ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 15 مايو 2018 زيارة: 80

موقف السلف الصالح من أخبار الآحاد في العقائد

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: صحيح شرح عقيدة الطحاوية ص124-130
تأليف حسن بن علي السقاف الشافعي

1 – روى الإمام مسلم في (الصحيح) (2 / 1118) أن فاطمة بنت قيس جاءت إلى سيدنا عمر تروي أن زوجها كان قد طلقها على عهد رسول الله ص فبت طلاقها، فلم يجعل لها رسول الله ص نفقة ولا سكنى، وقال لها (اعتدي في بيت ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى) فلم يقبل سيدنا عمر ذلك منها وقال: (لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أم نسيت) قال الله عز وجل: (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) .

قلت: وثبت في مسلم (2 / 1116) أيضا إنكار السيدة عائشة لذلك، مثل سيدنا عمر رضوان الله تعالى عليهما.

فانظر هنا كيف لم يقبل سيدنا عمر خبر فاطمة بنت قيس مع كونها صحابية موثوقة لمعارضة خبرها للآية، ومنه يتبين أن خبر الواحد يحتمل الخطأ ويرد إذا عارض ما هو ثابت ومقطوع به، وإذا كان سيدنا عمر رضي الله عنه قد رد خبر الواحد في مسألة فقهية فما بالك في مسألة عقائدية تحتاج لنص مقطوع به لا يجوز أن يدخله الخطأ والغلط؟!!

2 – ردت السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها على سيدنا عمر رضوان الله عليه في حديث (تعذيب الميت ببكاء أهله عليه).

روى البخاري (فتح 3 / 151 – 152) ومسلم (2 / 638 – 642) أن سيدنا عمر وابنه سيدنا عبد الله رويا عن رسول الله ص أنه قال: (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) فردت ذلك السيدة عائشة وقالت كما في صحيح مسلم (برقم 27 في الجنائز) عن عمرة أنها سمعت السيدة عائشة وذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول: إن الميت ليعذب ببكاء الحي. فقالت السيدة عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن. أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ. إنما مر رسول الله ص على يهودية يبكى عليها فقال: (إنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها).

قال الإمام الحافظ النووي رحمه الله تعالى في (شرح صحيح مسلم) (6 / 228):

(وهذه الروايات من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما، وأنكرت عائشة، ونسبتهما إلى النسيان والاشتباه عليهما، وأنكرت أن بكون النبي ص قال ذلك واحتجت بقوله تعالى:  (ولا تزر وازرة وزر أخرى)  قالت: وإنما قال النبي ص في يهودية إنها تعذب وهم يبكون عليها يعني تعذب بكفرها في حال بكاء أهلها لا بسبب البكاء) ا ه‍.

قلت: وجاء في عدة أحاديث أن النبي ص بكى على الميت وسكت عمن بكى على الميت أيضا.

فمن تأمل هذا الحديث (الميت يعذب ببكاء أهله عليه) الثابت في الصحيحين وهو من أخبار الآحاد ورد السيدة عائشة له بالنص القطعي في القرآن  (ولا تزر وازرة وزر أخرى)  عرف أن حديث الآحاد ولو رواه عن النبي ص اثنان فإنه لا يفيد إلا الظن، وما لا يفيد إلا الظن أي يحتمل فيه الخطأ كيف تبنى عليه العقائد؟!!!

وهل يجوز أن يعتقد المسلم في ذات الله تعالى بأشياء يحتمل أن يظهر له بعد ذلك أنها خطأ؟!!

ولماذا سميت عقيدة إذن إذا لم تكن مبنية على الثوابت التي لا يمكن أن يطرأ عليها ما يزيلها؟!!

3 – ردت السيدة عائشة على من قال أو روى أن سيدنا محمد ص رأى ربه وهو ابن عباس رضي الله عنه وغيره، ففي صحيح مسلم (1 / 158 برقم 284 و 285) عن عطاء عن ابن عباس قال: (رآه بقلبه) وقال: (رآه بفؤاده مرتين).

قلت: وقد قال الحافظ في (الفتح) (8 / 608) أن النبي ص قال (رأيت ربي)، وذكر قبل ذلك بتسعة أسطر أن ابن خزيمة روى بإسناد قوي عن سيدنا أنس أنه قال: (رأى محمد ربه).

قلت: ردت السيدة عائشة رضي الله عنها جميع ذلك كما في البخاري (فتح 8 / 606) ومسلم (1 / 159 برقم 287) عن مسروق قال: قلت لعائشة رضي الله عنها:

يا أمتاه، هل رأى محمد ربه؟ فقالت: (لقد قف شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب: من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت  (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير)   (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب).

قلت: فانظر كيف ردت السيدة عائشة التي تفقهت على رسول الله ص الظني بالقطعي.

فهذا فكر مدرسة سيدنا رسول الله ص.

4 – وردت السيدة عائشة رضي الله عنها على من قال: (بال رسول الله ص قائما) لأنها لم تره ص يبول إلا قاعدا أو أنه أخبرها بذلك فكأن ذلك من اليقينيات عندها، ومن حدث أنه بال قائما مظنون عندها. فرؤياها له أو تحديثه لها يقيني عندها ورواية من قال: (بال قائما) ظني عندها فردته.

روى البيهقي (1 / 101) عن السيدة عائشة قالت: (ما بال رسول الله قائما مذ أنزل عليه القرآن) (78) وعند النسائي (1 / 26) والترمذي (1 / 17) وابن ماجة (1 / 112 برقم 307) بلفظ: (من حدثكم أن النبي ص كان يبول قائما فلا تصدقوه).

5 – وأنكرت السيدة عائشة على أبي هريرة في حديث آخر أيضا: روى أبو داود الطيالسي في مسنده (ص 199) بسند صحيح على شرط مسلم عن علقمة قال كنا عند عائشة فدخل عليها أبو هريرة فقالت يا أبا هريرة أنت الذي تحدث أن امرأة عذبت في هرة لها ربطتها لم تطعمها ولم تسقها فقال أبو هريرة سمعته من النبي ص، فقالت عائشة:

أتدري ما كانت المرأة؟! قال: لا، قالت: إن المرأة مع ما فعلت كانت كافرة، إن المؤمن أكرم على الله من أن يعذبه في هرة، فإذا حدثت عن رسول الله ص فانظر كيف تحدث.

وفي هذا الإنكار بيان مريح بأن خبر الواحد يحتمل الخطأ فكيف يبنى عليه أصل الدين؟!

6 – وأنكرت السيدة عائشة أيضا على أبي هريرة رضي الله عنه في حديث آخر: روى أبو داود الطيالسي (ص 215) عن مكحول قيل لعائشة إن أبا هريرة يقول قال رسول الله ص: (الشؤم في ثلاثة في الدار والمرأة والفرس) فقالت عائشة:

لم يحفظ أبو هريرة لأنه دخل ورسول الله ص يقول قاتل الله اليهود يقولون إن الشؤم في ثلاثة في الدار والمرأة والفرس سمع آخر الحديث ولم يسمع أوله.

قلت: مكحول لم يسمع من السيدة عائشة كما في (الفتح) (6 / 61) إلا أن لهذا الأثر أو الحديث متابع قال الحافظ هناك:

روي أحمد وابن خزيمة والحاكم من طريق قتادة عن أبي حسان: أن رجلين من بني عامر دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة قال: إن رسول الله ص قال:

(الطيرة في الفرس والمرأة والدار) فغضبت غضبا شديدا وقالت: ما قاله! وإنما قال: (إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك).

قلت: والأصل لا طيرة في الإسلام من شئ وإنما المشؤوم العمل السئ الطالح الذي يجر صاحبه إلى النار والعياذ بالله تعالى، قال الله تعالى:  (قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون)  يس: 18 و 19، وجاء في الحديث أن النبي ص قال: (الطيرة شرك) قال الحافظ المنذري في الترغيب (4 / 64): (رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح) لذلك ردت السيدة عائشة رضي الله عنها ذلك، وظهر لنا بردها أن الراوي لخبر الآحاد ولو كان في أعلى مراتب التوثيق كأبي هريرة الصحابي رضي الله عنه فإن خبره يفيد الظن ولا يفيد العلم ولذلك جاز ردة خلافا للآية والخبر المتواتر.

7 – خبر الواحد يفيد الظن ولا يفيد العلم عند سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: قال الحافظ الذهبي في (تذكرة الحفاظ) (1 / 2): (وكان – أبو بكر – أول من احتاط في قبول الأخبار، فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذويب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئا وما علمت أن رسول الله ص ذكر لك شيئا، ثم سأل الناس فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله ص يعطيها السدس، فقال له: هل معك أحد؟! فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه أبو بكر رضي الله عنه) (79) ا ه‍.

8- خبر الواحد يفيد الظن دون العلم عند سيدنا عمر رضي الله عنه أيضا: قال الحافظ الذهبي في ترجمة سيدنا عمر رضي الله عنه في تذكرة الحفاظ (1 / 6) ما نصه:

(وهو الذي سن للمحدثين التثبت في النقل وربما كان يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب (80)، فروى الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن أبا موسى سلم على عمر من وراء الباب ثلاث مرات فلم يؤذن له فرجع فأرسل عمر في أثره فقال: لم رجعت؟! قال: سمعت رسول الله ص يقول: (إذا سلم أحدكم ثلاثا فلم يجب فليرجع).

قال: لتأتيني على ذلك ببينة أو لأفعلن بك، فجاءنا أبو موسى منتقعا لونه ونحن جلوس، فقلنا: ما شأنك؟ فأخبرنا وقال: فهل سمع أحد منكم؟

فقلنا: نعم كلنا سمعه فأرسلوا معه رجلا منهم حتى أتى عمر فأخبره (81).

أحب عمر أن يتأكد عنده خبر أبي موسى بقول صاحب آخر، ففي هذا دليل على أن الخبر إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد به واحد، وفي ذلك حض على تكثير طرق الحديث لكي يرتقي عن درجة الظن إلى درجة العلم، إذ الواحد يجوز عليه النسيان والوهم ولا يكاد يجوز ذلك على ثقتين لم يخالفهما أحد) ا ه‍ كلام الحافظ الذهبي.

فالحافظ الذهبي أيضا ممن يقول إن خبر الواحد يفيد الظن وأن الخبر كلما ازداد رواته ارتقى إلى درجة العلم أكثر وقرب منها.

9- خبر الواحد ينبغي التثبت منه ولو كان راويه صحابيا ويفيد الظن عند الإمام علي رضي الله عنه وأرضاه: روى الإمام أحمد في المسند (1 / 10) بإسناد صحيح عن أسماء بن الحكم الفزاري قال: سمعت عليا قال: كنت إذا سمعت من رسول الله ص حديثا نفعني الله به بما شاء أن ينفعني منه، وإذا حدثني غيري عنه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال: قال رسول الله ص: (ما من عبد مؤمن يذنب ذنبا فيتوضأ فيحسن الطهور ثم يصلي ركعتين فيستغفر الله تعالى إلا غفر الله له) ثم تلا:  (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون)  الآيات آل عمران: 136.

أقول: لو كان خبر الواحد يفيد العلم ولا يفيد الظن لاكتفى سيدنا علي عليه السلام ورضي الله عنه بسماع خبر الواحد ولما استحلفه لأنه باستحلافه يؤكد

خبره، أو يصرح الراوي بأنه غير متأكد من الخبر، هذا وليس في السند بالنسبة لسيدنا علي كرم الله وجهه إلا رجل واحد وهو صحابي، فكيف بسند فيه خمسة رجال مثلا، ليس جميعهم صحابة؟! ألا يفيد ذلك الظن؟!

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد