ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 25 أبريل 2018 زيارة: 261

موقف الشيخ محمد بن سليمان الكردي من ابن تيمية الحراني

(1 تصویت, معدل: 5.00 من 5)
مقتبس من كتاب: العوائد الدينية في تلخيص الفوائد المدنية ص118-121
تأليف: الشيخ محمد بن سليمان الكردي المدني

كون ابن تيمية من المحدثين لا كلام فيه، وإنما هو في عقيدته، فذهب جماعة من المحققين، كالعز بن جماعة إلى أنه منحرف عن سنن أهل السنة، ورد عليه التقي السبكي بتصنیف مستقل، ورد على التقي بعض تلامذة ابن تيمية[1] برسالة سماها «الصارم المنكي» بالنون، ورد عليه ابن علان الصديقي[2] بتأليف مسمی بـ «المبرد المبكي» بالباء.

وأورد ابن حجر كثيرا من مطاعنه في «الجوهر المنظم في زيارة القبر المكرم» وقال في حاشية الإيضاح: «إنه نسب لله الجهة واليد والرجل والعين وغيرها من القبائح»[3]، إلى آخر كلامه، فإن أراد بالجهة المكان فهو مردود؛ لأنها تستلزم التحيز المستلزم للجرم، وهو تعالى ليس بجرم، ولم يقل بها بهذا المعنى إلا الكرامية والحشوية[4]، وعينوا جهة الفوق، وأما اليد وغيرها فثابتة بالآيات والأحاديث[5]، وذهب آخرون منهم إلى الذب عنه، ففي تأليف الملا إبراهيم الكوراني نقل مواضع من كلام ابن تيمية تدل على طهارته، إلا أنه على مذهب السلف”[6].

هذا وقد رد المناوي في شرحه على الشمائل كلام ابن حجر السابق، فقال: «أما كونهما[7] من المبتدعة فمسلم، وأما كون هذا بخصوصه بنياه على التجسيم فغير مستقيم. أما أولا: فلأنها قالا إن الرؤية المذكورة كانت في المنام ….، لا في اليقظة، وهذه كتبهما حاضرة، وأما ثانيا: فلأنا نؤمن بأن له تعالى يدا، لا كيد المخلوق، فلا مانع من وضعهما وضعا لا يشبه وضع المخلوق، بل وضعا يليق بجلاله. وعجيب من الشيخ كيف حمله التحامل على إنكار هذا مع وجود خبر الترمذي عن معاذ مرفوعا: أتاني ربي في أحسن صورة، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى، فقلت: لا أدري، فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثندؤتي أي ثديي، وتجلى لي علم كل شيئ[8]. قال البغوي في «شرح السنة»: “ورؤية الله في المنام جائزة، وهي علامة ظهور العدل والفرج والخير[9]“»[10].

ونقل العلامة القسطلاني في «المواهب» عن «الهدي النبوي» لابن القيم أن شيخه ابن تيمية كان يذكر شيئا بديعا في جعل العذبة بين الكتفين، وهي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لما رأى رب العزة مناما بالمدينة أرخى الذؤابة بين الكتفين من تلك الغداة وأن الحديث بها رواه الترمذي، وسئل عنه البخاري[11] فقال: صحيح، وأن هذا من العلم الذي تنكره ألسنة الجهال وقلوبهم، وأن هذه الفائدة لم يرها لغيره وعبارة غير الهدي النبوي: وذكر ابن تيمية أنه (صلى الله عليه وسلم) لما رأى ربه وضع يده بين كتفيه أكرم ذلك الموضع بالعذبة”[12]، لكن قال العراقي بعد أن ذكره «لم نجد لذلك أصلا»، انتهى ما في المواهب ملخصا[13].

ولعل مراد العراقي أنه لم يجد أصلا لكونه وضعها غداة ذلك اليوم، وإلا فقد صح الحديث بشهادة الإمام البخاري، وهو في الترمذي، وقد شرحه العراقي.

وفي «حاشية المواهب» للشيخ على الشبراملسي: قوله “تنكره ألسنة الجهال” أي لأنهم لا يعلمون معناه، فتنكره ألسنتهم وقلوبهم، والخلاف فيه شهير. قوله “لم نجد لذلك أصلا” زاد الشامي: قال الحافظ أبو زرعة ابن الحافظ أبي الفضل العراقي في تذكرته، بعد أن ساق ما تقدم عن ابن تيمية: إن ثبت ذلك لا يلزم منه التجسيم؛ لأن الكف يقال فيه ما قال أهل الحق في اليد، فهم من بين متأول وساكت عن التأويل مع [نفي][14] الظاهر. وكيفما كان فهو نعمة عظيمة ومنة جسيمة، حلت بين كتفيه فقابلها بإكرام ذلك المحل، الذي حصلت فيه تلك النعمة.

وفي الزرقاني[15] على المواهب بعد ذكر كلام ابن حجر وتعقب المناوي عليه ما : سألت شيخنا عن وجه رد ابن حجر وجزمه بأنه ضلال، مع ظهور ما ذكره المناوي و مذهبي ومذهبي السلف والخلف، فأجابني بأن احتياج التأويل لمن لا يقول بظاهره، أما من يقول به ويعتقده فلا معنى لذكر التأويل، بل يجزم ابتداء بأنه من ضلاله، انتهى، فلله دره.

لكن نازع بعض أصحابنا الحنابلة في كون ابن تيمية وتلميذه من المجسمة، وأطلعني على خطوط علماء، كالحافظ ابن حجر ومعاصريه ومن قبله، ناصة على أنهما من أهل السنة، انتهى كلام الزرقاني”[16].

يقول ملخص الكتاب: الحق أن لا شناعة في تلك الحكمة، ولا يلزم منها تجسیم، ما لم يثبت كونه من المجسمة، وقد ثبت ذلك عند الشهاب الهيتمي، ولذلك عبر “وأبدی بعض مجسمة الحنابلة”، فلا يجمعه مذهب السلف، وقد كان يثبت جهة العلو لله تعالى، فتدبر، والله أعلم وعلمه أتم.

_______________________

[1]. وهو ابن عبد الهادي.

[2]. هو: محمد على بن محمد علان بن إبراهيم البكري الصديقي المكي الشافعی، الفقيه المحدث المفسر المتكلم الصوفي [996-1057 هـ)، له: التلطف في شرح التعرف على الأصلين والتصوف لابن حجر الهيتمي، دليل الفالحين لطرق ریاض الصالحين، الفتوحات الربانية على الأذكار النووية وغيرها. انظر الأعلام: 6/ 293. وانظر للموازنة بين تأليف ابن عبد الهادي التالف وتأليف أهل السنة النافع في فهرس الفهارس للكتاني: ۱/ 277، ثم انظر كيف تخبط المولوي أنور شاه الكاشميري كبير الديوبندية التيمية في الهند في كتابه العرف الشذی: 1/ 326.

[3]. حاشية الإيضاح لابن حجر الهيتمي: 489 والفتاوی الحديثية له: 83-85، 144، 145.

[4]. نعم إن ابن تيمية لم يصرح بالمكان تصريح الكرامية والحشوية به، ولكنه وقف موقفا غريبا من كلام أهل السنة في إنكار المكان حيث قال – ناسبا ما قاله إلى السلف بلا إنصاف – إن إنكار المكان – وكذا غيره من الجسمية واللا داخلية واللا خارجية وما إلى ذلك – أو ثبوته ليس مما فعله السلف وإنما هو بدعة ارتكبها أولا الجهمية وأخذها منها الأشاعرة. نعم، إنه وإن لم يكن كراميا لكنه كان رفيق الكرامية، كما أثبته بصریح کلام المتعصبين له في مقدمة تحقيقي للرسالة التسعينية في الأصول الدينية للصفي الهندي: 35.

[5]. ما بين الحاصرتين موجود بالهامش، ويظهر لي أنه داخل في الكتاب، ولذلك أثبته.

[6]. ولا يخفى ما في الكلام من الركاكة لفظا ومعنى، ولم أفهم معنى هذا الاستثناء، وهل بين الطهارة والسلفية تناف؟ وسوف يأتي بيان الحق في الموضوع على لسان شيخنا الشالیاتي قريبا، فترى وجاهة موقف ابن حجر من ابن تيمية، وتهافت كل شبهات ترقعها أيدي العابثين بالمصطلحات. وقد أشرت إلى مدى قبول قول الكوراني في هذا المطلب.

[7]. ضمير التثنية هنا وفيما يأتي في كلام المناوي يرجع إلى ابن تيمية وابن القيم.

[8]. انظر سنن الترمذي: 5/366.

[9]. شرح السنة للبغوي: 12/227.

[10]. شرح المناوي على الشمائل المحمدية للترمذي: 1/168-169، وعلامة [ ] تدل على نقص في نقل المصنف وكذلك علامة …. تدل على حذف کلمات من المصنف. وفي طبعة شرح المناوي: «قاله البغوي»، وخطؤه يتبين بالرجوع إلى شرح السنة، فلذا أبقيت الكلام كما كان في الفوائد المدنية وأصل المصنف.

[11]. كذا في الأصل، وكذا في طبعتي الفوائد: القديمة [95] والجديدة [118] وطبعة المكتب الإسلامي للمواهب اللدنية [2/ 434]: «سئل عنه البخاري»، والأقرب «سأل عنه البخاری»، وهو الموجود في طبعة الأميرية للزرقاني حيث فيها: «(وسأل) الترمذي (عنه شيخه) البخاري».

[12]. انظر زاد المعاد لابن القيم: 1/ 136.

[13]. انظر المواهب اللدنية للقسطلاني: 14/5 [طبعة الأميرية]، 2/ 434، 435 [طبعة المكتب الإسلامي].

[14]. لا يوجد في الأصل ولا في طبعتي الفوائد: القديمة [96] والجديدة [119]، أثبه لعدم استقامة المعنى المراد بدونه. وقد سبق في كلام العلامة الكردي ما يدل على أن هذا هو المراد حيث ورد فيه [116]: «فإن كان ابن تيمية يريد بها نقله عنه ابن حجر أنه لا يؤول ما جاء من نسبة اليد والعين والرجل له تعالى، وإنها يكل علم ذلك إلى الله تعالى مع اعتقاد تنزيهه تعالى عن ظاهره كما يقوله السلف فلا يحسن التشنيع عليه…». نقلته كاملا؛ لأنه موضع التهمة، ولم ينقله الملخص رحمه الله. وأنا أعتقد أن من له اطلاع على أقوال ابن تيمية في هذا الباب يعرف جيدا أنه ليس قائلا بهذا القول الذي قاله السلف، بل هو من رأس المعارضين له ورئيسهم؛ إذ نادى أتباعه إلى التمسك بالظاهر. فعلم أن بناء تبرئة ابن تيمية من هذه الشناعة على هذا الأساس منهار من أصله.

[15]. هو: الشيخ الإمام أبو عبد الله، محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان الزرقاني المصري الأزهري المالكي [1055-1122هـ)، أحد أكابر الفقه والحديث والتصوف، له: شرح المواهب اللدنية للقسطلاني، شرح الموطأ، تلخيص المقاصد الحسنة وغيرها. انظر الأعلام: 6/۱۸4.

[16]. انظر شرح الزرقاني على المواهب اللدنية: 5/15.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد