ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 21 سبتمبر 2019 زيارة: 252

موقف العلماء من آيات وأحاديث الصفات الإلهية

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: فتنة المتسلفة (ص49-60)
تأليف: الدكتور أحمد محمود كريمة

اتفق العلماء على أن الله – تعالى – يجب له كل كمال قدسي يليق بذاته المقدسة.
واتفقوا على أن المحكم والمتشابه من آيات وأحاديث الصفات الإلهية يجب الإيمان بها، واتفقوا على أن المحكم فيها يجب الإيمان به على نحو ما دل عليه لفظه ومعناه کوجود الله – تعالى – وقدرته ووحدانيته .. الخ.
واتفقوا على أن الله – تعالى – متصف بصفات الكمال اللائقة به، وأنه -جل شأنه – تتنزه عن صفات النقص التي لا تليق بذاته العلية. واتفقوا على عدم مشابهة الله – تعالى – لخلقه.
والأصل في هذا: نصوص قطعية الدلالة كقوله – تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)[1]، وقوله – سبحانه -: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)[2] وقوله – تباركت أسماؤه -: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)[3].
واتفقوا فيما يتعلق بآيات وأحاديث الصفات الإلهية التي يوهم ظاهرها وتركيبها وصياغتها اللغوية على التشبيه بالمخلوق على:
أ) أن القول والعمل بظواهر تلك النصوص مستحيل على الله – تعالى – لأن مؤداه التشبيه وهو محال.
ب) وجوب صرف هذه الظواهر من النصوص إلى ما يليق بأصول الإيمان.
ج) إذا كان المتشابه الواجب صرفه من جهة الظاهر لاستحالته على الله – تعالى – ليس له إلا تأويل واحد يتفق وما يليق بالله – تعالى – من كمال قدسي وجب المصير إليه كقوله – تعالى -: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)[4]. فإن المعية الحسية بالذات الإلهية مع الخلق مستحيلة قطعا، وليس هناك بعد هذا إلا تأويل واحد وهو: المعية المجازية بالعلم و سائر صفات الكمال [5].
د) إذا كان نشر الدعوة الإسلامية وإفهام أصول العقيدة للعوام و تفنيد مزاعم الملاحدة والمشركين يتوقف على التأويل العلمي وجب القول بالتأويل لأن القاعدة الشرعية «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب».
واختلفوا فيما عدا ذلك على ثلاثة مذاهب من حيث الجملة: المذهب الأول: السلفي وهو يتفرع إلى فرعين:
الأول: صدر الأمة من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين – رضي الله عنهم – فحسب: وهم أهل التفويض أي تفويض العلم والمعنى والكيفية من المراد من هذه النصوص وقرروا: يجب الإيمان لهذه النصوص مع صرف ظواهرها المستحيلة على الله – تعالى – مع تفويض الأمر الله – تعالى – في المعاني المرادة [6].
الثاني: أدعياء السلفية (الجماعات الموجودة بالخليج العربي ومصر وغيرها وهو ما يتعصبون له حاليا) قرروا: بوجوب الإيمان لهذه النصوص وعدم صرف ظواهرها بل إمرارها على الكيفية المرادة أو المتبادرة من النصوص مع وجوب الاعتقاد بأن ما دلت عليه النصوص حقيقة في جانب الله – تعالى – تخالف ما يتصف به المخلوق، وعلى هذا الفهم: قد فوضوا في المعنى فقط ولم يفوضوا في الكيفية.
وبهذا يظهر الفارق بين الإتجاهين في المذهب السلفي:
الاتجاه الأصلي الأصيل: يفوض المعنى والكيفية معا.
الإتجاه المدعى: يفوض المعنى ولا يفوض الكيفية[7].
المذهب الثاني: مذهب الخلف: وهم يؤلون النصوص بيد أن لهم اتجاهين.
أولهما: تأويل يؤل النصوص بصفات سمعية غير معلومة لنا يقينا وهم الأشاعرة[8].
ثانيها: تأويل مجمل الظواهر على معنى يليق شرعا وعقلا وهم المتأخرون[9].
المذهب الثالث: التوسط بمعنى الأخذ بالمذهب الأول (الأصلى منه) والمذهب الثاني في أمور بمعنى أن تأويل المتشابه إذا كان قريبا من استعمالات اللغة العربية فلا مانع، وإذا كان بعيدا لم يأخذوا به بل توقفوا وفوضوا معرفة معناه الله – تعالى –[10].
وقد استدل كل مذهب على ما ذهب إليه بأدلة المنقول والمعقول مما لا يتسع المقام لسرده [11].
وبإيراد المثال يتضح المقال لكل: قول الله – تعالى -: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [12]، وقوله: (وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)[13] ، وقوله – صلى الله عليه وسلم -: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا»، الحديث.

فالمذهب الأول: (الأصلي): ينزهون الله – تعالى – عن ظواهر هذه النصوص لأنها توهم مشابهة الله – تعالى – للمخلوقين ولا يخوضون في تأويلها ويفوضون العلم والكيفية الله – تعالى – وحده، فيقولون «الله أعلم بمراده».
و (المدعى) کسابقه إلا أنه إما أن يفوض العلم ويخوض في الكيفية وإما أن يفوض الكيفية ويدعون العلم بالمعنى، وعليه فيقولون له وجه ويد واستواء حقيقي بناء على ما تبادر من اللفظ وما فهم منه في الذهن مع القول بأن هذه الحواس لها معنى أو كيفية تخالف ما في المخلوق.

المذهب الثاني: يؤول وذلك على النحو التالى:
• الفريق الأول: يثبت لله – تعالى – صفة سمعية: الوجه، اليد.
• الفريق الآخر: يؤل الوجه بمعنى الذات، اليد بمعنى القدرة، الاستواء بمعنى الغلبة.
وعلى هذا فقد استبان لنا ما يقال عن النصوص الموهمة للتشبيه.
وتثور عدة تساؤلات؟!
أين الحق فيما سبق؟!.
السلفية الأصيلة – لا المدعية – آثروا السلامة فتجنبوا الخوض بالتأويل لذا عبر عنهم شارح الجوهرة «ومذهب السلف أسلم» وقصدوا التنزيه المطلق لله – تعالى – فلم يقولوا بالحقيقة اللغوية (ظاهر النصوص) وفوضوا الحقيقة الشرعية الله – تعالى – فهم على التفويض المطلق لفظا ومعنى، ولذا لم ترد عنهم أثرة من علم في هذا الأمر سوى التفويض المطلق، واتجهوا لغرس الإيمان وتعظيم شعائر الإسلام وانشغلوا بمعالي الأمور ففتحوا وسادوا وعزوا وانتصروا.
والمؤولة خاضوا بالتأويل بقصد التنزيه الله – تعالى – عن مشابهة الحوادث إلا أنهم عينوا معاني محددة، واشتغلوا بمجادلة الصابئة والزنادقة والمبتدعة فلجأوا للأقيسة والمعقولات وكثرت فيهم المجادلات وصنفوا مصنفات لا تغرس إيمانا صافية، لكثرة ما اعتنوا من فروعيات ومجادلات، ولذا أمست مصنفاتهم في علم العقيدة لا يكاد يخرج القارئ منها بطائل!!.
لكن الحق الذي يجب المصير إليه أن ما رامه الفكر السلفي الأصيل (لا المدعى) إيثار السلامة بقبول النصوص والإذعان لها والتسليم بها لذا فقد سجل القرآن الكريم ونوه عن صدق توجههم (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)[14].
والمؤولة قصدوا تنزيه الله – تعالى – عن مشابهته للحوادث فصرفوا ظاهر النصوص المتعلقة بما يوهم التشبيه «کالاستواء، واليد، والعين، والقدم، والمجئ، والضحك، والسخط، والكره، والكيد، … » إلى معنى يليق بذات الله – تعالى – المقدسة، ومستندهم:
لو أخذنا بظاهر الألفاظ ودلالتها المعلومة لنا لوقعنا في محظورات عدة، منها اعتقاد مشابهته – جل شأنه – للحوادث، وهو محال، فوجب اعتقاد ما يليق بالله – تعالى – ذاتا وصفات، وعليه فتصرف الألفاظ التي تؤدي إلى ما نهى عنه وما هو محال عليه – سبحانه وتعالى – عن ظواهرها.
يضاف إلى ذلك: أن التأويل في هذا الجانب لا يقصد منه الفتنة مقصد الذين في قلوبهم زيغ كما وضح القرآن الكريم: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ) [15]، بل سدا للفتنة ومن سد الفتنة فهو من أهل الهداية لا من أهل الضلالة.
وقد تدبر أعلام السلف الصالح – رضوان الله عليهم – ألفاظ القرآن الكريم، في معرض البيان والتفسير ولم يقفوا عند مجرد الدلالة اللفظية المجردة، رود البخاري في صحيحه بسنده عن سعيد بن جبير – رضي الله عنه – أن رجلا قال لابن عباس – رضي الله عنهما -: «إنني أجد في القرآن أشياء تختلف علي؟ قال: ما هو قال: «فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون» و «وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) و «ولا يكتمون الله حديثا» و «قالوا والله ربنا ما كنا مشرکين» قال ابن عباس – رضي الله عنهما -: «فلا أنساب بينهم» في النفخة الأولى، و «لا يتساءلون» في النفخة الأولى كذلك، و «أقبل بعضهم على بعض يتساءلون» في النفخة الثانية، وأما «والله ربنا ما كنا مشركين» فإن الله – تعالى – يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، فيقول المشركون: تعالوا نقول: ما کنا مشرکين، فيختم الله على أفواههم فتنطق جوارحهم بأعمالهم فعند ذلك: لا يكتمون الله حديثة …. »[16].
والأمور المتشابهات كما أمر الشارع يجب ردها إلى المحكمات (أم الكتاب) ولا يتم ذلك إلا عن طريق النظر والاستدلال و التأويل الحق.
على ضوء ما سلف: التأويل الصحيح غير منهي عنه، لعدم اتخاذه وسيلة وذريعة للفتنة بل لسدها ووأدها، أما التأويل الفاسد فهو ما كان مقترنا بالزيغ والإنحراف والضلال والنية السيئة كما قال – تعالى – (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ).
وبهذا استبان سلامة الوسائل والمقاصد للفكر الأصلي المعتمد (الصحابة والتابعين وأتباع التابعين فحسب) وللفكر الخلفي المنعوت بالتأويل.
فقد اتفق الفكران على مقصد واحد تنزيه الإله الواحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. عن كل نقص وعن كل ما يوهم مشابهته للحوادث.
والقاعدة الشرعية تقرر: «الوسائل لها أحكام المقاصد» و «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب».
أما أدعياء السلفية الذين يحكمون على الفكر الخلفي فيما نحن بصدده فإنهم تنكبوا الطريق لأنهم وإن فوضوا المعنى (وهذا أمر محمود إذ يتفقون مع الفكر السلفي الأصيل) إلا أنهم لم يفوضوا الكيفية وحملوا ألفاظ النصوص على ظواهرها، فاقتربوا من القول بمشابهته – جل شأنه – للحوادث، ويؤدي هذا بالضرورة إلى القول بالجسمية!!.
وإنكار أدعياء السلفية «المجاز» لاسيما في النصوص الشرعية للأخذ بالظاهر فحسب يجعلهم يتفقون مع «الظاهرية» وبالتالي يغلق الباب بالكلية أمام التدبر الواجب في تلك النصوص (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)[17]  لأن المتشابه – بداهة – من جهة فهمه وإدراكه يحتاج إلى إعمال فكر (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)[18]  فالاستنباط من سمات أهل العلم الذين يبينون للناس حقائق الأمور وأحكامها لاسيما عند التنازع.
وحرى بأدعياء السلفية الذين ينكرون «المجاز» في النصوص الشرعية دراسة معاني الألفاظ لغة وشرعا لأن الأسماء اللغوية تنقسم إلى قسمين:
أ) وضعية: وهي الألفاظ باعتبار المعاني التي وضعت لها ابتداء.
ب) عرفية: وهي الألفاظ التي قصرها العرف على بعض ما وضعت له ابتداء، أو أذاعها في معني مجازي لها.
ومثال الوصف: سکين، منشار …. الخ
العرفي: لفظ الدابة «لما وضع ابتداء» ولفظ الرواية «لما أذيع في معني مجازي»، وهذه الألفاظ (أو الأسماء) قد تصرف الشارع في ألفاظها كما تصرف العرف فيها فخصص بعض الأسماء ببعض مسمياتها كألفاظ الإيمان والحج والصوم ونحوه، كما صنع العرف في معنى الدابة، وأطلق بعض الألفاظ على ما له صلة بمعناها، كطما أطلق لفظ (محرمة) على الخمر والمرأة التي يحرم التزوج بها [19].
من أجل ذلك فإن الفقهاء وجدوا علاقة اللفظ بالمعنى له عدة اعتبارات وعليه فقد قسموا اللفظ بالإضافة إلى المعنى عدة تقسيمات:
أ) باعتبار المعنى الذي وضع له: خاصا، وعاما، وجمعا ومنكرا، ومشتركا.
ب) باعتبار المعنى الذي استعمل فيه: حقيقة ومجاز، وصريحا وكناية.
ج) باعتبار طرق الوقوف على مراد المتكلم منه: دال بالعبارة، ودال بالإشارة، ودال بدلالته، ودال باقتضائه [20].
إذا علم هذا: فقد اتضح تهافت أدعياء السلفية في إنكار المجاز في النصوص الشرعية وما أنكارهم إلا للقول بإجراء اللفظ على ظاهره فيما يتصل بموضوعنا هذا وهو قولهم: «بالكيفية».
ومما يدل على نزعتهم للقول «بالكيفية» ما صرحوا به في كتبهم من إثبات ما ورد ما يوهم مشابهته – تعالى – للحوادث على معناه الظاهري والمتبادر فأثبتوا لله – تعالى – اليد والعين والقدم والاستواء والمجئ والنزول والغضب والفرح والكيد وما ماثل ذلك غاية ما قالوه إن هذه الحواس لله – تعالى – تخالف حواس المخلوق!!.
ولأجل محاولاتهم إثبات «الكيفية» لمدلولات ألفاظ النصوص الموهمة للتشبيه نفوا أن تكون هذه النصوص من المتشابهات وجعلوها من المحكمات!!.
والقارئ لكتبهم يجد الناقض المخزي فقد أنكروا (المجاز) وشنعوا على (التأويل) وقالوا بالمجاز والتأويل في نصوص شرعية لاسيما آيات وأحاديث الصفات الإلهية مثل:
«بل يداه مبسوطتان»، «أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا»، «ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي»، «والسماوات مطويات بيمينه»، «كلتا يديه يمين»، «ولتصنع على عيني»، «تجري بأعيننا»، «وهو معكم أينما كنتم» «ونحن أقرب إليه»، «وهو الذي في السموات والأرض إله»، «وهو الله في السماوات وفي الأرض».
فالقارئ لكتب أدعياء السلفية يجدهم يركنون للتأويل في هذه النصوص لا محالة فإذا كان المجاز على حسب معتقدهم لا وجود له في النصوص الشرعية وإذا كان التأويل كزعمهم علامة الفساد والضلال وإذا كانت آيات وأحاديث الصفات الإلهية كلها من المحكم أفلا يؤدي هذا إلى القول لا قدر الله تعالى – بالتناقض في النصوص؟! لأنها محكمة كلها من وجهة فكر مدعى السلفية وبالتالي فهي على الحقيقة اللغوية وبالتالي لا مجاز ولا تأويل؟ فلم يبق إلا القول بإجراء الظاهر فقط ويترتب عليه التناقض! أو القول بالمجاز والتأويل في مواضع وأنكروهما في مواضع؟! وهل هكذا تكون قدسية النصوص؟! وعرض معانيها؟.
وأدعياء السلفية فإن تلك النزعة ظهرت إثر كتابات لم تفقه مبناها ولم يتدبر معناها فألصقوا بالأئمة أقوالا أو فسروا أقوالهم تبعا لمبادئ فكرهم والإمام الفقيه الحنبلي الخطيب «ابن الجوزي» تصدى لهم نافيا أن يكون ذلك رأي الإمام أحمد بن حنبل فقال ما نصه: « … رأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح، فصنعوا كتبا شانوا بها المذهب ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس، فسمعوا أن الله – تعالى – خلق آدم على صورته، فأثبتوا له صورة ووجها زائدا على الذات، وفما ولهوات وأضراسا، وأضواء لوجهه، ويدين وأصبعين وكفا، وخنصرا وإبهاما، وصدرا وفخذا وساقين ورجلين، وقالوا ماسمعنا بذكر الرأس، وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، فسموها بالصفات تسميات مبتدعة، ولا دليل لهم في ذلك من النقل، ولا من العقل، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة الله – تعالى – ولا إلى إلغاء ما توجبه الظواهر من صفات الحوادث، ولم يقنعوا أن يقولوا صفة فعل، حتى قالوا صفة ذات، ثم لما أثبتوا أنها صفات قالوا لا نحملها على توجيه اللغة مثل «يد» على قدرة ونعمة، ولا مجئ وإتيان على معني بر ولطف، ولا ساق على شدة، بل قالوا نحملها على ظواهرها المتعارفة، والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميين، والشئ إنما يحمل على حقيقته إن أمكن، فإن صرف صارف حمل على المجاز، ثم يتحرجون من التشبيه، ويأنفون من إضافته إليهم، ويقولون: نحن أهل السنة!!، وكلامهم صريح في التشبيه، وقد تبعهم خلق من العوام، وقد نصحت التابع والمتبوع، وقلت لهم يا أصحابنا، أنتم أصحاب نقل وإتباع، وإمامكم الأكبر «أحمد بن حنبل»، يقول: كيف أقول مالم يقل، فإياكم أن تبتدعوا من مذهبه ما ليس منه، ثم قلتم في الأحاديث، تحمل على ظواهرها، فظاهر القدم الجارحة، ومن قال استوى بذاته المقدسة فقد أجراه – سبحانه – مجرى الحسيات، وينبغي ألا يهمل ما يثبت به الأصل، وهو العقل، فإنا به عرفنا الله تعالى وحكمنا له بالقدم، فلو أنكم قلتم بقرأ الأحاديث ونسكت ما أنكر أحد عليكم، وإنما حملكم إياه على الظاهر قبيح، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل السلفي ما ليس فيه» [21].
ووضح بهذا أن السلفية الأصيلة شي، وإدعائها شي آخر [22].

والخلاصة التي يجب إيرادها:
أولا: أن الفكر السلفي الأصيل (عصر الرسول – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه واتباعهم واتباع اتباعهم) فوض المعنى والكيفية فكانت النصوص الموهمة للتشبيه عنها:
«الله أعلم بمراده» شأنها شأن ما استأثر الله – تعالى – بعلمه كالحروف المقطعة أوائل السورة ألم، حم، حم عسق … الخ
ثانيا: أن أدعياء السلفية من بعض دعاة الكيفية فاثبتوا الظاهر الحسي.
ثالثا: أن الفكر الخلفي جنحوا إلى تأويل المعنى والكيفية تأويلا تصرف به ظواهر النصوص الموهمة للتشبيه إلى معنى يليق بذات الله تعالى.

______________________________

[1] . من الآية 11 من سورة الشوري.

[2] . من الآية 103 من سورة الأنعام.

[3] . سورة الإخلاص بتهامها.

[4] . من الآية 4 من سورة الحديد.

[5] . مناهل العرفان 2/ 182.

[6] . لم يثبت عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا عن صحابته ولا عن تابعيهم الخوض أو الكلام مطلقا في هذه النصوص من حيث المعنى والكيفية.

[7] . الحموية الكبرى في مجموعة الرسائل الكبري ص 419، وانظر: الأسماء والصفات للبيهقي، إيضاح الكلام للعز بن عبد السلام 1312، المدخل إلى دراسة علم الكلام د / حسن الشافعي ص 80، المذاهب الإسلامية للإمام أبي زهرة ص 322، توحيد الصفات محمود عبد الرازق ص 93 طبعة أولى.

[8] . الإتقان 612، مناهل العرفان 2/ 185.

[9] . المرجعان السابقان.

[10] . المرجان السابقان.

[11] . المرجان السابقان.

[12] . الآية 27 من سورة الرحمن.

[13] . الآية 67 من سورة الزمر.

[14] . الآية 285 من سورة البقرة.

[15] . الآية 7 من سورة آل عمران.

[16] . صحيح البخاري: کتاب التفسير، تفسير القرآن العظيم 2/ 220.

[17] . الآية من سورة محمد.

[18] . الآية 83 من سورة النساء.

[19] . المستصفى 1/ 336، الإحكام للآمدي 1/ 48.

[20] . انظر مباحث الألفاظ ودلالتها في كتب أصول الفقه المعتمدة.

[21] . دفع شبه التشبيه لابن الجوزي.

[22] . المذاهب الإسلامية للشيخ محمد أبو زهرة ص 319 وما بعدها.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد