ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 8 يونيو 2019 زيارة: 28

وجوه جواز الاحتفال بمولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: الذخائر المحمدية (ص319-327)
تأليف: الدكتور محمد بن علوي المالكي

وقلت في مجلس من مجالس الخير: عن حكم الاحتفال بالمولد النبوي: أن ذلك جائز من وجوه:
الأول: أن الاحتفال بالمولد الشريف تعبير عن الفرح والسرور بالمصطفى – صلى الله عليه وسلم -، وقد انتفع به الكافر، فقد جاء في البخاري أنه يخفف عن أبي لهب كل يوم اثنين بسبب عتقه لثويبة جاريته لما بشرته بولادة المصطفى – صلى الله عليه وسلم -.
ويقول في ذلك الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدمشقي:

إذا كان هذا كافرا جاء ذمه … بتبت يداه في الجحيم مخلدا
أتى أنه في يوم الاثنين دائما … يخفف عنه للسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي طول عمره … بأحمد مسرورا ومات موحدا

الثاني: أنه – صلى الله عليه وسلم – كان يعظم يوم مولده، ويشكر الله تعالى فيه على نعمته الكبرى عليه، وتفضله عليه بالوجود لهذا الوجود، إذ سعد به کل موجود، وكان يعبر عن ذلك التعظيم بالصيام، كما جاء في الحديث عن أبي قتادة: أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «فيه ولدت، وفيه أنزل علي». رواه الإمام مسلم في الصحيح في كتاب الصيام.
وهذا في معنى الاحتفال به إلا أن الصورة مختلفة، ولكن المعنى موجود سواء كان ذلك بصيام أو إطعام أو اجتماع على ذكر أو صلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – أو سماع شمائله الشريفة.
الثالث: أن الفرح به – صلى الله عليه وسلم – مطلوب بأمر القرآن من قوله تعالى: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) فالله تعالى أمرنا أن نفرح بالرحمة، والنبي – صلى الله عليه وسلم – أعظم الرحمة. قال تعالى: (وما أرسلناك الا رحمة للعالمين).
الرابع: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث الدينية العظمى التي مضت وانقضت، فإذا جاء الزمان الذي وقعت فيه كان فرصة لتذكرها، وتعظيم يومها، لأجلها، ولأنه ظرف لها:
وقد أصل – صلى الله عليه وسلم – هذه القاعدة بنفسه، كما صح في الحديث أنه – صلى الله عليه وسلم -: لما وصل إلى المدينة ورأي اليهود يصومون يوم عاشوراء، سأل عن ذلك، فقيل له: إنهم يصومونه لأن الله نجي نبيهم وأغرق عدوهم فيه، فهم يصومونه شكرا لله على هذه النعمة، فقال – صلى الله عليه وسلم -: نحن أولى بموسى منکم فصامه وأمر بصيامه.
الخامس: أن الاحتفال بالمولد لم يكن في عهده – صلى الله عليه وسلم -، فهو بدعة، ولكنها حسنة لاندراجها تحت الأدلة الشرعية، والقواعد الكلية، فهي بدعة باعتبار هيئتها الاجتماعية، لا باعتبار أفرادها، لوجود أفرادها في العهد النبوي کما سنعلم ذلك تطبيقة إن شاء الله تعالى.
السادس: أن المولد الشريف يبعث على الصلاة والسلام المطلوبين بقوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وما كان يبعث على المطلوب شرعا فهو مطلوب شرعا، فكم للصلاة عليه من فوائد نبوية، وإمدادات محمدية، يسجد القلم في محراب البيان عن تعداد آثارها، ومظاهر أنوارها.
السابع: أن المولد الشريف يشتمل على ذكر مولده الشريف ومعجزاته وسيرته والتعريف به، أو لسنا مأمورين بمعرفته ومطالبين بالاقتداء به، والتأسي بأعماله، والإيمان بمعجزاته، والتصديق بآياته، وكتب المولد تؤدي هذا المعنى تماما.
الثامن: التعرض لمكافأته بأداء بعض ما يجب له علينا، ببيان أوصافه الكاملة، وأخلاقه الفاضلة، وقد كان الشعراء يتقربون إليه – صلى الله عليه وسلم – بالقصائد، ويرضى عملهم، ويجزيهم على ذلك بالطيبات والصلات، فإذا كان يرضى عمن مدحه فكيف لا يرضى عمن جمع شمائله الشريفة؟، ففي ذلك التقرب له (عليه الصلاة والسلام)، باستجلاب محبته ورضاه.

التاسع: أن معرفه شمائله ومعجزاته وإرهاصاته تستدعي کمال الإيمان به (عليه الصلاة والسلام)، وزيادة المحبة إذ الإنسان مطبوع على حب الجميل، خَلقا وخُلقا علما وعملا حالا واعتقادا، ولا أجمل ولا أكمل ولا أفضل من أخلاقه وشمائله – صلى الله عليه وسلم – وزيادة المحبة وكمال الإيمان مطلوبان شرعا. فما كان يستدعيهما مطلوب كذلك.
العاشر: أن تعظيمه – صلى الله عليه وسلم – مشروع، والفرح بيوم ميلاده الشريف بإظهار السرور ووضع الولائم والاجتماع للذكر، وإكرام الفقراء من أظهر مظاهر التعظيم والابتهاج والفرح والشكر لله، بما هدانا لدينه القويم، وما من به علينا من بعثه عليه أفضل الصلاة والتسليم.
الحادي عشر: يؤخذ من قوله – صلى الله عليه وسلم – في فضل يوم الجمعة، وعد مزاياه، «وفيه خلق آدم» تشريف الزمان الذي ثبت أنه ميلاد لأي نبي کان من الأنبياء – عليهم السلام -، فکيف باليوم الذي ولد فيه أفضل النبيين وأشرف المرسلين.
ولا يختص هذا التعظيم بذلك اليوم بعينه، بل يكون له خصوصا ولنوعه عموما مهما تكرر، كما هو الحال في يوم الجمعة، شكرا للنعمة، وإظهارا لمزية النبوة، وإحياء للحوادث التاريخية الخطيرة ذات الإصلاح المهم في تاريخ الإنسانية وجبهة الدهر وصحيفة الخلود، كما يؤخذ تعظيم المكان الذي ولد فيه نبي من أمر جبريل – عليه السلام – النبي – صلى الله عليه وسلم – بصلاة ركعتين ببيت الحم، ثم قال له: أتدري أين صليت؟ قال: لا، قال: صليت ببيت لحم، حيث ولد عيسى.
الثاني عشر: أن المولد أمر استحسنه العلماء والمسلمون في جميع البلاد، وما جرى به العمل في كل صقع، فهو مطلوب شرعا للقاعدة المأخوذة من حديث ابن مسعود الموقوف: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح [1]، أخرجه أحمد.
الثالث عشر: أن المولد اجتماع ذكر وصدقة، ومدح وتعظيم اللجناب النبوي فهو سنة، وهذه أمور مطلوبة شرعا، وممدوحة وجاءت الآثار الصحيحة بها، وبالحث عليها.
الرابع عشر: أن الله تعالى قال: (وكلا نقص عليك من أبناء الرسل ما نثبت به فؤادك)[2] يظهر منه أن الحكمة في قصص أنباء الرسل – عليهم السلام – تثبت الفؤاد الشريف بذلك، ولا شك أننا اليوم محتاجون إلى تثبيت أفئدتنا بأنبائه وأخباره أشد من احتياجه هو – صلى الله عليه وسلم -.
الخامس عشر: ليس كل ما لم يفعله السلف، ولم يكن في الصدر الأول بدعة منكرة سيئة يحرم فعلها ويجب الإنكار عليها، بل يجب أن يعرض ما أحدث على أدلة الشرع، فما اشتمل على مصلحة فهو واجب، أو على محرم فهو محرم، أو على مكروه فهو مكروه أو على مباح فهو مباح، أو على مندوب فهو مندوب، وللوسائل حكم المقاصد، ثم قسم العلماء البدعة إلى خمسة أقسام:
واجبة: كالرد على أهل الزيغ، وتعلم النحو.
ومندوبة: كإحداث الربط والمدارس، والأذان على المنائر، وصنع إحسان لم يعهد في الصدر الأول.
ومكروهة: کزخرفة المساجد وتزويق المصاحف.
ومباحة: كاستعمال المنخل، والتوسع في المأكل والمشرب.
ومحرمة: وهي ما أحدث لمخالفة السنة، ولم تشمله أدلة الشرع العامة ولم يحتو على مصلحة شرعية.
السادس عشر: كل ما لم يكن في الصدر الأول بهيئته الاجتماعية، لكن أفراده موجودة، يكون مطلوبا شرعا، لأن ما تركب من المشروع فهو مشروع كما لا يخفى.
السابع عشر: ليست كل بدعة محرمة ولو كانت كذلك لحرم جمع أبي بكر وعمر وزيد (رضي الله عنهم) القرآن، وكتابته في المصاحف خوفا على ضياعه بموت الصحابة القراء (رضي الله عنهم) ولحرم جمع عمر (رضي الله عنه) الناس على إمام واحد في صلاة القيام مع قوله: «نعمت البدعة هذه» ولحرم التصنيف في جميع العلوم النافعة، ولوجب علينا حرب الكفار بالسهام والأقواس مع حربهم لنا بالرصاص والمدافع والدبابات والطائرات والغواصات والأساطيل، ولحرم الأذان على المنائر واتخاذ الربط والمدارس والمستشفيات والإسعاف، ودار اليتامى والسجون، ومن ثم قيد العلماء (رضي الله عنهم) حديث «كل بدعة ضلالة» بالبدعة السيئة ويصرح بهذا القيد ما وقع من أكابر الصحابة والتابعين من المحدثات التي لم تكن في زمنه – صلى الله عليه وسلم -.
الثامن عشر: قال الإمام الشافعي (رضي الله عنه): ما أحدث وخالف كتابا أو سنة أو إجماعا أو أثرا فهو البدعة الضالة وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئا من ذلك فهو المحمودة. اهـ
وجرى الإمام العز بن عبد السلام والنووي كذلك، وابن الأثير على تقسيم البدعة إلى ما أشرنا إليه سابقا.
التاسع عشر: كل ما تشمله الأدلة الشرعية، ولم يقصد بإحداثه مخالفة للشريعة ولم يشتمل على منكر فهو من الدين.
وقول المتعصب: إن هذا لم يفعله السلف ليس هو دليلا له، بل هو عدم دليل، كما لا يخفى على من مارس علم الأصول، فقد سمى الشارع بدعة الهدى سنة، ووعد فاعلها أجرا فقال عليه الصلاة والسلام: «من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء» [3].
العشرون: إن الاحتفال بالمولد إحياء لذكرى المصطفى – صلى الله عليه وسلم -، وذلك مشروع عندنا في الإسلام، فأنت ترى أن أكثر أعمال الحج إنما هي إحياء لذكريات مشهودة، ومواقف محمودة، فالسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار والذبح بمنى، كلها حوادث ماضية سابقة، يحيى المسلمون ذكراها بتجديد صورتها في الواقع.
الحادي والعشرون: كل ما ذكرنا سابقا من الوجوه في مشروعية المولد إنما هو في المولد الذي خلا من المنكرات المذمومة التي يجب الإنكار عليها، أما إذا اشتمل المولد على شيء مما يجب الإنكار عليه كاختلاط الرجال بالنساء وارتكاب المحرمات، وكثرة الإسراف مما لا يرضى به صاحب المولد الشريف – صلى الله عليه وسلم – فهذا لا شك في تحريمه ومنعه لما اشتمل عليه من المحرمات، لكن تحريمه حينئذ يكون أمرة عرضيا لا ذاتيا، كما لا يخفى على من تأمل ذلك.

_______________________

[1] . قال صاحب المقاصد الحسنة ما نصه: «حديث ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» رواه أحمد في كتاب السنة ووهم من عزاه للمسند من حديث أبي وائل عن ابن مسعود قال: إن الله نظر في قلوب العباد فاختار محمدا – صلى الله عليه وسلم – فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد فاختار له أصحابه، فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح» وهو موقوف حسن وكذا أخرجه البزار والطيالسي والطبراني وأبو نعيم في ترجمة ابن مسعود من الحلية بل هو عند البيهقي في الاعتقاد من وجه آخر عن ابن مسعود».

وقال معلق حواشيه (الشيخ عبد الله الصديق الغماري) في الحاشية: «بل هو في المسند أيضا».

[2] . سورة هود آية 120.

[3] . رواه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة بألفاظ مختلفة.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد