ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 22 أبريل 2018 زيارة: 193

الاحتفال بالمولد بدعة أم سنة ؟

(غير مصنفة)

الحمد لله الأول القديم، الواحد الجليل، الذي ليس له شبيه ولا نظير، أحمده حمدا يوافي نعمه ويبلغ مدى نعمائه.

وأشهد  أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له شهادة عالم بربوبيته ، عارف بوحدانية، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ، اصطفاه لوحيه وختم به أنبياءه، وجعله حجة على جميع خلقه، ( ليهلك من هلك عن بيئة، ويحيى من حي عن بينة)، ) سورة الأنفال ).

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى لا ينزع العلم منكم بعد ما أعطاكموه انتزاعا ولكن يقبض العلماء ويبقى الجهال، فيُسألون فيفتون فيَضِلون ويُضِلون. ) رواه الطبراني في الأوسط .

 ولا شك أن زماننا الحاضر اتسم بقلة العلماء، واندراس العلم وانتشار الجهل في العلوم الشرعية، فكثير من السنن التي كانت معروفة هجرت ، وكثير من الأحكام التي كانت من البدَهيات أصبحت من البدع المحرمات وما ذاك إلا لغياب العلم والعلماء

ولقد مرت بلاد الإسلام بعصر ازدهار علمي في جميع مجالات الحياة بلغ فيه العلماء المسلمون الغاية العظمى والمثال الذي يحتذي فآثروا العلم والمعرفة ، وخلفوا لنا الكثير من المصنفات في جميع مجالات العلوم الشرعية والإسلامية تشبع كل طالب منها وناهل.

 ونحن إذ نقوم بنشر أقوالهم في بعض مسائل العلم، لا ندَّعي زيادة علم أو اتساع فهم، بل نحن ويعلم الله مجرد نقلة وعالة على موائد السابقين رضي الله عنهم وأرضاهم.

فنسأل الله جلت قدرته أن يثيب كل من ساهم بنشر هذا العلم وإحياء هذه السنن المهجورة وعمل بها. اللهم أمين .

 توطئــة

 أن الذي يستعرض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة، يجد النصوص الكثيرة ،والكثيرة جدا، التي تنطق وتنبئ وتصرِّح بمكانة هذا النبي صلى الله عليه وسلم ، وبِعِظَمِ قدْره صلى الله عليه وسلم عند ربه عز وجل ، بما حباه من النعم ، وفضله على جميع الخلق ، وأكرمه بخصائص لم يعطها غيره من الأنبياء والرسل عليه وعليهم الصلاة والسلام

وبما لاطفه  به وبرَّه ، وبما أورده عليه مورد الشفقة والإكرام ، وبما شهد له به ، وامتدحه وأثنى عليه ، وبما أظهره عليه ، وعلى يديه من الكرامات والإنعام ، وبما كمَّل به محاسنه خَلْقاً وخُلُقا ، وبما سمَّاه به من أسمائه ، وما أطْلعه عليه من الغيوب ، وعصمه من الناس ، وكفاه من أذاهم

وبما أعطاه في الدنيا من خلود دينه وبقائه واجتبائه، وجعله المرسل بدينه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وفي الآخرة من علو قدره ، ورفعة مكانته ، وكونه صاحب الشفاعة ، والمقام المحمود ، والحوض المورود ، والشهادة والوسيلة ، والمنبر ، واللواء، وكل الأنبياء تحت لوائه ، وهو سيد الأولين والآخرين ، وأول شافع ومشفع ، وأكثر الأنبياء تبعا، فصلوات الله وسلامه عليه .

 واعلم أيها القارئ الكريم أن للمصطفى صلوات الله وسلامه عليه ، حقوقاً على أمته قد ذُكرت في كثير من الكتب التي تعنى بسيرته وشمائله صلى الله عليه وسلم ، وأن من حقوقه على الانام زيارة قبره الشريف في المدينة المنورة ، والسلام عليه، حيث أنه حي في قبره، ولقد كان سلف الأمة يحرصون على ذلك أشد الحرص.

وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم ، سنة من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها ،

 قال القاضي عياض في كتابه الشفا :

حدثنا القاضي أبوعلي قال، حدثنا أبو الفضل بن خيرون ، قال : حدثنا القاضي المحاملي ، قال : حدثنا موسى بن هلال ، عن عبد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، انه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : من زار قبري وجبت عليه شفاعتي .

رواه ابن خزيمة في صحيحه ، والبزار والطبراني

وقال نافع : كان ابن عمر يسلم على القبر، رأيته مئة مرة أو أكثر يجيء إلى القبر فيقول :

(  السلام على النبي صلى الله عليه وسلم ، السلام على أبي بكر ، السلام على أبي ، ثم ينصرف ) رواه البيهقي .وقال مالك ، في رواية ابن وهب، إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ودعا، يقف ووجهه إلى القبر الشريف لا إلى القبلة، ويدنو، ويسلم، ولا يمس القبر بيده.

 والملاحظ أن الناس في هذا الزمان وخاصة في بلادنا قد تهاونوا في زيارة قبره الشريف صلوات الله وسلامه عليه ، وأصبحوا لا يقصدون المدينة المنورة، وذلك غفلةً منهم عن حقه العظيم صلى الله عليه وسلم وفضله ، وعلو مكانته ، ولما في زيارته من الأجر العظيم

بل إنَّ بعض حملات الحج لا تضع في حسبانها زيارة المدينة المنورة، حتى أصبح ذلك عادة شائعة بين الناس ، بل ولربما عَدَّ البعض قصدَ زيارة قبره صلى الله عليه وسلم ،  بدعةً ينكر على فاعلها ، فانقلبت السنة – التي اعتاد على فعلها الصحابة ومن تبعهم بإحسان – إلى بدعة والمندوب إلى محظور.

وها نحن نبين ما أشكل من خلال أقوال السادة العلماء.

 إجماع الأمة على استحباب قصد زيارة قبره الشريف

 إن الإجماع الحاصل باستحباب شدِّ الرحل لزيارة القبر الشريف من أعلى مراتب الإجماع، ففضلاً عن كونه صريحا توافر عليه جماعات، فهو ممن نقلته الأمة طبقة بعد طبقة.

 ذكر القاضي عياض في كتابه الشفا:

(زيارة قبره صلى الله عليه وسلم سنة من سنن المسلمين مجمع عليها، وفضيلة مرغب فيها. )

وقال شارح الشفا الإمام على القاري :

إن الإجماع نقله الإمام النووي وابن الهمام، بل قيل إنها واجبة .

 أقوال الصحابة والأئمة الأعلام على استحباب قصد الزيارة

 عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

(  من زار قبري وجبت له شفاعتي ) .

وفي رواية ( حلَّتْ ) الحديث رواه الدارقطنى وغيره وصححه جماعة من أئمة الحديث .

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من زارني في المدينة محتسبا كان في جواري، وكنت له شفيعا يوم القيامة.

ورواه العقيلي وغيره بلفظ  (من زارني متعمداً، كان في جواري يوم القيامة)

ورواه البيهقي ولفظه ( من زارني في المدينة محتسبا كنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة)

رواه البيهقي وابن الجوزي.

 وفي حديث آخر ( من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي )

رواه البيهقي وسعيد بن منصور في سننهما والدارقطني والطبراني وأبو يعلى وابن عساكر عن ابن عمر رضي الله عنهما.

 وقال الإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي ف كتابه سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد: يستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة ونقل ذلك عن القاضي عياض وأنها من السنن المجمع عليها.

وقال الإمام النووي في كتابه الإيضاح في مناسك الحج:

إذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة فليتوجهوا إلى مدنية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لزيارة تربته صلى الله عليه وسلم ، فإنها من أهم القربات وأنجح المساعي.

(حاشية العلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج  442)

وقال الإمام النووي في المجموع:

ويستحب زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لما روي ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من زار قبري وجبت له شفاعتي

ويستحب أن يصلي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم:

صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة فيما سواه من المساجد.

 المجموع للنووي. 8/272

وقال ابن قدامة في المغنى : ( فصل )

ويستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي، وفي رواية  من زار قبري وجبت له شفاعتي

 رواه باللفظ الأول سعيد، حدثنا حفص بن سليمان، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر

 وقال أحمد – أحمد بن حنبل- في رواية عبد الله عن يزيد بن قسيط عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من أحد يسلم علي عند قبري إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام )

المغني. 3/588

وفي كتاب الشفا للقاضي عياض:

قال نافع: كان ابن عمر يسلم على القبر، رأيته مائة مرة وأكثر يجئ إلى القبر فيقول:

السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، السلام على أبي بكر، السلام على أبي ثم ينصرف.

 رواه البيهقي.

وعن ابن قسيط والعتبي :

كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، إذا خلا المسجد، جَسُّوا رمانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة يدعون .

وعن يزيد بن أبي سعيد المهري :

قدمت على عمر بن عبد العزيز فلما ودَّعته قال: لي إليك حاجة، إذا أتيت المدينة سترى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فأقره مني السلام.

وكان عمر بن عبد العزيز، يرسل البريد من الشام إلى المدينة لِيُبْلِغَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم السلام منه.

وقال بعضهم:  رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فوقف، فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم انصرف.

وقال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ودعا، يقف ووجهه إلى القبر الشريف لا إلى القبلة، ويدنو ويسلم، ولا يمس القبر بيده.

فقه العبادات للشيخ محمد بشير الشقفة   ص 516 ).)

وقال إسحاق بن إبراهيم الفقيه :

ومما لم يزل من شأن من حج ، المرور بالمدينة، والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتبرك برؤية روضته ومنبره وقبره، ومجلسه وملامس يديه ومواطئ قدميه ،والعمود الذي كان يستند إليه وينزل جبريل بالوحي فيه عليه ، وبمن عمره وقصده من الصحابة وأئمة المسلمين والاعتبار بذلك كله .

وقال الإمام ابن الهمام الحنفي في كتابه شرح فتح القدير:

في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، قال مشايخنا رحمهم الله تعالى: أنها من أفضل المندوبات، وفي مناسك الفارس وشرح المختار أنها قريبة من الوجوب لمن له سعة.

 فتح القدير . 3/167

وفي حاشية ابن عابدين في الفقه الحنفي( 2/257)

وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم مندوبة بل قيل واجبة لمن له سعة

وقال القاضي عياض في كتابه الشفا بتعريف حقوق المصطفى

وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم سنة من مسنن المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها.

وذكر الإمام الخطيب الشربيني في كتابه مغني المحتاج شرح المنهاج:

وتسن زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم (من زار قبري وجبت له شفاعتي) رواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

وذكر ابن حجر الهيتمي في حاشيته على الإيضاح:

ونص الإمام النووي على استحباب زيارة قبره صلى الله عليه وسلم في كتابه الإيضاح حيث قال:

 ذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة، فليتوجهوا إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيارة تربته صلى الله عليه وسلم، فإنها من أهم القربات وانجح المساعي.

وعلق ابن حجر الهيتمي قائلا :

حكمة تقييده – أي النووي – كالأصحاب سن الزيارة بفراغ النسك مع أنها مطلوبة في كال وقت إجماعا بل قيل بوجوبها ، إذ غالب الحجاج ليست المدينة الشريفة على طريقهم وإنما يتوجهون إلى مكة أولا للحج وأيضا فهي في حق الحاج أكد.

وقال البهوتي الحنبلي في كتابه كشاف القناع عن متن الإقناع:

وإذا فرغ من الحج، استحب له زيارة النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، لحديث الدارقطني عن ابن عمر قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حج بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي.

 وفي رواية ، من زار قبري وجبت له شفاعتي.

وقال ابن مفلح الحنبلي في كتابه الفروع:

وتستحب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وزيارة قبره و قبري صاحبيه رضي الله تعالى عنهما.

وقال الشيخ العلامة أحمد بن محمد المنقور التميمي النجدي في كتابه الفواكه العديدة في المسائل المفيدة:

ويأتي القبر الشريف بأدب وحياء وسكينة، وغَضِّ طرف وخفض صوت، كأنه شاهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ويراه ممتلئاً قلبُه له محبةً وتوقيرا.

وقال ابن ضويان في منار السبيل:  وتسن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه رضوان الله تعالى وسلامه عليهما.

وفي كتاب هداية السالك إلى المذاهب الأربعة في المناسك للإمام ابن جماعة:

إذا انصرف الحجاج والمعتمرون عن مكة شرفها الله تعالى وعظمها، استحب لهم استحباباً مؤكدا أن يتوجهوا مدينة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للفوز بزيارته صلى الله عليه وسلم فإنها من أهم القربات وأنجح المساعي.

وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في مناسكه: ومن حج ولم يزره فقد جفاه صلى الله عليه وسلم.

وقال الرافعي: يستحب أن يزور بعد فراغ الحج، قبر النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال النووي في الأذكار:

إنه ينبغي لكل من حج أن يتوجه إلى زيارة قبره صلى الله عليه وسلم ، سواء أكان ذلك صوب طريقه أم لم يكن، فإنها من أعظم القربات وأنجح المساعي وأفضل الطلبات.

وفي تهذيب الطالبين عن بعض المالكية، وجوب زيارة قبره صلى الله عليه وسلم قال الشيخ أبو محمد عبد الحق: أي وجوب السنن

وظاهر كلام ابن العربي في سراجه، حمل الوجوب على ظاهره.

ويستحب للزائر أن ينوي بسفره إلى المدينة الشريفة كل ما يحصل فيها من القرب ليثاب، كالزيارة والصلاة، والاعتكاف في المسجد، ونحو ذلك، ليثاب على القصد لكل منها.

ويستحب للزائر أن يكثر في طريقه من الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي كتاب موطأ الإمام مالك رواية محمد بن الحسن الشيباني مع التعليق الممجد على موطأ محمد شرح العلامة عبد الحي اللكنوي :

قال الإمام مالك:

باب قبر النبي صلى الله عليه وسلم وما يستحب من ذلك.

أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، أن ابن عمر:

كان إذا أراد سفرا، أو قدم من سفر جاء قبر النبي صلى الله عليه سلم فسلم عليه ، ودعا ثم انصرف ، وعلق الإمام عبد الحي اللكنوي على حديث الإمام مالك :

قوله : وما يستحب من ذلك، أي من زيارة قبره ، اختلف فيه بعد ما اتفقوا على أن زيارة قبره صلى الله عليه وسلم من أعظم القربات ، وأفضل المشروعات ومن نازع في مشروعيته فقد ضل وأضل فقيل ، أنه سنة ذكره بعض المالكية ، وقيل إنه واجب ، وقيل قريب من الواجب ، وهو في حكم الواجب ، مستدلا بحديث (( من حج ولم يزرني فقد جفاني )) أخرجه ابن عدي والدارقطني وغيرهما وليس بموضوع كما ظنه ابن الجوزي وابن تيمية ، بل سنده حسن عند جمع  ..

وقيل : إنه مستحب بل أعلى المستحبات ، وقد ورد في فضله أحاديث ، فمن ذلك (( من زار قبري وجبت له شفاعتي )) . أخرجه الدارقطني وابن خزيمة وسنده حسن

وفي رواية الطبراني (( من جاءني زائرا لا تعلمه حاجة إلا زيارتي كان حقا علي أن أكون له شفيعا ))

وعند ابن أبي الدنيا عن أنس، (( من زارني محتسبا كنت له شفيعا )) ، وأكثر طرق هذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة لكن بعضها سالم عن الضعف القادح

وبالمجموع يحصل القوة كما حققه الحافظ ابن حجر في (( التلخيص الحبير ) والتقي السبكي في كتابه (( شفاء الأسقام في زيارة خير الأنام )) ، وقد أخطأ بعض معاصريه ، وهو ابن تيمية ، حيث ظن أن الأحاديث الواردة في هذا الباب كلها ضعيفة بل موضوعة

وقد ألفت في هذا البحث رسائل، حينما ذهب بعض أفاضل عصرنا إلى مكة ورجع من غير زيارة مع استطاعته، وألف ما لا يليق ذكره، فالله يصلحنا ويصلحه ويوفقنا ويوفقه.

قوله:

كان إذا أراد سفرا، وفي رواية عبد الرزاق، كان إذا قدم من سفر أتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: السلام عليك يا رسول الله.

وفي رواية: كان يقف على قبره، فيصلي على النبي وعلى أبي بكر وعمر.

وفي رواية عن نافع:

كان ابن عمر يسلم على القبر، ورأيته مائة مرة أو أكثر يأتي ويقول:السلام على النبي، السلام على أبي بكر ، السلام على أبي ، وظاهره أنه كان دأبه إن لم يسافر ، كذا في ((وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى )) و (( المواهب )) وشرحه

وفي الباب عن أنس عند البيهقي وابن أبي الدنيا ، وجابر عند البيهقي ، وأبي أيوب عند أحمد والطبراني والنسائي .)) اهـ

وقال فقيه الحنابلة في وقته الشيخ منصور بن يونس البهوتي في كتابه شرح منتهى الإرادات: ويستحب له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبري صاحبيه رضي الله تعالى عنهما . وساق أحاديث الزيارة، ثم قال: فيسلم عليه صلى الله عليه وسلم، مستقبلاً له، مولياً ظهره للقبلة، فيقول:

السلام عليك يا رسول الله، كان ابن عمر لا يزيد على ذلك، فإن زاد فحسن ثم يتقدم قليلا، فيسلم على أبي بكر، ثم عمر رضي الله تعالى عنهما. ثم يستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره ويدعو لنفسه ووالديه وإخوانه والمسلمين بما أحب . ويحرم الطواف بالحجرة .

ونقل كلام ابن تيمية من كراهة التمسح بها والتقبيل، ثم قال:

ويكره رفع الصوت عندها أي، الحجرة، لأنه صلى الله عليه وسلم في الحرمة والتوقير كحال الحياة.

وإذا توجه- أي قصد – المسافر الوجه الذي جاء منه بأن بلغ غاية قصده، وأدار وجهه إلى بلده. ((هلل )) ، فقال : لا إله إلا الله … وختم كلامه مثل كلام الفروع سابقا . )) اهـ

وقال الشيخ العلامة أحمد بن محمد المنقور التميمي النجدي في كتابه النافع الفواكه العديدة في المسائل المفيدة:

وإذا قارب المدينة قبل الحج أو بعده ، شكر الله وحمده حمدا كثيرا ، وذكره كثيرا ، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ، وشاهد بقلبه نور السراج المنير كلما لاح له علم أعلام المدينة ، أو جبل أثار من قلبه حرقة الشوق إلى المحبوب، لا سيما إذا أشرف على المدينة وشاهد بقلبه نوره

فإذا شاهد المدينة المشرفة وحجرته العالية تَرَجَّل وخلع النعلين ، ونكَّس الرأس ، وتواضع في نفسه ، وتمسْكَن ، ومشى رويداً وريدا وتأدب ، ووقف على الأبواب معظما ، واغتسل لدخولها ذكره جماعة .

ثم يقول، بسم الله كثيرا والحمد لله كثيرا، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله وسلم، كثيرا. فإذا نزل في منزله قال، (( رب أنزلني منزلا مباركا، وأنت خير المنزلين ))، ثم قال:

ويأتي القبر الشريف بأدب، وحياء وسكينة، وغض طرف، وخفض صوت، كأنه شاهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ويراه ممتلئا قلبه له محبة وتوقيرا.

وفي كتاب الفقه المنهجي:

أما مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد دل على استحباب زيارته قوله صلى الله عليه وسلم: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، ومسجد الأقصى.

 وأما قبره صلى الله عليه وسلم فقد دل على استحباب زيارته وعظم الأجر المنوط بها ، إجماع الصحابة كلهم والتابعين من بعدهم على زيارة قبره صلى الله عليه وسلم ، كما يدل على ذلك ما ثبت من استحباب زيارة القبور عامة بقوله صلى الله عليه وسلم (( كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزورها )) وبفعله إذ كان يزور البقيع بين حين وآخر

ولا ريب أن الاستحباب يتضاعف إذا كان القبر قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ، عندما أرسله إلى اليمن، (( يا معاذ ، عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري ))

رواه أحمد بسند صحيح .

ومعلوم أن (( لعلك )) هنا بمعنى الطلب والرجاء.

وفي كتاب مجموعة العبادات للشيخ البيانوني :

زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ومسجده الشريف بالمدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، من أفضل بقاع الأرض، أو هي أفضل بقاعها، وزيارتها من أهم القربات، وأفضل الأفضل الأعمال وأزكى العبادات، لما ورد فيها من الفضل، وهبوط الوحي، ومضاعفة الأجر، والتشرف بجسد النبي صلى الله عليه وسلم ، ومشاهدة الصحابة وقبور العلماء والصالحين.اهـ

فالرحلة إليها مأمور بها، متأكدة على المسلم المستطيع.

قال الله تعالى: ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ) ( 64، النساء ).

وفي الحديث الشريف : (( حياتي خير لكم ، تحدثون ويحدث لكم ، ووفاتي خير لكم ، تعرض علي أعمالكم ، فما رأيت من خير حمدت الله ، و ما رأيت من شر استغفرت لكم )).

 (( من زار قبري وجبت له شفاعتي )) ، وينبغي لمن قصد زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ، أن ينوي مع ذلك زيارة مسجده الشريف والصلاة فيه ، فإن ذلك مطلوب أيضا .

ففي الحديث الشريف: (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا، والمسجد الأقصى )). رواه البخاري ومسلم

ومعناه:

لا تشد الرحال لأجل تعظيمه، والتقرب إلى الله تعالى بالصلاة فيه إلا إلى المساجد الثلاثة، المساجد بعدها متماثلة، ولا بلد إلا وفيه مسجد، فلا معنى للرحلة إلى مسجد آخر.

 وأما المشاهد، سواء أكان فيها قبورا أو لا، فلا تتساوى، بل بركة زيارتها على قدر درجتها عند الله عز وجل وخصوصا إذا كان فيها قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، مثل إبراهيم وموسى ويحيى وغيرهم  عليهم الصلاة والسلام، وليس لأحد أن يمنع من شد الرحال إليها

وإذا جاز هذا فقبور الأنبياء والعلماء والصالحين في معناها، والأمر في حديث ، (( كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها )) ، – رواه  ابن ماجه – يدل بإطلاقه وسياقه على طلب الرحلة لزيارة القبور وما في حكمها من المشاهد التي شرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه كذلك ، وإن لم يكن بها قبور ، ولا وجه لتخصيصه بما لا رحلة فيه .

ثم إن التبرك بزيارة المشاهد التي شرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن على أثره ، ممن كمل اتِّباعهم لسنته من صحابة وغيرهم رضي الله عنهم، من قبيل التبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم ، عرقه ودمه ولعابه ولباسه وما اتصل به ، أو وطئته أقدامه الشريفة ، فقد خص الله تعالى هذه الآثار بمزايا وخصائص لا يحصيها إلا واهبها .

المستنير

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد