئمة ويذم أقوالا وقد يلعن قائلها أو يكفره وقد قالها هؤلاء الأئمة الذين يعظمهم ولو علم أنهم قالوا لما لعن القائل وكثير منها يكون قد قاله النبي (صلى الله عليه وسلم) ولو ذكرت ما أعرفه من ذلك لذكرت خلقا ولا أستثنى واحدا من أهل البدع لا من المشهورين بالبدع الكبار من معتزلي ورافضي ونحوهما ولا من المنتسبين إلى السنة من كرامي وأشعري ونحوهما وكذلك من صنف على طرائقهم من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم هذا كله رأيته في كتبهم”[5].

حبذا لو قرأ علماني ممن يضيقون ذرعا بوجود المادة الثانية في الدستور المصري والتي تنص على أن الشريعة هي المصدر الرئيسي للدستور، إذا كانت هذه صورة خبراء الشريعة وحكماء القانون الإسلامي الرباني المثاني الواقعي بزعم ابن عبد الوهاب فماذا يقولون ؟

وإذا كان هذا هو موقف ابن عبد الوهاب من الفقه والفقهاء فكيف يمكننا استخراج الأحكام العملية من النصوص إذا كان المطلوب هو القضاء المبرم على فقه الفقهاء وزينة التراث؟

هنا نجد ابن عبد الوهاب يرشدنا إلى من استقى منه هذه الأفكار وهو ابن تيمية وأنه يجب العودة إلى البداية والبدء من نقطة الصفر والبداية على الجميع فالكل أهل لاستنباط الأحكام الفقهية فعندما سئل ابن عبد الوهاب عن قول الشيخ تقي الدين ولتكن همته فهم مقاصد الرسول في أمره ونهيه ما صورته؟

فأجاب مراده ما شاع وذاع أن الفقه عندهم هو الاشتغال بكتاب فلان وفلان فمراده التحذير من ذلك”[6].

ولم يكتف ابن عبد الوهاب بالتنبيه على تحذير ابن تيمية من كتب الفقهاء بل اعتبر نفسه مبعوث العناية الإلهية بالهدى فقال: “إني مرسل إليكم هدى من عندي لا أكلكم إلى رأيكم ولا رأي علمائكم بل أنزل إليكم العلم الواضح الذي يبين الحق من الباطل والصحيح من الفاسد والنافع من الضار، (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) [النساء: 165]: ومعلوم أن الهدى هو هذا القرآن فمن زعم أن القرآن لا يقدر على الهدى منه إلا من بلغ رتبة الاجتهاد فقد كذب الله في خبره أنه هدى فإنه على هذا القول الباطل لا يكون إلا في حق الواحد من الآلاف المؤلفة وأما أكثر الناس فليس هدى في حقهم بل الهدى في حقهم أن كل فرقة تتبع ما وجدت عليه الآباء فما أبطل هذا من قول! وكيف يصح لمن يدعي الإسلام أن يظن في الله وكتابه هذا الظن”[7].

وكأن ابن عبد الوهاب لا يدري أن القرآن الكريم شفاء لصنف ويزيد لصنف ويزيد مرض من في قلبه مرض لصنف آخر.

ويوضح دعواه أكثر فيقول: “والحاصل: أن صورة المسألة: هل الواجب على كل مسلم أن يطلب علم ما أنزل الله على رسوله ولا يعذر أحد في تركه البتة؟ أن يجب عليه أن يتبع التحفة مثلا[8]؟ فأعلم المتأخرين وسادتهم منهم ابن القيم قد أنكروا هذا غاية الإنكار وأنه تغيير لدين الله واستدلوا على ذلك بما يطول وصفه من كتاب الله الواضح ومن كلام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) البين لمن نور الله قلبه والذين يجيزون ذلك أو يوجبونه يدلون بشبه واهية لكن أكبر شبههم على الإطلاق: أنا لسنا من أهل ذلك، ولا نقدر عليه ولا يقدر عليه إلا المجتهد وإنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون”[9].

وتأمل جوابه في الرد على ما سماه شبهة والذي يقول فيه : ولأهل العلم في إبطال هذه الشبهة ما يحتمل مجلدا ومن أوضحه: قول الله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبنانهم أربابا من دون الله) [التوبة: 31]، وقد فسرها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حديث عدي بهذا الذي أنتم عليه اليوم في الأصول والفروع لا أعلمهم يزيدون عليكم مثقال حبة خردل، بل يبين مصداق قوله: وهذه رسالة لا تحتمل إقامة الدليل ولا جوابا عما يدلي به المخالف … ومما ينسب إلى الذهبي (رحمه الله):

العلم قال الله قال رسوله … قال الصحابة ليس خلف فيه

ما العلم نصبك للخلاف سفاهة … بين الرسول وبين رأي فقيه”[10].

وكلام ابن عبد الوهاب لا يحتمل التأويل، فكل من خالفه لا يقل عن اليهود والنصارى مثقال حبة خردل.

_________________________________

[1] . الرسالة السابعة والثلاثون ص260.

[2] . الرسالة السابعة والثلاثون ص260.

[3] . الرسالة السابعة والثلاثون ص260.

[4] . تفسير آيات من القرآن الكريم (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الخامس) تأليف: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي 1206 هـ، دراسة وتحقيق: الدكتور محمد يلتاجي، جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض، المملكة العربية السعودية، ص14.

[5] . عنوان الكتاب: مسائل لخصها الشيخ محمد بن عبد الوهاب من كلام ابن تيمية (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب الجزء الثاني عشر) تأليف: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي 1206 هـ، جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض، المملكة العربية السعودية، ص134.

[6] . تفسير آيات من القرآن الكريم (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الخامس) تأليف: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي 1206 هـ، دراسة وتحقيق: الدكتور محمد بلتاجي، جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض، المملكة العربية السعودية، ص14.

[7] . مجموعة الحديث على أبواب الفقه – الجزء الأول (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء السابع، الثامن، التاسع، العاشر) تأليف محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي 1206 هـ، دراسة وتحقيق: خليل إبراهيم ملا خاطر، جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض، المملكة العربية السعودية، ص265.

[8] . التحفة هي كتاب: تحفة المحتاج بشرح المنهاج لابن حجر الهيثمي.

[9] . الرسالة السابعة والثلاثون من الرسائل الشخصية 7/ ص254.

[10] . الرسالة السابعة والثلاثون من الرسائل الشخصية 7/ ص254.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد