ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 10 أغسطس 2018 زيارة: 18

هل يترتب على التوسل كفر أو إيمان ؟

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: التأمل في حقيقة التوسل (ص60-64)
تأليف: الدكتور عيسى بن عبد الله بن مانع الحميري

يعتقد بعض الناس أن التوسل من مباحث العقيدة، ويترتب على القول به تكفير أو تبديع أو تفسیق و تضليل، ولو نظرنا إلى هذه القضية بعين الإنصاف لعلمنا أن التوسل ليس مبحثا من مباحث الاعتقاد، وأمره يدور بين الجواز والندب، وما كان أمره كذلك، فهو من موضوعات الفقه، وإقحام مباحث الفقه في العقيدة خطأ جسيم، وقلب للحقائق، وصرف للأمور عن وجهها، والأصل أن ينزل كل بحث في منزلته الصحيحة وفنه اللائق به.

علما بأن جميع الفقهاء على اختلاف مذاهبهم الفقهية يذكرون التوسل في باب صلاة الاستسقاء، أو عند زيارة القبر النبوي الشريف[1]، ولم نر أحدا من علماء أصول الدين يذكر التوسل في التوحيد إطلاقا، ومن خالف فليذكر لنا كتابا واحدا أتی بذکر التوسل في مسائل الاعتقاد، ولن يجد ذلك إلا في رسائل بعض المتاجرين بالخلاف من المعاصرين، وهؤلاء مطالبون بالرجوع إلى كتب مذاهب الأئمة الأربعة ليروا أنهم قد جعلوا مسألة من مسائل الفروع ضمن مسائل الاعتقاد، فأخطؤوا خطأ فاحشا.

يقول ابن تيمية بعد أن ذكر آراء الفقهاء في مسألة التوسل : «ولم يقل أحد: إن من قال بالقول الأول – يعني من قال بجواز التوسل – فقد كفر، ولا وجه لتكفيره، فإن هذه مسألة خفية ليست أدلتها جلية ظاهرة، والكفر إنما يكون بإنكار ما علم من الدين بالضرورة، أو بإنكار الأحكام المتواترة والمجمع عليها ونحو ذلك … بل المكفر بمثل هذه الأمور، يستحق من غليظ العقوبة والتعزير ما يستحقه أمثاله من المفترين على الدين، لا سيما مع قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): « من قال لأخيه : كافر، فقد باء بها أحدهما»[2]. [3].

وأخرج ابن حبان والبزار وأبو يعلى بإسناد جيد – وله شاهد عن معاذ رواه الطبراني في الكبير وابن عساكر – عن حذيفة قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن مما أتخوف عليكم رجلا قرأ القرآن حتى إذا رئيت عليه بهجته وكان ردءا للإسلام غيره الله إلى ما شاء فانسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وخرج على جاره بالسيف ورماه بالشرك. قلت يا رسول الله: أيهما أولى بالشرك الرامي أم المرمي ؟ قال: بل الرامي … الحديث[4].

ويقول حسن بن غنام الأحسائي، وهو من أصحاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، يقول في شرح أفكار الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب سماه «روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام»: «هذه المسألة أي : التوسل، من مسائل الفقه، ثم يقول : ولا إنكار في مسائل الاجتهاد»[5] اه. نقل هذا النص عنه الشيخ بشير السهسواني وهو من أشد المدافعين عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

ويقول سعد بن حمد بن عتيق النجدي، وهو من أئمة دعوة محمد بن عبد الوهاب في رسائله المطبوعة بإدارة البحوث العلمية والإفتاء بالرياض (ص 34)، يقول: «نحن لا نشدد في ذلك – أي : التوسل – على من فعله مستدلا بالحديث» اه.

ويقول السيد صدیق حسن خان القنوجي، وهو من علماء الهند المناصرين لدعوة محمد بن عبد الوهاب في كتابه «نزل الأبرار»: ومسألة التوسل بالأنبياء والصالحين مما اختلف فيه أهل العلم، وبلغت النوبة فيه إلى أن كفر بعضهم بعضا أو بدع أو ضلل، والأمر أيسر من ذلك، وأهون مما هنالك »[6].

وبالجملة ليست المسألة مستحقة لمثل هذه الخصومات والخلافات، ولكن أصبح أهل هذا الزمن طوائف يستوي في الإنكار على أهل الله جاهلهم وعارفهم، منهم من يعلم أنك على الحق وفعلك موافق لما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويجحد ويماري ويجادل، وقد قال الحق سبحانه وتعالى في وصفهم: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين) [7].

ومنهم من يعلم المسألة ولا يدرك تأويلها، ويجحد ويماري ويجادل أهل الحق حيث قال سبحانه في وصفهم: (بل كذبوا بما لم يحبطوا بعلمه ولا يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين) [8].

ومنهم من يعلم العلم ولا يرزقه الله سبحانه الهداية بعلمه، ويجحد ويماري ويجادل أهل الحق، وقد قال الله تعالى في وصفهم: (وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم) [9].

ومنهم من لا يعلم أصلا.

لذا يبنغي على العاقل أن يكون من المستبصرين نسأل الله السداد والتوفيق وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

________________________________

[1]. انظر على سبيل المثال: المجموع للنووي (8/274)، وإعانة الطالبين ( 2/315 )، والمغني الابن قدامة 3/588)، والشرح الكبير لابن قدامة (1/494/495)، والإنصاف ( 2/456 )، والاختيار(1/174)، وفتح القدیر (2/337)، ومراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي (ص 407)، والفتاوى الهندية ( 1/266 ).

[2]. مجموع فتاوى ابن تيمية (1/106).

[3]. الحديث أخرجه البخاري (6104) ومسلم (60).

[4]. أخرجه ابن حبان في صحيحه «الإحسان» ( 1/282 ) برقم (81) والبزار کما في کشف الأستار ( 99 / 1 ) برقم (175) وقال : إسناده حسن. كلاهما من حديث حذيفة بن اليمان (رضي الله عنه). وقال الهيثمي في المجمع (1/187-188) عن إسناد البزار: إسناده حسن. وحديث معاذ رواه الطبراني في الكبير ( 20/ 88) وابن عساكر في تبيين كذب المفتري (ص 403).

[5]. من كتاب السهسواني ( ص 183)، انظر رفع المنارة ( ص 50).

[6]. نزل الأبرار (ص 37).

[7]. من سورة البقرة الاية (89).

[8]. من سورة يونس الآية (39).

[9]. من سورة الأحقاف الآية (11).

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد