ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 21 ديسمبر 2017 زيارة: 182

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: مواهب الرحمن في تفسير القرآن، ج3، ص142-146.
تأليف: الشيخ عبد الكريم محمد المدرس

قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) آية جامعة لجهات الخير للمسلم الكاسب لرضاء الله سبحانه فإن حقه أولا أن يتقي ربه بالإيمان به والابتعاد عن الكفر وترك سائر المحرمات ثم أداء الواجبات والمندوبات بقدر الاستطاعة. وثانيا أن يبتغي الوسائل إلى اله سبحانه وتعالى فيتوسل بالعلماء لتعلم أحكام الدين من شتى الجهات اعتقادا وعملا فعلا وتركا. ثم يتوسل بصحبة الصالحين المنورين لتنوير قلبه وسائر لطائفه وتخلية نفسه الأمارة عن الرذائل كالرياء والنفاق والحسد والكبر والعتو والعناد وحب السيطرة على العباد وغير ذلك من المهالك … فإذا لمس من مسلم خيرا واكتسب من صحبته نورا واستفاد ثباتا واطمئنانا لقلبه وانشراحا لصدره فليلازمه بقدر الإمكان فإنه خير وبركة ورزق روحي ساقه الله تعالى إليه وينبغي له حينئذ أن يحترم ذلك الصاحب المبارك ويتسدر من حسب الأدب معه محاسن الأخلاق وفضائل الآداب وإذا توفي ذلك الرجل ولحق مقامه الموعود أن يزوره ويدعو له ويطلب من الله سبحانه وتعالى لنفسه هناك الخير والبركة والتوفيق لأن ذلك المقام مقام ومدفن لشخص مات في السعي لترويج دين الله ومقام شخص تنور قلبه بنور الله، فذلك المحل كعين ماء زلال لا تحتاج إلى أن تتكلم معه و تستفيد من معينه زلال الصفاء للقلب العاطش إلى فيض الكرم، أو كمحل قوة كهرباء مدفئة أو مبردة لا تحتاج أنت في الاستفادة منه إلى طلب منه فإن نور الشمس يضيء أهل العالم طالبا أو هاربا. وإذا توسل به إلى الله سبحانه وتعالى وقال: يا رب ببركات صاحب هذا الضريح الباذل حياته في رضاك ارحمني وسامحني فقد ابتغى إليه الوسيلة، ولم يعمل عملا خارجا عن إطلاق النصوص ولم يأت بشيء منهي عنه أبدا. بل طبق الأمر بابتغاء الوسيلة في قوله تعالى (وابتغوا إليه الوسيلة) أي ما تتوسلون به إلى ثوابه والزلفى منه من فعل الطاعات وترك المعاصي فمن فعل الطاعات أداء الفرائض والنوافل ومنه احترام الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين واعتبار المنزلة لهم عند رب العالمين، وقال تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ؟ ساء ما يحكمون!).

وإذا علمت ذلك فاعلم أن الوسيلة كل ما يتوسل به إلى الثواب من الله تعالى من الطاعات وقد اتفقوا عليه المفسرون فلنذكر الطاعات التي يتوسل بها إليه ولا شك أن منها الامتثال للأوامر مطلقا والاجتناب عن كل ما نهى عنه مطلقا. ومن الطاعات محبة الله ورسوله وخيار أمته من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين في أحكام الدين وسائر العلماء العاملين والصالحين. ومن الطاعة ملازمة الصادقين قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) وهم الذين إذا رؤا ذكر الله. ولا شك أن الكينونة معهم كينونة بالمحبة والألفة الروحية سواء عند حضورهم أو غيابهم فإن الصحبة مع المحبة هي التي تنفع المسلم وتقويه على ما يبتغيه من الجهد في الدين لأن تلك الصحبة هي التي تورث الإنسان التخلق بالأخلاق الحسان. ومن الطاعة توسلك إليه بطلب العلم والتعلم من العلماء العاملين، لأن طلب العلم فريضة إن كان واجبا ومستحب إن كان مندوبا وكلاهما طاعة. ومن الطاعة التوسل بالصالحين الأصفياء لتزكية النفس عن الرذائل وتحليتها بالفضائل. قال تعالى: (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) ومن المعلوم أن ما توقف عليه الواجب واجب. فإذا لم تتيسر هذه التزكية إلا بصحبة الأصفياء الصادقين وجب على المسلم الصحبة والمجاورة، فإن كان التداوي عن المرض الحسي مستحبا فالتداوي عن المرض النفسي واجب، لأن الكبر والعجب والرياء والنفاق وسائر الأمراض لا تدع الإنسان يتوجه إلى ربه توجها مناسبا لرب العالمين.

ومن الطاعة دعاؤك بنفسك لنفسك وللمسلمين وطلب دعائك من غيرك لخيرك وخير المسلمين سواء كان المطلوب منه مساويا أو أدنى أو أعلى من الطالب فكل ذلك قد ثبت في الدين. ومن الطاعة التوسل بجاه الأنبياء والمرسلين. وإذا نظرنا إلى ذلك بعين الإنصاف وجدناه بلا أي مانع ولا أي نهي وارد وقد وجدنا الوسيلة في الآية الكريمة مطلقة مجردة عن القيود وكل مطلق مسكوت عن تقييده الأصل في الإباحة.

وإذا نظرنا إلى الحديث الوارد في التوسل بحق نفسه وحق النبيين قبله كما جاء عندما نزل (عليه السلام) في قبر فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب ثم خرج وقال: (الله الذي يحي ويميت والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين) وإلى ما ورد من توسل الضرير بالرسول (صلى الله عليه وسلم) والاستشفاع به لرد نور بصره وإجابة طلبه. وغير ذلك مما يطول ذكره هنا … لم يبق أدنى شبهة في جواز ذلك التوسل به في استحبابه اقتداء به (صلى الله عليه وسلم) فيه.

والذي يفرق في جواز ذلك بين التوسل بالنبي سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) وغيره فأجاز التوسل به لا بغيره فمع أنه يرده ما قاله (صلى الله عليه وسلم) في طلب عفو أم سيدنا علي (كرم الله وجهه) يجاب عنه بأن التوسل بغير الله تعالى حقيقة واحدة فإذا كان ممكنا في بعض العباد الصالحين أمكن في سائر الصالحين، وإن كانت درجات صلاحهم متفاوتة. ومن فرق بين الحي والميت فقد انحرف عن الصراط المستقيم لأن المتوسل به في الحياة هو الروح الإنساني المدبر لأمر الجسد وتلك الروح باقية في عالم البرزخ وقوتها قوة الشفاعة لا غير، فلا فرق بين حالي الحياة والممات، وإذا لم يرد نهي عن ذلك التوسل فهو باق على إباحته والأمر موكول إلى النصوص لا إلى المجد والماجد والجمع والواحد، فإن الأمر بابتغاء الوسيلة مطلق والعامل بإطلاقه موفق.

فعلى تلك الأسس السليمة وعلى إطلاق الوسيلة في الآية الكريمة نتوسل إلى الله تعالى بأسماء الله الحسنى وبصفاته العظمى وبذوات الأنبياء والمرسلين وبجاههم عند رب العالمين، كما نتوسل يوم القيامة بصاحب المقام المحمود للشفاعة الكبرى في اليوم الموعود. ونتوسل بطلب الدعاء من الصالحين أحياء وأمواتا. أما الأحياء فهم من الأولياء المرغوبين. وأما الأموات فهم من ركب الصديقين والشهداء المحبوبين والصالحين المحسوبين. وأقول عند التوسل: السلام عليك أيها العبد الصالح الصادق في عبوديته لربه ادع الله تعالى أن يدفع عني شر الأشرار ويحفظني من فتنة المحيا والممات ومن عذاب النار.

فإن قلت: لم لا تدعو أنت بنفسك لنفسك وتطلب الدعاء منه.

قلت: أمرنا بابتغاء الوسيلة وأتوسل بدعاء نفسي وبدعاء أهل الفضيلة.

فإن قلت: هو معدود من الأموات.

قلت: روحه الطاهرة باقية تنزل عليه البركات.

فإن قلت: هو ميت والميت غافل!

قلت: الغافل هو الذي غفل قلبه في حياته عن ذكر الله لا الذي مات عن الطاعة والذكر بأمر الله.

فإن قلت: ما ورد التوسل بذلك!

قلنا: لا نرى مانعا منه هنالك. هذا ما اعتقده على ضوء نصوص الكتاب والسنة السنية، وعمل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في مدة أربعة عشر قرنا من الهجرة النبوية (صلى الله عليه وسلم).

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد